قبل القيام بذكر بعض القواعد والمغالطات لتسيير الدول من المهم التأكيد بأن التاريخ يعتبر من أهم المراجع العلمية لإدارة الدولة وتسييرها، ولهذا السبب اهتم أعظم السياسيين والقادة العسكريين في العصور السابقة بدراسة التاريخ وتدريسه لاستشفاف العبر والتدقيق في أسباب صعود وسقوط الدول والإمبراطوريات العظمى. ويقول ابن خلدون في المقدمة: «فنّ التاريخ الذي تتداوله الأمم والأجيال هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق»، وبهذا يتجلى لنا أن تحليل الأحداث التاريخية وتطبيق النتائج المتوصل إليها في كل من السياسية الداخلية والخارجية للدولة يعتبر أمرًا حيويًا لمصير شعوبها. كما يؤكد غلوب باشا بأن دراسة التاريخ لا يجب أن تكون من الباب الدعائي لتنمية الحس الوطني فقط، فيقول في كتابه «مصير الإمبراطوريات والبحث عن البقاء»: «إن الميل الذي نقدمه في سردنا للتاريخ يحكمه الغرور بدلًا عن الموضوعية. عند بحثنا في تاريخ بلادنا، فنحن نكتب عن الفترات التي كان فيها أسلافنا مزدهرين ومنتصرين، لكننا نمر مرور الكرام على عيوبهم أو هزائمهم». فمن الأخطاء التي يسقط فيها مؤلفو الكتب المدرسية هو تمجيد التاريخ الوطني، وغض البصر عن نكسات الدولة في تاريخها دون التطرق إلى أسباب الازدهار وأسباب السقوط من الباب الاجتماعي، العسكري، السياسي، الاقتصادي، وخاصة الجيوسياسي.

قاعدة الثورة الفرنسية

تقول قاعدة الثورة الفرنسية بأن الدولة التي تكون وسط بحر من الأعداء عليها أن تخرج عسكريًا لمهاجمة الدول المجاورة بغية تغيير أنظمتها أو لضمها لأراضيها. فإن لم تخرج هذه الدولة إليهم فسيأتون إليها.

بعد قيام الثورة الفرنسية وانتشار مبادئ الديمقراطية ووثيقة حقوق الإنسان، تخوفت بقية الممالك الاوروبية كبروسيا، النمسا، بريطانيا، هولندا، إسبانيا وحتى روسيا البعيدة من انتشار هذه الأفكار لدى شعوبها التي يمكنها أن تقوم بالمطالبة بحقوقها وحتى قيادة ثورة وإزاحة الملوك من عروشهم كما حدث مع لويس السادس عشر في فرنسا. وبهذا أصبحت الثورة الفرنسية تمثل تهديدًا على هذه الممالك التي حاولت مرارًا وتكرارًا خلق ما يسمى بالحزام الصحي لمقاومة تسرب الأفكار الجمهورية إلى أراضيها عن طريق غلق الحدود ومنع تدفق المهاجرين (الجواسيس منهم أو المبشرين). تسببت هذه المخاوف إلى تعكر العلاقات الدبلوماسية بين الممالك الأوروبية والجمهورية الفرنسية الأولى. وكنتيجة لهذا قادت فرنسا تحت الجمهوريين ومن بعدهم نابوليون بونابارت حروب التحالف أمام كل هذه الممالك للتبشير بأفكارهم الثورية؛ إذ إن بقاء جمهورية وحيدة في بحر من الممالك المعادية يهدد وجود مبادئ الثورة الفرنسية ووجود فرنسا نفسها.

مغالطة سور هادريان

يعتبر بناء الأسوار والجدران لأجل اتخاذ وضعية دفاعية أمام الأعداء سبب من أسباب سقوط الدول العظمى. من المهم القول إن الأسوار لا تقام إلا بعد خمول الشعوب السائدة، والتي يخالجها الكسل وعدم الرغبة في الحرب وكسب المجد لمعتقداتها، بل تجدها تهرول وراء الثروة، والنعيم، واكتساب المنزلة الاجتماعية الرفيعة، مثل اكتساب الشهادات العلمية والتباهي بالعلم والثقافة، اللذين يصبحان في خدمة الأنا عوضًا عن الأمة.

ومن الأمثلة التاريخية على بناء الأسوار: سور هادريان الذي بني لتفادي الغزواة المتتالية للقبائل الإسكتلندية وغيرها الكثير، مثل سور الصين العظيم الذي أقيم لصد هجمات المغول، وسور القسطنطينية الذي شيّد لمواجهة التهديدات العثمانية. كل هذه الأمثلة تعتبر دليلًا تاريخيًا على انهيار الإمبراطوريات التي تتخذ وضعًا دفاعيًا، ولا تكمل طريقها في السيطرة على بقية الأراضي، فقد سقطت الإمبراطورية الرومانية أمام الغزوات الجرمانية، وانهارت الصين أمام الهجمات الهمجية لجنكيس خان، أما بيزنطة فقد مسحت من الخريطة بعد دخول محمد الفاتح لمدينة القسطنطينية.

وتعتبر مغالطة سور هادريان عبرة لكل دولة عظيمة (إمبراطورية) تقول: إن اتخاذ سياسة خارجية تقوم على الانعزال تؤدي إلى انحدار الدولة، وظهور شعوب أخرى تنافسها على سلطتها ونفوذها، وبأنه من الواجب أن تتبع سياسة خارجية تقوم على النظرية الواقعية للسياسة.

قاعدة الدولة العباسية

قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية بعد التغلب عليها في معركة الزاب؛ إذ تمكن العباسيون بقيادة أبي جعفر المنصور، وأبي مسلم الخرساني، من إفناء العائلة الأموية بأكملها حتى لا تقوم لهم قائمة، وذلك بالتخلص من كل من يمت إلى المنزل الأموي بصلة. وبالتالي يمكن تلخيص قاعدة الدولة العباسية بالقول إن الدولة الناشئة أو الثورة عليها إفناء النظام القديم عن بكرة أبيه؛ حتى لا يتمكنوا من إعادة ترتيب صفوفه، وإعادة استرداد الحكم.

قام اليعاقبة بتطبيق قاعدة الدولة العباسية إبان الثورة الفرنسية وذلك عند استئصال كل من ساند النظام الملكي، وأثخنوا فيهم وأصابوهم في مقتل، وبهذا سادوا البلاد وظهروا فيها واستتب لهم الحكم، وأقاموا الجمهورية، وبنوا العمران، ورفعوا القضاء، وضبطوا الخزانة، وأنشأوا جيشًا للأنوار قويًا في فرنسا. وبنفس هذه الوتيرة قام الرئيس التركي أردوغان بالقضاء على كل جندي قاد انقلاب سنة 2016، ثم قال مرددًا: «إن أشفقنا عليهم اليوم فلن نجد من يشفق علينا غدًا». أما الثورة التونسية فلم تكلل بالنجاح، وذلك لعدم تطبيق قاعدة الدولة العباسية؛ إذ لم يحاكم فلول النظام البائد، وكنتيجة لهذا عاد النظام القديم إلى الحكم، وانغمس الشعب في المأكل والمشرب، وعم الفساد وفشا الخلاف؛ فانهارت الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد