قد يثير العنوان التعجب في قارئه، لكنْ دعونا نسأل أولًا سؤالًا قد يوضّح للبعض مقصدنا من ذلك العنوان، وهو:

«كيف يوصف نظام الحكم في مصر، وفي بعض الدول العربية الأخرى بالعلمانية، من قبل الإسلاميين، وحسابُ وتحميلُ كل تلك الأخطاء التي يرتكبها النظام على عاتق العلمانيّة، وفي نفس الوقت يوصف نفس النظام بالإسلامي المقنّع ويشتكي منه العلمانييون مرّ الشكوى مع مناداتهم المتكررة بحذف المادّة الثانية من الدستور (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع).(1) لتكتمل الحُلّة المدنية، وتتجلّى في أتمّ صورها كما يُقال؟»

يكمن الأمر في حالة الميوعة أو السيولة التي يتّصف بها نظام الحكم، لا من حيث قدرته على الفعل، وأدوات العنف العديدة التي يمتلكها في سبيل الذود عن السلطة، كما قد يُتبادرُ إلى ذهن البعض، بل من حيث الصيغة التي يحكم من خلالها البلاد، ويقود بها أجهزة الدولة المختلفة ومؤسساتها، كذا من حيث تعامل السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائيّة).

لمّا كانت الدولة، حسبما ذكر «د. وائل حلّاق» عنها، غايةُ نفسِها، وأنّ السلطة لا تبتغي، إلّا مزيدًا من السلطة، وبسط الهيمنة، كان كل شيء خاضعًا لسلطان الدولة ـ أو دعنا نقل: البلد ـ يصطبغ بصبغتها، ولمّا كان الوضع المزري في مصر، على سبيل المثال، مدفوعًا بالرغبة الديكتاتورية التي هي قائمةٌ أساسًا على السيطرة، كانت الرغبةُ في السيطرةِ مضاعفة؛ فهي رغبةُ السلطة على رأس الدولة من جانب، ورغبةُ الديكتاتورية التي تُعدُّ قائمةً أصلًا على الرغبة في السيطرة، وزيادة السلطة، وامتلاك القوّة، وحسبما أشار د. وائل حلّاق أيضًا في كتابه «الدولة المستحيلة» من أنّ القانون، مهما بدا متماسكًا ومثاليًا فهو في النهاية يعدّ، بصورة أو بأخرى، تمثيلًا وتعبيرًا عن إرادة السلطة.

لكن دعونا أولًا نفصّل، لم آثرنا التعبير بلفظة «بلد» عن مصر، بدلًا من لفظة «الدولة» الفكرة هي أنّ مصر، بالرغم من امتلاكها بالفعل مؤسسّات الدولة، فهي نظريّا دولة، إلّا أنّه في غياب النزاهة والشفافية ومحاسبة المسؤولين عن الفساد الحاصل، وعن حصر القوّة بين جناحي ملّاك السلاح، وملّاك رؤوس الأموال، صارت مصر تمتلك هيكل الدولة بدون أن تصبح في حدّ ذاتها دولة.

في واقع الأمر تُدار بمبدأ القبلية والشللية وحصر المصلحة في طبقة معينة، سواءً لكونها تمتلك السلاح أو لكونها تمتلك الرأسمال.. أو بتعبير أكثر أكاديمية حسبما قال د. حلّاق «فلا يمكن لأي وحدةٍ أو كيان في الدولة أن يتحلّى بأيِّ سلطةٍ مستقلّة ذاتيّة. وهذا هو السبب الذي دفع الدول الأوروبيّة لتدمير مثل تلك الكيانات الداخليّة. وهو أيضًا السبب في أنّ دول العالم الثالث اليوم هي دول بالاسم فحسب. فهذه الدول التي خلقتها القوى الاستعماريّة كتخييلات قانونيّة في القرن الماضي، هي دول تحاول أن تحكم مجتمعات مجزّأة بالأساس قائمة على وحدات قبليّة أو محلّية أخرى هي محلّ الولاء السياسي وتسعى إلى العمل باستقلال عن الدولة(»2)

من الواضح للعيان أن مصر بها لمحةٌ علمانيّة، تظهر جليّة في أكثر المؤسّسات تأثيرًا وقوّة بها، القضاء، والشرطة، والجيش، علمانيّة فرنسيّة، مظهريّة غير متصالحة أو متهاونة مع التجلّيات الدينيّة بها، طاردةً ومقاومةً لها على الدوام، لكن على الرغم من ذلك تستخدم تلك التجلّيات الدينيّة، حسبما ترى، استخدامًا ديكوريًّا يتوافق والمادّة الثانيّة.. الشكليّة.

لكن العلمانيةُ تعني أن تقف الدولة على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأطياف والعرقيّات والأديان، أن تفضّ الاشتباك ما بين الديني والسياسي الإداري، لكن قدْ يسأل سائلٌ على إثر هذا التعريف «أليس هذا بالشيء الجيّد؟ أن تكون الدولةُ على مسافةٍ واحدة تحكم بالعدل والقانون، تقيم الحقوق أينما حلّت وتجلّت؟»

والإجابةُ على هذا السؤال فيما يتعلّق بمصر أوضح من أن نخوض فيها هنا مع تدهور حقوق الإنسان، وضرب مكوّنات المجتمع ببعضها البعض، والزيادة الرهيبة في استخدام الدولة للعنف ضد المعارضة، وقتْل القانون وروحه (ما يحملُ بالمناسبة دلالة على تعرّض السلطة للخطر الداهم حسبما قالتْ «حنّة أرندت» في كتابها «في العنف» حيث قالت بالتناسب العكسي لاستقرار السلطةُ مع زيادة استخدامها للعنف) خصوصًا في الآونةِ الأخيرة.

دولةٌ وليست دولة، علمانيةٌ ـ إذن ـ وليست علمانية، ذات مرجعيّة دينيّة وليست ذات تلك المرجعيّة في نفس الوقت، روح العلمانية تسيطر على قطاعات عريضة في أجهزتها، بينما تجد تداخلات معينة للروح الديني في بعض الأمور؛ وقتما يريد ويسمح بذلك مزاج السلطة. تستخدم الأنظمة في مصر ذلك الروح العلماني: ليس لفصل الدين عن الدولة، وفضّ الاشتباك، بل ليصل الأمر إلى وضعه تحت السيطرة، وقولبته ليصبح متناسبًا مع أهوائها أو أنّها، بمعنىً آخر أكثر دقّة، أمّمته.

على الجانبِ الآخر تستخدم الدولة ذلك الدين المؤمّم كحجّة لا تلزمها بإصلاح قانون الأحوال الاجتماعية من جهة ومن جهةٍ أخرى كسلاحٍ ضدّ أية محاولة للنقد التراثي، على سبيل المثال، طالما كان هذا النقد للتراث الديني يحمل في طيّاته خطرًا داهمًا على السلطة، أو خطرًا على «التوازن» الاجتماعي، والذي ليس هو توازنٌ في ذاته، بل بما يحقق مصالح السلطة.

يلقي ما سبق الضوء على تلك السيولة؛ ليبيّن لنا أنّها حالة من اللا تمايز، واللامعيارية، تسود كل شيء تحت مظلّة الدولة (البلد)، تعطيها مزايا كل شيء، وكل نظام وتعفيها في ذات الوقت بقدر المستطاع من مسئولياته، تتبنى العلمانية ظاهريًا؛ لتسيطر على الدين، وتعلّبه وتحصر تجليّاته، وفي نفس الوقت تستخدم الدين كسلاح ترهيب ضد الأفكار وقت الضرورة، دون أن تقوم بتطبيق الدين نفسه؛ ليصبح الأمر في النهاية استخدامًا مستمرًّا للعناوين: عناوين علمانيّة تتقوّى بها الدولة، وعناوين دينيّة تعيد تعريفها؛ ليصبح لها الحقّ الحصري في تحريك الجموع والسيطرة على الفضاء الاجتماعي.

—————-

  1. المادّة الثانية – الدستور المصري.
  2. «الدولة المستحيلة» – ص 80 – د. وائل حلّاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد