لو أمعن الملاحظ النظر في العلاقة ما بين الشعب الفلسطيني وحكومته، لوجد بلا شك علاقة يشوبها الشك والريبة وعدم الثقة، وكأن الأخيرة عدوة لا تأتي له بأي نفع، وكثيرًا ما يأتي منها الضرر، فنلاحظ في أوساط العامة بغضهم الشديد للحكومة لأسباب متعددة، حيث لا تساندهم أجهزة الدولة أو تقوم بأدنى وظائفها كما في الدول المتخلفة أو المتقدمة، فنحن لا ننتمي لهذه أو ذاك.

لكن بداية يجب أن نعترف أن هناك خللًا في تكوين الدولة في المنطقة العربية، فهي غير مكتملة النضج. يرجع ذلك لوجود عصبيات متعددة في منطقة تشهد صراعات اجتماعية مستمرة ما بين البداوة والحضر كما ذكر عالمنا الكبير عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة. فالدولة في المنطقة العربية لم تشغل مكانها بالكامل مطلقًا؛ ولذلك ليس من المنطقي تشبيه النموذج العربي للدولة بالنموذج الأوروبي؛ لأن كلاهما صاحب بنية اجتماعية مغايرة ومختلفة إلى حد كبير؛ فالناظر للمجتمع العربي يلاحظ أنه مجتمع يغلب عليه طابع الصراع ما بين الحضارة والبداوة في كثير من أرجائه منذ قديم الزمان، وحتى عهدنا هذا. بينما غلب على المجتمع الأوروبي نظام الإقطاع المرتكز على العبودية والذل وبذلك يختلف جملة وتفصيلًا عن المجتمع العربي المتسم بالشهامة، والنخوة من جهة والغزو والاستحواذ من جهة أخرى. فمعروف أن القبائل العربية قديمًا كانت تهاجم، وتغزو قبائل أخرى لكي تقتني ممتلكاتها وتستحوذ على مأكلها ومشربها. وهذا يبين مدى التباين والاختلاف في التكوين الاجتماعي البنيوي بين المجتمع الغربي والمجتمع الشرقي العربي.

يجب أن نذكِّر بأن نظام الدولة في شكله الحديث ظهر بداية في أوروبا بعد حرب الثلاثين عامًا الطاحنة بين إمبراطورياتها وإقطاعياتها المختلفة إلى أن انتهت هذه الحرب عام 1648. وتمخض عن ذلك تأسيس النموذج الحديث للدولة الأوروبية لتنقسم القارة إلى دول مختلفة وصاحب ذلك بدء حقبة الاستعمار الأوروبي الذي انتهى حديثًا؛ لذلك ينبغي أن ندرك أن نموذج الدولة ظهر بعد حرب ضروس ومفاوضات بين إمبراطوريات أوروبا المختلفة. أما في المنطقة العربية فإن النموذج الأوروبي للدولة تم فرضه فرضًا بعد أن رحلت قوى الاستعمار ظاهريًّا وليس فعليًّا، وهذا يوحي إلينا بأن هذا النموذج ليس عربيًّا في أصله وجوهره وإنما فرضه أشخاص غرباء لا يعرفون ثقافة وتاريخ المنطقة بغض النظر عن مدة استعمارهم لتلك الدول. فإما أن هؤلاء المستشرقين جهلوا عوامل الجغرافيا والدين واللغة والعرق وغير ذلك، وإما أنهم عمدوا إلى تقسيم هذه المناطق إلى جغرافيات مختلطة الأعراق والأديان لأهداف خفية بدأت تتجلى لنا حديثًا في شكل ثورات الربيع العربي. وإن كان هناك شيء توحي به هذه الثورات فهو أن المنطقة العربية لم تكن جاهزة لتقبل نموذج الحكم الأوروبي الذي لم يأخد بعين الاعتبار اختلاف التركيبة الاجتماعية وتضاريس المنطقة العربية عن التركيبة الغربية، وربما هذا يفسر عدم الاستقرار في كثير من دولنا بسبب هشاشة نظام الدولة وغياب الثقة بين الأفراد والحكومات.

في فلسطين يبدو أن الواقع كان مختلفًا نوعًا ما بسبب وجود الاحتلال. فالدولة لم توجد البتة في شكلها الغربي الحديث وإنما ظهرت شبه دولة أو كيانًا شكليًّا اسميًّا تجسد في السلطة الفلسطينية. لم ننتزع دولة كما حصل في دول الجوار ولم نستطع بناء واحدة بسبب التصارع مع قوة استعمارية جديدة حلت محل الاستعمار القديم. فالدولة اتخذت شكلًا بسيطًا في كيان هزيل ينخره الفساد من كل جانب بسبب إغراقه بأموال الدول المانحة بعد توقيع اتفاقية أوسلو. فأدى ذلك لعدم وجود استقلالية في القرار الوطني لأن أي قرار صادر كان يخضع لرقابة قوى خارجية تمول الفساد. فالشعب الذي كان يأمل خيرًا بعرفات ورفاقه أصحاب التاريخ النضالي الطويل، أصيب بخيبة أمل وإحباط كبيرين لعدم وفاء الأخير بعهوده التي قطعها على نفسه بعد أن روَّض الشعب الثائر الذي كان مشغولًا في الانتفاضة الأولى منتفضًا ضد مستعمريه. كما أن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع، فتبدلت الثقة بالمناضلين القدامى (السياسيين الجدد) بخيبة أمل وتسبب ذلك بشرخ كبير بين سواد الناس والحاكم وغابت الثقة كليًّا. فمن رسم تاريخًا مليئًا بالبطولات تحول إلى وسيط بين مستعمره وشعبه، بله وفي كثير من الأحيان اصطف بجانب الجلاد ضد الضحية، وكان هدفه إخماد الثورات والاحتجاجات وملء جيوبه وبطانته بالثروات ونقود الدول المانحة وليذهب الشعب إلى الجحيم. لقد تحول أفراد السلطة من عصبية مناضلة تلاحق المغتصبين أينما وجدوا إلى عصابة تلاحق الفدائيين في كافة أنحاء الوطن، وتزج بهم في السجون وتسلخ جلودهم بالسياط. فتحول هذا الكيان من جهاز حكم هدفه الأساسي تنظيم شؤون العامة، إلى جهاز تسلطي هدفه ملاحقة الأفراد ومراقتبهم، وجمع الضرائب وكبح أي ثورة ضد المحتل الغاشم الذي يوغل في القتل والخراب.

فكل تلك الأسباب وغيرها أدت إلى غياب الثقة بين كيان السلطة وعامة الشعب. فمن وجهة نظر خلدونية، تحول نظام الحكم في فلسطين من عصبيات قبلية وجدت في ظل العهد العثماني، إلى نظام شبه دولة في حقبة ما بعد الاستعمار، مع تأكيد أن فلسطين لم تتخط هذه الحقبة، وإنما انتقلت إلى استعمار أوروبي آخر. فأخذت عصبية السلطة تعتدي على حدود الشعب وتعتدي على العائلات الكبيرة من غير إلقاء بال لمكانتها الاجتماعية. أخذ أفراد هذه العائلات يبحثون عن عصبيات حزبية جديدة ظهرت في ستينيات القرن الماضي بشكل منظم ووصلت أوجها في بداية الانتفاضة الأولى والثانية وتجلت في ظهور أحزاب وطنية عديدة. هيمنت عصبية منظمة التحرير حتى بداية التسعينيات واستمر ذلك عند توليها سدة الحكم بالتزامن مع توقيع اتفاق أوسلو مع دولة الاحتلال. فتمتع أفرادها بسلطة غير محدودة وقوة مكنتهم من العربدة والتعدي على حقوق الناس بغير وجه حق في كثير من الأحيان. أدى تسلط هذه العصبية إلى ظهور عصبيات حزبية جديدة كان أبرزها حركة حماس ذات النزعة الإسلامية المتطرفة في بداياتها إلى أن خفت هذه النزعة مع تقدم الزمن ودخول الحركة معترك السياسة فتمرست فن العقلانية والمراوغة.

مع أن ظهور هذه العصبيات كان هدفه الأساسي مجابهة العدو، فإن أحد الأهداف الرئيسة غير المعلنة كان بلا شك التصدي لجبروت العصبية السائدة. فتدافعت هاتان العصبيتان وألحق كيان السلطة أذىً بالغًا بأفراد عصبية حماس، لأن مشروع الأخير شكَّل تحديًا، وخطرًا كبيرين على مشروع السلطة الذي تمتع بفيضان غير متوقف من التبرعات. مع تفاقم العمليات الانتحارية الحمساوية ضد دولة الاحتلال شعر نظام السلطة بالحرج لأنه غير قادر على حفظ الأمن الذي يعد جوهر اتفاقية أوسلو وبدأت تنشأ ثغرات أمنية خطيرة، فتوترت الأمور أكثر فأكثر وازداد القمع ضد عصبية حماس لتتفنن السلطة في تعذيبهم بجانب أفراد آخرين تبنوا الجهاد المسلح، وأيضًا استمرت حماس في البحث عن مخرج من هذا المأزق وقلب الطاولة على السلطة. رأينا جميعنا التصادم الأعظم الذي نشب بين العصبيتين عام 2006 حين قامت حماس بقلب الطاولة والانقلاب على نظام السلطة لتسيطر على القطاع. لكن قبل ذلك فازت الحركة بالانتخابات مما يؤكد ضجر الشعب من فساد السلطة والتوق لحكم آخر ينهى الفساد. ولكن فرحة الشعب لم تدم طويلًا؛ إذ فقد الثقة سريعًا بعصبية حماس بغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي بينها وبين برنامج السلطة الفتحاوي، فكلاهما أوصل الشعب لطريق مسدود، وعجزا عن توفير حياة كريمة بل قام أيضًا أفراد هاتين العصبيتين بالتسلط على رقاب الناس بلا رقيب أو حسيب.

إن فشل هاتين العصبيتين في كسب ثقة الشعب نابعة بلا شك من تدخل قوى خارجية بشكل كبير في الصراع الدائر مع وجود العديد من المستفيدين من سفك الدماء. إن صعود عصبية حماس لسدة الحكم يؤكد مرة أخرى فشل نموذج الدولة التي أتى مشروطًا ومقيدًا، فقد كان فاشلًا قبل أن يبدأ. فكيف لدولة أن توجد بدون قرار وطني مستقل وسيادة على أراضيها، وبدون وجود بنية اقتصادية أو سياسية متينة تسيطر على الأمن وتمول وجود الدولة بدون الحاجة للدعم المستمر؟ وأخيرًا؛ إن التصارع بين العصبيات المختلفة ما هو إلا أمر طبيعي في علوم الاجتماع؛ بل يعد مهمًا من أجل تطور المجتمعات وتحرك التاريخ كما وضح ابن خلدون وغيره من المعاصرين. سوف تبقى ثقة الشعب غائبة إلى حين ظهور عصبية جديد سواء أكانت حزبية أم مستقلة، ولكن العائق الأكبر لبناء دولة متينة سوف يظل الاحتلال والقوى الخارجية والداخلية الداعمة له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد