لكل شيء فى هذا الكون سننه ونظامه الذي يسير عليه، فمن سار على ركبه توافق مع الكون وتناغم معه ومع مكوناته، ومن خالف هذا الكون فقد خالف أصله وفطرته، ولم يجن إلا ضياع وقته.

 

فلو تحدثنا مثلاً عن التنظيمات والكيانات التي تحمل الفكر وتسعى إلى ترسيخه في المجتمع وانتشاره وفرض سطوته على الكون أيا كانت أفكار هذه التنظيمات ومعتقداتها، نجد أنها قد بنت لنفسها مسارات ثابته ومحاور محددة  تمكنت من  خلالها من تحقيق الغاية التي أرادت ورسخت بذلك الفكرة التي قامت من أجلها، وحمت تنظيمها من أية أغراض حاولت القضاء عليه.

 

وأول هذه المحاور:

1-   محور الفكر:-

هو المحور الذي يبنى عليه التنظيم فيتبناه رجال هذه الدعوة ويغزلون أفكاره ويرسخونها فيه لكي يصبح هو الروح السائدة والمتغلبة في ذات التنظيم  وإليه يرجع ويحسم الأمر كله، فهو الميزان بين المحوريين الآخرين أو إن شئت فهو قوة العقل في الطائر الذي يتحكم في جناحاته الأخرى.

 

2-   محور الانتشار:

هو المحور الذي يفتح  للتنظيم السبل والطرق لكي يصل إلى انتشاره الفعال، وغالبًا ما يتسم بعض أفراده بالمراوغة واقتناص الفرص وتجنب المخاطر على أسس المواءمات والأرباح والخسائر ومن بيده الورقة الأقوى وهو الجناح الأول في التنظيم.

 

3-  محور المنعة والقوة:

وهو المحور الذي يسعى إليه التنظيم لكي يعطى القوة والحق في فرض نفسه والدفاع عن مكتسباته والحفاظ عليه من  المخاطر التي يتعرض لها التنظيم.

 

وغالبًا ما يتسم بالحسم والقوة ولا يضع المواءمات في حساباته بل هو يؤمن بالأقوى.

وهو الجناح الثاني والأهم الذي يحقق به التنظيم ما أراد. وتمثل تلك المحاور الطائر الذي يزن بعقله وفكره ثم يطلق لجناحيه الحرية لكي يصل إلى ما يريد.

 

وتعتبر تلك  المحاور السابقة هي التي تبنى عليها الأمم والأنظمة والجماعات، وبينهما تتناغم وتتسق العلاقات وتتفاعل مع بعضها حتى لا يطغى محور على الآخر. فكل يؤدي دوره بفاعلية ليحقق الغاية الكبرى التي يريد الوصول إليها.

 

والمتأمل في عصرنا الحديث يجد أن بعض التنظيمات قد بنت نفسها على هذه المحاور فوصلت إلى مرادها وسعت إلى تنظيم فكرها وترسيخ أركانها في الماضي والحاضر.

 

فعلى سبيل المثال:
تجربة الجمهورية الإيرانية في الشرق الأوسط:

من يتأمل هذه التجربة يجد أنها بدأت بفكرة التشيع فبنت تنظيمها واستطاعت أن تغرس الفكرة بين عقول أفرادها أولاً، وأوجدت الروح بينهم، ثم وضعت بذلك وسائلها وأدواتها.
وبعد ذلك بدأت في نشر الفكرة وتوسعة الرقعة واستقطاب ما يمكن من العقول ووضعت السياسات التي مكنتها من ذلك حتى أصبحت من أقوى التنظيمات في المنطقة. فتجدها في العراق وسوريا وإيران والبحرين وتسعى لتمكنها في السعودية ودول الخليج، وتسعى مؤخرًا إلى انتشارها في مصر وغيرها من الدول.

 

وتستكمل التجربة الإيرانية طريقها بالقوة والمنعة التي أعدتها لنفسها، فجهزت أفرادها بالقوة العسكرية، وهذه القوة ليست مرتبطة بالدولة فحسب بل مرتبطة أيضًا بالفكرة الشيعية حتى تحافظ على ما اكتسبته من انتشار، فتضع بذلك قوتها مع قوة الدولة حتى أضافت إليها سلاحها النووي التي استخدمته كسلاح قوى لفرض سيطرتها.

 

ومع ما تشهده المنطقة من أحداث وتغيرات تجد التجربة الشيعية بتنظيمها في قلب الأحداث مستخدمة بذلك قوتها التي بنتها، فمثلاً  لولا الدعم الذي يصل إلى سوريا أولاً بأول لما استمر الوضع الذي وصلت إليه الآن وأيضًا دورها في العراق وأخيرًا في اليمن وما أحدثته من سيطرة وفرض الهيمنة.

 

فكان حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والعراق.

وتتلخص فكرة هذا التنظيم في جمعه بين الفكرة التي بناها في عقول الأفراد وبين الانتشار في المجتمعات  حتى يوصل تلك الفكرة مستعينـًا بالقوة التي مكنها لنفسه حتى يسيطر بها، فكان حقـًا له أن يصل إلى مراده ليس بين عشية وضحاها وإنما بالرؤية التي وضعها لنفسه وعمل عليها.

 

2- الصهيونية العالمية:

استطاعت هذه التجربة أن تجدد فكرتها بعد عقود طويلة حتى تناسب العصر الحديث، فجددتها وأضافت عليها قضاياها العقائدية ومفهوم الهيكل وأرض الميعاد واختلقت نبوءات وأقاويل حتى تغرسها في قلوب أتباعها، ثم بدأت في نشر هذه المعتقدات وهي تسعى في طريقها إلى تحقيق أهدافها والوصول إلى غايتها وإعادة ما تدعى أنه أخذ منها، وتوجه أفرادها إلى الإصرار على انتزاع ذلك الحق المزعوم بالقوة.

 

فنجدها صنعت المليشيات العسكرية حتى تسطيع حماية نفسها فكان منها عصابات شتيرن والهاغاناه، حتى بنت الدوله التي تحمي الفكر واستكملت مقومات القوة العسكرية حتى صنعت لنفسها القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، وبذلك تنشر فكرتها وتحافظ على تنظيمها بالقوة حتى تضفي لنفسها الحق الذي تزعمه.

 

3- حركة المقاومة الإسلامية (حماس):

ولهذه الحركة تنظيم عقائدي أيضًا بنته على خلفيتها الإسلامية التي نشأت من أجلها. واستدعت تلك الفكرة من تنظيمها الأم وهو تنظيم جماعة الإخوان المسلمين.
فوضعت تلك الحركة أهدافها وحددت قضيتها الأساسية ورسخت فكرتها في قلوب أتباعها ثم سعت إلى انتشارها بين المجتمع بعد ذلك حتى وصلت إلى كونها أكبر التنظيمات في فلسطين.

 

ثم بعد ذلك سعت إلى تثبيت أركانها بالقوة السياسية والعسكرية حتى تستطيع الحفاظ والبقاء على نفسها، فأعدت قوة أذهلت العالم وتبين ذلك جليًا في حروبها الأخيرة مع إسرائيل، فكانت قد أسست نفسها وبنت ودربت أفرادها في غموض شديد لم يعلم عنه أحد حتى ظهرت بعدها في تلك القوة. ومازالت تقوي نفسها وتحصنها وتطورها بالمدد العسكري، وظهر ذلك في عرضها العسكري في غزة، والذي كان له دور كبير في حماية الحركة والتنظيم.

 

ويحرص هذا التنظيم على الاستمرارية برؤية واضحة وشاملة وينتقل من مرحلة إلى أخرى وعينه على الأهداف والاستراتيجيات التي وضعها لنفسه، ومن قريب شهدنا مخيمات الطلائع التي أظهرت أن التنظيم ماض في طريقه إلى مبتغاه، ولو أغفل هذا التنظيم أحد محاوره أو أخفق فيه لما وصل إلى ما أراد وما يريد.

 

هذه بعض النماذج المرتبطة بواقعنا نراها بأعيننا حتى نشهد على سنن هذه التنظيمات وستثبت لنا الأيام ما حققه كل تنظيم وما أخفق فيه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد