يهتم الجزء الثاني من مقالة قواعد تسيير الدول والإمبراطوريات ببعض السياسات التي طبقها الإنجليز والتي توصلت بفضلها إلى الاستقرار السياسي، الاقتصادي والاجتماعي. يعتني هذا المقال أولًا بقاعدة الملكة إليزابيث وكيفية سيطرتها على مستعمراتها في الشمال الأيرلندي، ثم يسلط الضوء على قاعدة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشير التي تركز على دولة الرفاهية.

قاعدة الملكة إليزابيث

تقوم قاعدة الملكة إليزابيث على السيطرة على الأراضي المحتلة عن طريق إرسال مستوطنين للعيش في هذه الأراضي، وفي الوقت نفسه تهجير سكانها الأصليين والاستيلاء على ممتلكاتهم. تساهم هذه العملية في السيطرة المطلقة والتامة على كل ما في هذه الأراضي من خيرات لصالح الإمبراطورية.

كانت بريطانيا في العصر ما قبل الإليزابيثي تسيطر على الشمال الأيرلندي مرة وأحيانًا يخرج على سيطرتها تارة بسبب تمرد القبائل والعائلات المحلية، مثل أونيل وأودانيل، وبهذا سببت كل هذه التوترات إشكالية عويصة بالنسبة لبريطانيا لتحكم نفوذها على المنطقة. ونتيجة لهذا قامت الملكة إليزابيث بتهجير السكان الأصليين وعملت على مطاردة القادة المتمردين، وصادرت ممتلكاتهم لصالح النخبة الإنجليزية البروتستانتية، وشجعت شعبها من الإنجليز والأسكتلانديين للمهاجرة إلى الشمال الأيرلندي عن طريق تقديم امتيازات ومساعدات مادية لكل من يهاجر إلى منطقة أولستير. وبهذا استتب حكم الإنجليز في المنطقة لدرجة أن بعد أربعمائة سنة رفض سكان الشمال الأيرلندي الاستقلال خلال حرب الاستقلال الأيرلندي وفضلوا البقاء تحت جناح الإنجليز. على عكس من سبقوها، كانت للملكة إليزابيث نظرة استشرافية إذ كانت سياستها هذه فعالة على المدى الطويل، وما زال تأثيرها في شمال أيرلندا قائمًا إلى يوم الناس هذا.

ومن الممكن كذلك أن تكون الملكة إليزابيث قد تأثرت بكتاب الأمير لميكيافيلي إذ يقول:«والعلاج الآخر وهو أفضل يتمثل في زرع المستعمرات في عدة أماكن مميزة بالأرض المُستعمرة، ومن الضروري أن نفعل ذلك أو أن نحتفظ بعدد كبير من القوات المسلحة في المكان نفسه. والمستعمرات ستكلف الأمير أموالًا أقل، فهو يستطيع إرسال المستعمرين للإقامة هناك باستمرار بدون أي تكلفة مادية يدفعها أو بتكلفة قليلة. والمضرة ستقع فقط على هؤلاء الذين ستؤخذ بيوتهم أو أراضيهم لمنحها للمقيمين الجدد، وهذا يعد نوعًا من الحماية للدولة، أما من تضرروا فإنهم لن يستطيعوا الانتقام من الحاكم إن ظلوا فقراء ومتفرقين».

قاعدة مارجريت تاتشير

تهتم قاعدة مارجريت تاتشير بكبح تأثيرات الحركات النقابية الراديكالية في المجتمع، أو بلغة أوضح عدم تطبيق سياسات دولة الرفاهية بحجة أن الشعب لن يكون قادرًا على الاعتماد على نفسه ليصبح عالة على الدولة منتظرًا منها أن تقدم له فرص الشغل، وأن تفتح له أبواب الرخاء المادي حتى تصبح حياته سهلة وخالية من المصاعب.

تعد دولة الرفاهية سببًا من أسباب سقوط الدول؛ فهي تصنع شعبًا كسولًا غير قادر على التفكير الإبداعي ومحاطًا ببيئة مادية محضة. يتحول الشعب في دولة الرفاهية إلى مجموعة من القطيع المستهلكة لملذات الحياة، وجمع المال، وكسب الممتلكات، وتجد الفرد فيها غير قادر على مواجهة المصاعب بدون أن تأخذ الدولة بيده وتقوده كالرضيع إلى فراش الرخاء ليتغطي تحت عباءة من الحرير. يقول الجنرال البريطاني جلوب باشا في كتابه مصير الامبراطوريات والبحث عن البقاء بأن «الانطباع بأن الإمبراطورية ستكون دائمًا غنية يدفع بها إلى التدهور بأن تنفق بسخاء لتحافظ على صورتها البراقة. مما يدفع في نهاية المطاف إلى انهيار الاقتصاد، وإغلاق الجامعات وإغلاق المستشفيات. قد يكون من الخطأ تصور حالة الرفاهية على أنها علامة عالية من الإنجازات البشرية. قد يثبت أنه مجرد علامة بارزة أخرى في حياة الإمبراطورية المسنّة والمتهالكة».

كما يذكر جلوب باشا أمثالًا تاريخية لإمبراطوريات طبقت سياسات دولة الرفاهية، كالدولة العباسية التي انتهى بها المطاف إلى سقوطها بعد الغزو المغولي، ولم يقدر شعبها الذي كان يغوص في بحر من الرفاهية على الدفاع عن وطنهم. فالترف يفقد الإنسان روح المغامرة والهمة العالية والعزيمة والإرادة للوصول إلى مبتغاه في الحياة، ولهذا تجد الشعوب المترفة خاملة وأنانية وكثيرة الاستهلاك وغير مكترثة بمصلحة وطنها، وبهذا يكثر الخونة والمرتشون. ينطبق هذا المثال كذلك على الإمبراطورية الرومانية التي لم تقدر حكومتها على تكوين جيش من شعبها المترف والمتنعم بملذات الحياة؛ إذ كان الشعب الروماني ينظر إلى الغزوات العسكرية بوصفها عنفًا وغير أخلاقية، وكانوا لا يعبهون بالمصلحة الوطنية التي كانت قائمة على غزو الأعداء، ونتيجة لهذا جرى تشييد الأسوار وتجنيد جيوش من المرتزقة الجرمان فانهارت الإمبراطورية. ومن جهة أخرى، اشتكى رئيس وزراء ماليزيا السابق، مهاتير محمد، من الحياة الماليزية القائمة على الترف، فيقول بأن «ماليزيا بلد تسهل الحياة فيه، فلا هو بالبلد الحار جدًّا ولا هو بالبلد البارد جدًّا، إذن مسألة الملابس ليست بالمشكلة وبالإمكان العثور على الغذاء في كل مكان، فهنالك الأنهار ليصطاد منها الأسماك وزراعة الأرز سهلة، لذا، فإن الحياة لا تفرض التحديات وعندما لا تفرض الحياة تحدياتها يصبح الإنسان ضعيفًا جدًّا؛ لأن الإنسان إذا ما اضطرته الحياة إلى مواجهة التحديات يستطيع أن يكتشف بناء وتعزيز مكامن قوته، وكذلك فإن ماليزيا بلد مسالم جدًّا وحتى في الأوقات التي تعرضنا فيها إلى الاحتلال الأجنبي تفاوضنا مع غزاتنا الأجانب للعثور على حلول سهلة»، ويضيف بأن نمط الحياة هذا جعل من الماليزيين شعبًا كسولًا وأقل نجاحًا من غيره.

أما ابن خلدون فيقول إنه إذا نزل الترف على شعب أقبلت دولتهم على الهرم ويضيف «إذا اتخذوا الدعة والراحة مؤلفًا وخلقًا، صار لهم ذلك طبيعةً وجبلةً، شأن العوائد كلها وإيلافها فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة، وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدة البأس وتعود الافتراس وركوب البيداء وهداية القفر فلا يفرق بينهم وبين السوقة من الحضر إلا في الثقافة والشارة فتضعف حمايتهم ويذهب بأسهم وتنخضد شوكتهم ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس من ثياب الهرم ثم لا يزالون يتلونون بعوائد الترف والحضارة والسكون والدعة ورقة الحاشية في جميع أحوالهم، وينغمسون فيها وهم في ذلك يبعدون عن البداوة والخشونة وينسلخون عنها شيئًا فشيئًا وينسون خلق البسالة التي كانت بها الحماية والمدافعة، حتى يعودوا عيالًا على حامية أخرى أن كانت لهم، واعتبر ذلك في الدول التي أخبارها في الصحف لديك تجد ما قلته لك من ذلك صحيحًا من غير ريبة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد