سقوط الخلافة ونشأة الإخوان

نشأت جماعة الإخوان المسلمين حركة إسلامية إصلاحية شاملة لغرض أساسي واضح هو استعادة الخلافة الإسلامية التي أسقطها أتاتورك عام 1924، وأسسها حسن البنا بعد سقوط الخلافة ب 4 سنوات، وسرعان ما انتشر فكر هذه الجماعة وأصبح لهم ظهير عالمي فكرًا وتنظيمًا، فنشأت جماعات أخرى تحمل فكر الإخوان في عديد من الدول، ووصلت الآن إلى 72 دولة تضم كل الدول العربية ودولاً إسلامية وغير إسلامية في القارات الست.
وعلى مدى ما يقارب ال 90 عامًا قد ذاق الإخوان والحركات المنبثقة عنها ومازالوا المر ألوانـًا ومروا بعديد من المحن ومازالوا أيضًا.

الدائرة الوهمية والخطوط الحمراء

ولأن الغرب يعلم أهداف هذه الجماعة وأشباهها فقد سخر النظام العالمي قوته وحشد آلياته وجنوده ووسائله لمحاربة هذه الجماعة وتجفيف منابعها ووضع لها دائرة وهمية من الصلاحيات التي يسمح هو لهم بامتلاكها.
ظل دائمًا الغرب والنظام العالمي يشجعهم على نيل ما يسمح لهم بنيله بالطرق الهادئة الوديعة بعيدًا عن التعصب والتطرف، ظل دائمًا يهمش لهم الجهاد ويصعبه عليهم بل ويريهم أن من سلك طريق غير الهدوء لنيل بعض الحقوق جزاؤه أن يوصم بوصمة الإرهاب وأن يكرهه العالم أجمع، يكفي أن ينعتك أحدهم بالإرهاب لكي ترتعد فرائصك ولكي تشعر بالعار.

ظل النظام العالمي يمسك خيوط اللعبة بإحكام ويتحكم في العالم كدمية كما يريد، وكلما زاد تعاطف الناس مع الإسلام وبدأوا يبحثون عن الحق يلهيهم بأحداث وصراعات جانبية ويصرف نظر الناس عن حقيقة الإسلام وجوهره إلى قشور، ويركز الضوء لهم على ما يريدهم فقط أن يروه؛ فجعل كلمة الإسلام عامة والجهاد خاصة تقترن بالإرهاب، وكما هي الحرب الباردة فقد ظل النظام العالمي يبتسم للإخوان من فوق الطاولة ومن الأسفل يطعنهم في أعز ما يملكون، يطعنهم في حريتهم واستقرارهم، ولكن بأن يضمن ألا يصلوا إلى مقاليد الأمور والحكم وأن يكتفوا بمقاعد المعارضة وأن يحمدوا الله أنهم مازالوا يسمح لهم بالعمل كمعارضة وفي دولة أو اثنتين كشركاء غير مؤثرين في الحكم، وفي أخرى لا وجود لهم أصلاً.

 
فظلت الجماعة وغيرها من الإسلاميين على مدار ما يقرب من 90 عامًا بعيدين عن مقاعد السلطة أقصى طموح لهم هو شراكة صورية في إحدى الحكومات، والطبيعي أن يكونوا دائمًا في المعارضة وأدنى أوضاعهم أن يضطهدوا وينفوا يملأ بهم السجون والمعتقلات والقبور.

الحقيقة المرة: رسائل النظام العالمي للإسلاميين

أيًّا كانت الطريقة التي أتيت بها للحكم كإسلامي فلن يرضى عنك النظام العالمي والغرب؛ لأنك كإسلامي حقيقي تحمل فكر الإسلام المعتدل، وجودك يشكل بشكل مباشر وغير مباشر تهديدًا على وجود هذا النظام؛ لأنهم يعلمون جيدًا أنه من المستحيل أن يشتروا ذمتك وأنك إن كنت إسلاميًّا حقيقيًّا فهذا يعني أن مصالحكم لن تشترك ولن تتفق، وأنه سيتحول في فترة حكمك من التبعية إلى الندية، وهذا جل ما يخشاه ويحارب من أجل ألا يكون.

فإن أنت أبيت الهدوء والخنوع والتبعية لهم كفروا بالديموقراطية التي يدعون، وسلطوا عليك جنودهم حتى يضعونك أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن ترجع لرشدك وتكون تابعًا لهم وفي معسكرهم، وإما أن تكون في معسكر الخاص تبني فيه وتشيده وهذا لن يسمحوا به.
الرسالة الأولى: أعطهم مبررًا لقتلك وسيفعلون

فقط أعطهم مبررًا واحدًا ليقتلوك فسيفعلون ويخرجون على العالم أجمع بهذا المبرر، ويقولون إرهابي وإن لم تفعل فقد أمنت على نفسك، لن يقتلوك طالما حافظت على سلميتك، ولكن بشروطهم هم وليس بشروطك، هذا هو الخطأ العظيم الذي وقع فيه الإخوان في مصر؛ لأنهم ظنوا أنهم بالسلمية قد يستطيعون أن يكملوا نضالهم، وأنه بذلك لن يستفزوا الغرب ولن يقتلوهم أو ينكلوا بهم.
الرسالة الثانية: لا تتجاوز حدود الدائرة ولا الخطوط الحمراء

لقد أوصل لهم الغرب والنظام العالمي رسالة واضحة وصريحة مفادها أنكم كجماعة الإخوان المسلمين في مصر قد تجاوزتم الحدود المرسومة لكم والخطوط الحمراء الموضوعة لأي إسلامي، وأنه سواء ظللتم على سلميتكم أو حملتم السلاح فلا بديل لدينا إلا أن نقتلكم ونشردكم حتى نضعكم في خيارين لا ثالث لهما، إما أن ترجعوا عنوة إلى مقاعدكم الأولى وإلى ما خلف الخطوط الحمراء وإلى الدائرة الوهمية المرسومة لكم، وإما أن تحملوا السلاح وتبادوا عن بكره أبيكم وتمحوا من الوجود محوًا على شاكلة حركات إسلامية أخرى في دول أخرى تحمل فكركم أو فكرًا آخر أو تتبع لكم تنظيميًّا.

الرسالة الثالثة: لقد صنعنا نموذجًا مشوهًا من حلمكم وطموحكم و بدأ العالم يكرهه بالفعل

وفي الوقت نفسه لكي يشوه النظام العالمي فكرة الخلافة الإسلامية فقد خرج على العالم بنموذج مشوه لها وهو نموذج داعش، بغض النظر عن أسباب وجود هذا التنظيم فهو صورة مزيفة ومصطنعة عن نموذج الخلافة الإسلامية وتنفر الناس في تلك الفكرة شكلاً وموضوعًا، وتجذب إليها الشباب المفتون والمضلل اللذين لم يجدوا مخرجًا غير داعش بعد أن فقدوا الأمل في أن يروا لفكرهم النور.

وعند الغرب والنظام العالمي تحل المشاكل دائمًا والعقبات بمحاربة الفكرة من جذورها وتنفير الناس منها وشيطنه كل من يتبنها.

الخلاصة

الرسالة الرابعة والأخيرة : بشروطنا
خلاصة الكلام أن من أراد أن يحيا في الدائرة القذرة النتنة التي رسمها لنا الغرب والنظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى فأمامه خياران أن يجلس في مقاعد الحكم بشروطهم، أو مقاعد المعارضة بشروطهم أيضًا. أن يحقق لهم مبدأ التبعية المطلقة، وأن يشطب من قاموس حياته كلمة الندية.
أن يدرك أنه إن كان في المعارضة أو الحكم فهو تحت سمعهم وبصرهم وله حدود لن يتخطاها أو من صنيعتهم يتحكمون به كيف يشاؤون.
فما الحل ؟؟؟

الحل يرتكز في ثلاث محاور

تركيا وحماس: أن تستمر التجربتان وخاصة التركية لأطول فترة ممكنة وأن تثبت نجاحًا تلو الآخر رغم صعوبة الأجواء المحيطة.

مصر: أن يكمل الإخوان المسلمون ما بدأوه منذ وصول الرسالة وفض رابعة وهو المقاومة السلمية المبدعة أو العمل النوعي، قد يؤذى هذا هيكل الجماعة تنظيميًّا في نظر البعض ويزيد من سخط الغرب والنظام العالمي عليها كجماعة، ولكن الجماعة في أدبيتها تقول إنها كجماعة وسيلة وليست غاية.

الخليج: أن يدرك بعض دوله أو كلها أنه ما عاد أمامهم من بديل سوى أن يتحالفوا مع الإسلاميين المعتدلين فكرًا وعلى رأسهم الإخوان ليقضوا على ما يهدد وجودهم وهو المد الشيعي الإيراني, خاصة وأن الغرب والنظام العالمي قد تخلى عنهم نسبيًا مع قرب نضوب بترولهم، وسيأتي اليوم الذي يتخلى عنهم كليًّا.

أختم هذا المقال برسالتين
رسالة إلى من على طريق الحق: ويقول تعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام)

رسالة إلى من آثر السلامة وترك طريق الحق: ويقول تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد