مند سنوات الثمانينات عرف المغرب انفتاحًا اقتصاديًا مهما تمثل في توقيع عدة اتفاقيات تجارية مع عدة بلدان، منها اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1996، في 2004 مع تركيا ومع بلاد العام سام سنة 2006، أيضًا هناك اتفاقيات أخرى مع عدة اقتصاديات عربية، الانفتاح الكبير للاقتصاد المغربي كان بتوصيات مهمة من طرف مؤسسات دولية كصندوق النقد، البنك الدولي… إلخ.

اتفاق الشراكة مع  الاتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التنفيد سنة 2000 حصل المغرب بموجبه على صفة الشريك المميز وقد كان ذلك في عهد الرئاسة الفرنسية بغية تعزيز العلاقات الديبلوماسية بين الرباط  وبروكسيل، في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وبعد مزاعم أعداء الوحدة الترابية، وفي قرار غير عقلاني، المحكمة الأوروبية (بناءً على طلب محكمة بريطانية) تقول إن الاتفاق بين الطرفين لا يجب أن يشمل المياه المقابلة للصحراء المغربية فيما يخص عمليات الصيد البحري، مباشرة بعد ذلك سيقوم المغرب بتعليق جل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في رسالة واضحة وصريحة مفادها أن المغرب لن يقبل بأي مساس بوحدته الترابية لدرجة أنه مستعد للتخلي عن أكبر صديق تجاري، اليوم تغيرت الكثير من المعطيات إقليميًا ودوليًا، الاتفاق الزراعي بين الطرفين عاد للواجهة بملامج جديدة سترسم مستقبل العلاقات الاقتصادية الثنائية بين البلدين، الاتفاق التجاري سيشمل الأقاليم الجنوبية أيضًا باعتبارها أراضي مغربية، حيث ستمتد المعملات التفضيلية المتعلقة بقواعد المنشأ التجارية للصحراء المغربية حيت ارتكز  الاتفاق على تعديل عدة بروتوكولات أهمها: Protocole ،1:Accès au Marché وProtocole 2:Règles d’origine. جدير بالذكر أن البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ أجمع على هدا الاتفاق بنسبة 442 صوتًا و172 ضد القرار، في حين بلغ  عدد الممتنعين عن التصويت 65 عضوًا. في خضم هده  التغيرات هنالك إشكالات تطرح نفسها لعل أهمها ما يلي:

ما المقصود إذًا بقواعد المنشأ في إطارها النظري؟
ما أهميتها في منظومة المبادلات التجارية الدولية؟ ما موقع قواعد المنشأ في ظل الاتفاق التجاري بين المغرب – الاتحاد الأوروبي؟

 

أولًا: أدبيات نظرية حول قواعد المنشأ. (Literature Review

قواعد المنشأ إذًا تمثل ميكانيزما مهمًا في دمج جل المبادلات التجارية الدولية، تعتبر لقواعد المنشأ من الركائز الهامة في الأعمال الجمركية، وتزداد أهميتها بازدياد الاتفاقيات الاقتصادية المتعلقة، خصوصًا بالتبادل الحر، وتعتبر الجمارك الفاعل الأساسي في هذا الجانب.

١- تعريفات ومصطلحات

 – قواعد المنشأ حسب منظمة التجارة الدولية (OMC)

تعرف منظمة التجارة الدولية قواعد المنشأ (Rules of origin) على أنها القوانين والتعليمات والقرارات الإدارية ذات التطبيق العام المطبقة لدى أعضاء المنظمة لتحديد بلد منشأ السلعة، حيت تميز OMC بين قواعد المنشأ التفضيلية وقواعد المنشأ غير التفضيلية، وكل جانب له تطبيقاته الخاصة حسب العلاقة التجارية.

– قواعد المنشأ حسب اتفاقية كيوطو.

تعرف اتفاقية كيوطو للإجراءات الجمركية قواعد المنشأ على أنها الأحكام المحددة المستمدة من مبادئ قائمة بموجب التشريع المحلي أو الاتفاقات الدولية (معايير المنشأ) والمطبقة لدى بلد ما لتحديد منشأ البضائع. تعرف منظمة التجارة الدولية قواعد المنشأ (Rules of origin) على أنها القوانين والتعليمات والقرارات ذات التطبيق العام المطبقة لدى أعضاء المنظمة لتحديد بلد منشأ السلعة.

2- أهمية قواعد  المنشأ في التجارة الدولية

تلعب قواعد المنشأ اهمية بالغة في تنظيم التدفقات التجارية الدولية حيت تتجلى أهميتها  الكبرى في المحاور الآتية:

  • تحديد ما إذا كانت السلعة المستوردة ستحصل علي المعاملة التفضيلية (Traitement national) أو المعاملة غير التفضيلية التي تشمل جل الاقتصاديات الأخرى (NPF).
  •  قواعد المنشأ تساعد على تطبيق أدوات الإجراءات التجارية مثلًا: مكافحة الإغراق (Anti-Dumping)، وإجراءات الحماية الأخرى (Mesures de Sauvegarde).
  • يفيد معرفة المنشأ في التحقق من القيمة الحقيقية للسلع (Valeur En Douane)، فالمنتج الألماني مثلًا في الغالب يكون أغلى من مثيله من المنتجات الأخرى.
  •  يستخدم المنشأ في أغراض التحليل الإحصائي لمتابعة حركة التجارة الدولية مع دول العالم، في هذا النطاق هناك مقالة تحت عنوان (Barbie and the World Economy) تشرح بالتفصيل دور قواعد المنشأ في الإحصاءات التجارية الدولية، هذه الأخيرة تتحدث عن أشكال الإحصاءات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
  •  يعتبر تحديد منشأ البضاعة بمثابة حماية للمستهلك المحلي والصناعة المحلية أيضًا.

ثانيًا: قواعد المنشأ في الاتفاق التجاري المغربي – الأوروبي

بعد النبدة التعريفية المتعلقة بقواعد المنشأ سنرى أهميتها في ظل الاتفاق التجاري بين الرباط وبروكسيل. 

1- قواعد المنشأ في بروتوكول – PAN-EUROMED 

الصادرات المغربية يجب أن تستوفي شروط بروتوكول (PAN-EUROMED) المتعلقة بقواعد المنشأ الذي دخل حيز التنفيد في 2006، هذا البروتوكول المعتمد من طرف الاتحاد الأوروبي، يشمل أيضًا الدول المنضوية تحت لواء الجمعية الأوروبية للتبادل الحر (AELA)، بل يمتد أيضًا لدول البلقان. 

الاتفاقية الجهوية المتعلقة بقواعد المنشأ التفضيلية (PAN-EUROMED) جاءت لتحل محل شبكة البروتوكولات التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي مع شركائه الاقتصاديين، الجدير بالذكر أن المغرب وقع على هذا البروتوكول في أبريل (نيسان) 2012، هذه الاتفاقية منذ ذلك الوقت، وهي قيد مراجعة دقيقة من طرف خبراء التجارة الخارجية والمتخصصين في قواعد المنشأ على اعتبار أنها مجرد نسخ للبروتوكولات السابقة وحسب.

إن تعديل البروتوكولات 1 و2 بين المغرب وأوروبا سيمكن المنتجات الموجودة بالأقاليم الجنوبية من الحصول على معاملات تفضيلية كباقي المنتجات الأخرى القادمة من ربوع المملكة، وبالتالي يبقى دور الكفاءة المغربية أمرًا حتميًا لإثبات منشأ هذه البضائع من خلال إتقان القواعد المتعلقة بتحديد منشأ السلع حسب القوانين الجاري بها العمل.

2- قواعد المنشأ ورهانات إثبات الأصل

تعتبر قواعد المنشأ من الأسباب الرئيسة التي تقف وراء ارتفاع التكاليف الإدارية وتكاليف المعاملات التجارية وتقوية الاندماج التجاري والاقتصادي بين الدول، المقاولة المغربية إذًا عليها أن تكون أكثر كفاء لمسايرة هده المسألة المتعلقة بمعايير تحديد المنشأ.

– المنتجات المتحصل عليها بالكامل Obtained Or Produce Wholly.

وهذا يعني حسب البروتوكول أن تكون السلعة بالكامل من زراعة أو إنتاج أو صنع بلد واحد فقط، وبدون استعمال أي مدخل غير محلي، كمثال: الحيوانات الحية التي ولدت وتربت بذات البلد، الخضار والفواكة المقطوفة في البلد، الأسماك التي تم صيدها من مياه البلد الإقيلمية والمنتجات.
المعدنية المستخرجة من التربة أو قاع البحر في البلد. إن الحالات السابقة يسهل تحديدها، ولا تتطلب أية خبرة تقنية تصنيعية فيما يخص هذا الباب المنتجات الصحراوية المغربية لن يكون لها لبس لدخول سوق أوروبا، لكن المعايير الأخرى تتطلب. فطنة تقنية قانونية لإثبات الأصل المغربي للبضائع المتجهة من الصحراء المغربية لأوروبا.

– معايير التحويل الجوهري – Transformation Substantial

يشير Inama Stefano في كتابه  Rules Of Origin in International Trade إلى أن معيار التحويل الجوهري يقوم على أساس عمليات التصنيع التي تخضع لها المادة أو السلعة في بلد ما حيث تصبح من خلالها صالحة للاستخدام بشكل مختلف عن استخدامها الأولي، بعبارة أدق تكتسب السلعة صفة المنشأ في البلد الذي يجري عليها فيه آخر عملية تحويل أو تصنيع جوهري شامل، شرط أن يؤدي هذا التصنيع إلى خلق منتج جديد، ويحدد معنى التحويل الجوهري في الاتفاقيات الدولية بأي من الحالات التالية:

  •  إذا تغير تصنيف التعريفة الجمركية للسلعة، عن تصنيف كل من مكوناتها أو أجزائها الأساسية. (Classification Tarifaire).
  •  إذا كانت القيمة المضافة تساوي على الأقل 40% أو 50 أو 60 من قيمة السلعة في أرض المصنع (Ad Valorem).
  • استعمال طريق خاصة أثناء عملية التحويل: ثمة حالات تتيح فيها عملية تحويل معينة.

في هذا الإطار وجب على المقاولات المغربية العاملة في مجال الصيد البحري إتقان دمج قواعد المنشأ، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية المعروفة بصناعات الصيد البحري، في المغرب عموما تحتل صناعة تحويل وتثمين منتجات الصيد البحري مكانة مهمة في الاقتصاد الوطني، إذ تتم معالجة ما يقارب 70% من إفراغات الصيد الساحلي، ويتم تصدير ما يناهز 85% الى مختلف ربوع العالم من إنتاجها، وفي الأقاليم الجنوبية يعد التجميد النشاط الأبرز للنسيج الصناعي البحري، يليه التصبير ثم توضيب السمك الطري.

عمومًا تكتسي قواعد المنشأ أهمية بالغة في التجارة الدولية وزادت اهميتها بتطور اتفاقيات التبادل الحر المبرمة بين مختلف الاقتصاديات، رغم تعقيده البالغ والذي يتطلب الإلمام بالمهارات التقنية والقانونية معًا، المغرب استطاع مؤخرًا إقناع الاتحاد الأوروبي بأطروحته فيما يخص الاتفاق الزراعي، والذي يعد انتصارًا ديبلوماسيًا للرباط أمام خصومه، هذا الاتفاق الذي شمل مراجعة البروتوكول 1: المتعلق بدخول السوق، والبروتوكول، 2: المتعلق بقواعد المنشأ، سيمكن هدا التغيير من تعزيز التجارة الخارجية بالاقاليم الجنوبية المغربية، مما سينعكس إيجابًا على المنطقة برمتها، حيت ستصبح قبلة للمستتمرين الأجانب، سيبقى التحدي إذًا في الخبرة المغربية المتعلقة بضمان استفادة منتوجات الاقاليم الجنوبية من المعاملة التجارية التفضيلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد