-لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ سلسلة من المقالات أتناول فيها الأسباب التي تحتم الخلاص من تلك الفصائل لانعدام جدواها. وقد تناولت في مقالات سابقة، ما شهدته مصر من صراع دار ما بين الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر، بداية من نظام عبدالناصر، وحتى مرحلة إدارة المجلس العسكري لشئون مصر، بعد تنحي مبارك من جهة، وما بين الفصائل من جهة أخرى، وقد بينت الأسباب التي تحتم الخلاص منها لما تسببت فيه من ضرر لحق بالإسلام والمسلمين على السواء.

وفي مقالتي هذه سوف أتناول بعض المشاهد العبثية التي شهدتها مصر في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر، ومعها بقية الفصائل الإسلامية.

في الحادي والعشرين من يونيو 2013 احتشدت بعض القوى الإسلامية، وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين)، في مليونية بميدان رابعة العدوية للإعلان عن تأييدهم للرئيس محمد مرسي.

في حين امتنعت قوى أخرى عن المشاركة، مطالبين رئيس الدولة باتخاذ مايلزم من إجراءات وقرارت تنجو بها البلاد. وقد ردد المشاركون في تلك المليونية شعارت تنذر بالوعيد للمعسكر المعارض الداعي لتظاهرات الثلاثين من يونيو 2013.

لم تكن هذه المليونية هي الوحيدة التي شهدها عام حكم جماعة الإخوان، التي اختارها المصريون لتتولى أعلى منصب في البلاد، رئاسة الجمهورية. فلم يكن عام الحكم، أو ما قبله، خاليًا من مثل هذه المليونيات التي كانت تملأ الشوارع والميادين. ومَن راجع أحداث ذلك العام، سوف يجد، في الغالب، أنه ما مرت مصر بحدث تكون فيه المعارضة أو إحدى مؤسسات الدولة طرفًا، إلا وأطلقت الفصائل والأحزاب الإسلامية الدعوات للنزول إلى الشوارع والميادين.

وحقيقة هذا أمر عجيب جدًا، وبخاصة إذا كان الدعاة لذلك قد تركوا موقع المعارضة وانتقلوا إلى قصر الحكم. وسوف أذكر هنا عددا من تلك الدعوات و المليونيات، لنقف على دلالة غاية الأهمية.

فإذا رجعنا إلى الوراء قليلًا.

سنجد على سبيل المثال لا الحصر. أن ميدان التحرير قد شهد مليونية (حماية الديمقراطية) بمشاركة جماعة الإخوان وأحزاب وقوى أخرى، اعتراضًا على وثيقة المبادئ الدستورية، الشهيرة بـ(وثيقة د،علي السلمي)، وذلك في 18 نوفمبر 2011.

لدلالة مهمة جدًا، آثرت أن أبدأ الحديث عن جانب المليونيات، بهذه المليونية التي نُظِّمت في وقت كانت فيه السلطة بيد المجلس العسكري.

وأقول هكذا كانت القوى الإسلامية وغيرها، تُعبر عن رفضها للممارسات أو الإجراءات التي شهدتها الفترة الانتقالية التي كان يديرها الجيش. إذن، التظاهر هنا كان لتسجيل اعتراض أو للمطالبة بإجراء ممن بيده السلطة، (ولنتذكر هذه).

في الثلاثين من يونيو 2012، أدى الرئيس محمد مرسي، القسم الرئاسي، أمام المحكمة الدستورية العليا، ليبدأ مهام منصبه كأول رئيس منتخب بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. ومن ثم، ذهب عصرٌ كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين، جماعة معارضة، وها هي قد دخلت، ومعها القوى الإسلامية الأخرى، في عصر جديد تمامًا، ألا وهو عصر الحكم. فهل طورت الجماعة، ومعها بقية الفصائل، فكرها بما يتناسب مع العصر الجديد؟

والإجابة بكل أسف: لا، فالفصائل الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان (الحاكمة)، قد انتقلت من مرحلة المعارضة إلى مرحلة الحكم بنفس العقلية القديمة التي كانت تعارض بها.

وهذه لقطات سريعة من الشارع السياسي، والتي شهدتها مصر في ظل رئاسة جماعة الإخوان

في العاشر من يوليو 2012، نظمت القوى الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، مليونية لدعم قرار الرئيس مرسي بعودة البرلمان، الذي سبق وأن أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بحله.

في التاسع من نوفمبر 2012، نظَّمت القوى الإسلامية، مليونية، أُطلِق عليها (جمعة قندهار الثانية)، للمطالبة بتطبيق الشريعة والتي شهدها ميدان التحرير.

في أعقاب أحداث الاتحادية، التي بدأت أحداثها في الرابع من ديسمبر 2012، وقد أسفرت الأحداث عن مقتل ثمانية من جماعة الإخوان المسلمين. ذهبت حشودٌ من الإخوان وعلى رأسهم، الدكتور محمد بديع مرشد الجماعة، وقيادات أخرى عديدة، في الجمعة التالية لتلك الأحداث، إلى الجامع الأزهر لأداء صلاة الجنازة على القتلى.

بعد الانتهاء من الصلاة، حُمِلَت النعوش خارج الأزهر لوضعها بأقرب ساحة، لينطلق الإخوان بعدها مرددين الشعارات والهتافات  ضد المعارضين، الذين تتهمهم الجماعة بالتسبب في إشعال أحداث الاتحادية.

في الأول من ديسمبر 2012، نظمت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من القوى الإسلامية، بميدان النهضة، مليونية الشريعة والشرعية، بهدف تأييد الرئيس مرسي في مواجهة مظاهرات تطالب بإسقاط الإعلان الدستوري، وتهدد بالعصيان المدني.

في التاسع عشر من أبريل 2013، احتشدت جماعة الإخوان وقوى إسلامية أخرى في محيط دار القضاء العالي، في مليونية عنوانها تطهير القضاء.

أكتفي بهذا العرض لبعض المشاهد التي شهدها الشارع المصري في عام حكم جماعة الإخوان، والتي تؤكد على أن الجماعة كانت تخرج للتظاهر في الشوارع والميادين وقت أنْ كانت في المعارضة، ولقد استمرت على هذا النهج حتى بعد وصولها إلى الحكم، إذْ كانت تخرج، ومعها بقية القوى الإسلامية لتتظاهر وتهتف ضد المعارضين، فماذا يفعل المعارضون إذن؟ وأقول: إن هذه المليونيات التي شاركت فيها جُل القوى الإسلامية لم تستطع تحقيق ولو مطلب واحد من جملة المطالب التي خرجت تنادي بها.

فما عاد البرلمان، ولا الشريعة تم تطبيقها، ولم يستطيعوا محاكمة المتسببين في أحداث الاتحادية، من وجهة نظرهم، أما الإعلان الدستوري فقد تراجع عنه مرسي، وأما القضاء فلم يغيروا فيه شيئا.

ولنتذكر، كل تلك الأحداث قد وقعت والجماعة في الحكم. والسؤال، ماالذي كانوا سيفعلونه لو أنهم كانوا في المعارضة لا الحكم، وكانت لهم تلك المطالب؟

والدلالة في ذلك أنهم انتقلوا من مقام المعارض إلى مقام الحاكم بنفس العقلية التي لم يطوروها لتناسب موقعهم الجديد. والتظاهر لايكون إلا للمعارضين، والقرار لا يكون إلا لمن يحكم.

وحقيقةً، لم تكن المليونيات فقط هي ديدنهم، وإنما هناك أمر آخر لا يقل في أهمية دلالته، ذاك أمر يتمثل في تدشين الكيانات الموازية، فمثلًا. حينما قام بعض المعارضين بتدشين جبهة الإنقاذ، في نوفمبر 2012، بعدما أصدر مرسي الإعلان الدستوري. قامت بعض الشخصيات المنتمية في غالبيتها إلى التيار الإسلامي، بتدشين جبهة الضمير، في فبراير 2013.

وحينما انطلقت حملة تمرد، المعارضة، في أبريل 2013، انطلقت حركة تجرد في مايو 2013. وأقول أيضًا إن هذه الكيانات التي تم تدشينها ما استطاعت أن تؤثر بشيء يخدم ويدعم استمرار حكم جماعة الإخوان. وحال هذه الكيانات كحال المليونيات، التي لم تحقق أيضا أي شيء إيجابي يخدم الدولة، وإنما كانت سببًا في ازدحام المشهد الذي كان يتميز بالفوضى، ولم يتحقق من ذلك هدف واحد.

وأستعير جملة أوردها الكاتب الراحل عبد الله كمال في مقاله، منطق بديع، وأزمات الإخوان: (إن الجماعة لم تبلغ هدفها أبدًا، على الرغم من أنها من أعرق التيارات الموجودة على الساحة في الثمانية عقود المنصرمة).

ومن ثم أكرر الدعوة بضرورة تفكيك تلك الفصائل التي لم تدرك طبيعة المتغيرات التي أحاطت بها أولًا، ثم المشهد المصري داخليًا وخارجيًا، فراحت تتعامل وكأنها تعيش في عصر مبارك، أو فترة حكم المجلس العسكري بعد تنحي مبارك، حيث المعارضة والتظاهر في الشوارع. دون أن تفكر في استثمار ما صار في يديها من سلطة وتأييد شعبي، فضلًا عن الحالة الثورية التي كانت تعيشها مصر.

وحقيقة لم تكن تلك المشاهد هي الوحيدة التي ازدحمت بها الساحة المصرية في عام الحكم. كلا، بل كانت هناك العديد من المشاهد، والتي أرجئ تناولها لمقالتي القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك