عاش مولانا جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر وهو فقيه حنفي، وعالم خطيب، وصاحب فتيا متمكن، وقد نال من الشهرة الكثير؛ فكان يقصده الكثيرون لسماع خطبه وتعلم الشريعة منه.

 

ثم التقى مولانا بالدرويش المتجول شمس التبريزي، فوجد نفسه عاجزًا عن الإكمال في مساره المعتاد، فاعتزل مريديه وأيضًا أسرته، وأغلق بابه على شمسه التي أشرقت في حياته، وبدأ يتعلم منها أسرار العشق، ومن ثم تحوّل إلى شاعر رقيق ينسج آيات العشق بخيوط الحكمة والرّقة.

 

أما ابن رشد فهو الفيلسوف الأندلسي الذي عاش في القرن الثاني عشر، والذي أعلى من قيمة العقل، ودعا إلى تحرير العلم والعقل من قيود اللاهوت، وبالتالي فقد نال منه هجوم كثير من رواد المدرسة الدينية المحافظة التي تعلي النقل على العقل، فكان مثار سخط من رجال الدين سواء من المسلمين أو غير المسلمين عندما انتقلت فلسفته إلى أوروبا، إذ شعروا جميعًا بخطورة دعوته على مكانتهم واستسلام الناس لهم.

 

فإذا ما نظرنا إلى العصرين اللذين شهدا تواجد ابن رشد ومولانا الرومي لوجدنا أن القرن الثاني عشر ( قرن ابن رشد) هو الذي شهد بداية الحملات الصليبية من ناحية، والإرهاصات الأولى لتكوين الجيش المغولي الموحد، فكان العالم الأوروبي يعاني من التجمد وسيطرة الكنيسة على مقاليد الأمور، وكذلك الوضع في العالم الإسلامي حيث التناحر السياسي على السلطة، والتجمد الديني (ولعل معركة الغزالي مع ابن رشد شاهدة على ذلك).

 

أما القرن الثالث عشر فقد شهد استمرار الحملات الصليبية، وانهيار الخلافة العباسية وتفسخ الأمة الإسلامية، واجتياح المغول للعالم، وتحولهم إلى خطر يحدق بالجميع، وتقلص الأندلس لتصبح مجرد مملكة في غرناطة، وبالتالي نجد زيادة النفوذ الديني في الشرق والغرب، مع زيادة الصراعات بين الشرق والغرب، سواء لأسباب دينية، أو لأسباب سياسية قائمة على الطمع والرغبة في التوسع واستعباد الآخرين والسيطرة على مواردهم.

ومن خلال هذا السرد التاريخي السريع أستطيع أن أقول إن بذور الكراهية تم نثرها في القرن الثاني عشر، ثم سقيت بالكثير من الدماء في القرن الثالث عشر؛ لتنبت غابة من الكراهية والتعصب لم نفلح من الخروج منها حتى الآن.

 

كما يمكنني أن ألاحظ مدى التشابه بين الحال في القرن الثالث عشر وقرننا الذي نعيش فيه وسط كراهية وتعصب، وهوس ديني يقابله هوس لا ديني، وأطماع سياسية واقتصادية يرغب فيها القوي أن يمتص دماء الضعيف وخيراته حتى الثمالة.

 

وفي رأيي أن خروج عالمنا الحديث من هذا النفق المظلم في يد هذين الرجلين، حيث العقل الذي يعيد قراءة النقل وتأويله كي يخرج منه نسخة قادرة على التعامل مع تحديات العصر، وحيث العشق الذي هو الحل الأكيد للقضاء على الهوس الديني والهجمات اللا دينية المتتابعة، والرغبة العارمة للصراع من أجل السيطرة ولو على حساب الضعفاء والفقراء.

فإذا ما قارنت بين الأداتين، فسأجد أن العقل وإن أدّى إلى تفكيك قلاع الجهل والتعصب إلا أنه سيظل محفّزًا للصراع، ومُنَبِّهًا لأساطين التعصب كي يرابطوا على ثغور الكراهية ينفثون النار في حطبها للحفاظ عليها مشتعلة.

أما العشق فهو الأداة الأكيدة لمواجهة كل هذه الأمراض التي أصابت عالمنا المعاصر، إنه العشق الذي جعل مولانا يكتب في مثنويه كيف أن الأديان كيان واحد، ولكنها مثل زجاجة عند أستاذ طلب من تلميذه الأحول أن يحضرها له.

ذهب التلميذ فرأها زجاجتين، فعاد وأخبر أستاذه الذي أخبره أنها زجاجة واحدة، ولكن التلميذ أصر على أنهما زجاجتان، فطلب منه الأستاذ أن يكسر واحدة ويحضر الأخرى، وكسر التلميذ الزجاجة فضاعت الزجاجتان.

وهكذا الأديان إذا تصارعت واشعلت الحروب فإنها جميعًا تنكسر في نفوس معتنقيها، فما أشد احتياج عالمنا لهذا العشق الذي يدفعه لقبول الاختلاف والسعي نحو التسامح والتعايش مع الآخر.

 

ولعل هذا ما نلاحظه في جنازة مولانا جلال الدين الرومي الذي أصر المسيحيون واليهود على المشاركة فيها، وحملوا مع المسلمين نعشه لأنه علمهم العشق.

 

ولذلك أقول:
إن عالمنا أكثر احتياجًا إلى داعية عشق كمولانا جلال الدين الرومي، من احتياجه إلى داعية عقل كابن رشد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد