بعد مرور ثماني سنوات على الثورة لا يوجد أي تفسير لكثير من الأكاذيب والشائعات المنتشره حولها، وبالأخص حول جماعة الإخوان المسلمون، سوى أن العسكر لديهم شبكة من العملاء ينشرون هذه الشائعات والأكاذيب ميدانيًا وسط الناس، وتدار هذه الشبكة من جهات مؤسسية ويقوم عليها مختصون، وعماد هذه الشبكة وهيكلها قائم على أفراد الدولة العميقة ورموزها في شتى المحافظات والمدن والقرى ويساهم الإعلام في تروج هذه الأكاذيب والشائعات ونشرها إن لم يكن هو المنشئ والمعلن عنها ابتداءً.

كما أن الاعلام يتعامل مع الشعب على أنهم أصنام أو أنعام يحركهم كيفما يشاء ويكذب عليهم بلا أدنى حياء أو استحياء.

هذا الأمر من الأهميه بمكان وينبغي أن يكون محل دراسة وتحليل من الأكادميين والباحثين ومن القائمين على العمل العام، فالشائعة كظاهرة اجتماعية تعبر تعبيرًا عميقًا عن ظروف المجتمع النفسية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وتعد المفتاح الذهبي لدراسة المجتمع وتحديد ملامحه وخصائصه.

وتتضح أهمية دراسة الشائعات بمعرفة تأثيرها الكبير على المجتمعات فقد تؤدي إلى تفكك وتدهور المجتمع كما قد تؤدى إلى تماسكه، ومن خلال الشائعات تتبدل مواقف الأفراد وعلاقاتهم وتفاعلاتهم. والشائعة هي أولى وسائل الحرب النفسية. [1]

ومصطلح الشائعة بمعناه الحالي من المصطلحات الحديثة التي ظهرت مؤخرًا بظهور وسائل الاتصال السريعة وتطورها، وعلى الرغم من أن الانتشار السريع لأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي أحدث ما يسمى بثورة المعلومات التى أتاحتها شبكة الإنترنت، إلا أن هذه الوسائل نفسها أصبحت أقوى وسيلة لترويج الشائعات ونشرها.

ويعرف د. مختار التهامي الإشاعة على أنها «الترويج لخبر مختلف لا أساس له من الواقع أو تعمد المبالغة أو التهويل أو التشويه في سرد خبر فيه جانب ضئيل من الحقيقة، أو إضافة معلومة كاذبة أو مشوهة لخبر معظمه صحيح، أو تفسير خبر صحيح والتعليق عليه بأسلوب مغاير للواقع والحقيقة؛ وذلك بهدف التأثير النفسي في الرأي العام المحلي أو الإقليمي أو العالمي أو القومي تحقيقًا لأهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية على نطاق دولة واحدة، أو عدة دول، أو على النطاق العالمي بأجمع».[2]

وكان الواجب علينا أن ندرك حقيقة مدى خطورة الشائعات، ومن ثم العمل الدءوب والمتواصل لمواجهة الشائعات والتصدي لها بمنهجية علمية وبعمل مؤسسي.

كان يتوجب علينا ضرورة العناية بدراسة الشائعة دراسة علمية دقيقة.

كان يتوجب علينا إنشاء جهاز أو هيئة على المستوى الوطني لمواجهة الشائعات، سواء عن طريق وضع الاستراتيجيات والخطط للوقاية منها أو لمواجهتها، وتحديد الإمكانيات المادية والفنية والبشرية اللازمة لتنفيذ هذه الخطط ومتابعتها وتقويم النتائج وتحديد الأطر المستقبلية للمواجهة وخطط الحملات المضادة والتنسيق بين مختلف الجهات ووسائل الإعلام ومنظمات المجمع المدني وتحديد دور كل منها في الوقاية والمواجهة.

إن الاقتصار على مجرد جمع الشائعات ورصدها والوقوف عاجزين أمامها، وجل ما نفعله أن لا نفعل شيئًا وننتظر أن يمر الوقت ويكتشف الناس بأنفسهم كذبها، لهو من الأمور التي أدت لضياع الثورة وصرف الناس عنها بعد تفرقهم وتشرذمهم.

إن الشائعات تبلغ من الشعوب المغيبة مبلغًا كبيرًا وتتملك عقولهم تملكا كبيرًا وتجعلهم يكذبون حتى أعينهم وحول هذه النقطة اطلقت النكات الساخرة فيروى أن رجلًا ذهب بابنه الصغير للطبيب ليكشف مرضه فوضع الطبيب السماعة على قلب الطفل، ثم أخبر الرجل بوفاة ابنه، وانطلق الطفل صارخًا «أنا صاحي يا ابا ما متش، فصفع الرجل ابنه بقوة قائلًا له اخرس يا ابن الكلب، هتعرف أكتر من الدكتور».

لعل هذا المشهد الساخر تكرر بالفعل أمامنا مرارًا وتكرارًا من بداية الثورة، فالكل شاهد منظر النيل والميدان هادئًا وفارغًا من البشر على شاشة التلفاز المصري في الوقت الذي كان يموج بالآلاف من شباب ورجال الثورة.

وتجد من صدق الإعلام المصري وقتها رأى جموع الثوار تملأ الميدان وشاهدها بعينه أو على شاشات الجزيرة والقنوات العالمية، ورغم ذلك ضرب بكل ذلك عرض الحائط، ولعل هولاء أنفسهم هم من صدقوا امتلاء الميدان بـ30 مليون إبان مشهد الانقلاب العسكري، وهذا مما لا يقبله عقل.

وهذه بعض الأمثلة على هذه الاكاذيب والشائعات:

1- إشاعة أن الثورة المصرية مؤامرة أجنبيةٌ

هذا الأمر تم ترويجه في بداية الثورة بصورة سمجة، وبأكاذيب هزيلة تتحدث عن توزيع وجبات كنتاكي، وتوزيع الدولارات على من في ميدان التحرير، وامتلاء ميدان التحرير بإيرانيين وفلسطينيين وقطريين وأجانب، كل هذه الشائعات سقطت بعد خطاب التنحي والنجاح الأولي للثورة، إلا أنها عادت مرة أخرى بعودة الثورة المضادة، كما أنه بعد مرور الوقت كان التساؤل ملحًا للثوار أنفسهم: هل الثورة كانت مؤامرة قادتها أمريكا، وشارك فيها شباب وجماهير عجزت عن الوعي بحقيقة المؤامرة، أم أن الثورة نبعت من الشعب المصري، ولا يوجد أي يد لأي قوى خارجية فيها حتى وإن سيطر عليها ووجه دفتها بعد ذلك النظام الإقليمي والعالمي عن طريق عملائهم في الداخل؟

وحول هذا الأمر كتب الباحث الدكتور علاء بيومي مقالًا [3] مفاده أن أمريكا بكل استخباراتها فوجئت بالثورة ووقفت عاجزة حيالها ولم تستطع إتخاذ قرار بشأنها وتوصل الباحث لهذه النتيجة بعد البحث والاطلاع على ما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية نفسها عن جلساتٍ عقدها الكونجرس الأمريكي، للنظر في دور الاستخبارات الأمريكية خلال الأحداث، ومن خلال الاطلاع على كتابين مهمين نشرا في أواخر العام الماضي، «العالم كما هو: داخل البيت الأبيض في عهد أوباما» لبن رودز، مساعد أوباما لشؤون الأمن القومي وكاتب خطاباته، و«في أيدي العسكر: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط»» لديفيد كيرباتريك، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة خلال سنوات الثورة.

2- إشاعة أن الثورة مؤامرة من الجيش نفسه لمنع توريث الحكم لجمال مبارك

هذا الامر وإن لاقى رواجًا على أنه تحليل للأحداث، إلا أنه في اعتقادي إحدى الشائعات، الجيش المصري بقيادة طنطاوي أضعف من أن يفعل ذلك، وكان مهمشًا وبعيدًا عن الحكم مكتفيًا بالانغماس في البيزنس وإدارة الفساد المالي من خلف الستار، وما صرح به قائد الانقلاب السيسي بأن الجيش يقدر يفرد قواته في مصر في ست ساعات، وأن ماحدث في 25 يناير لن يتكرر فيه إشارة إلى أن الجيش لم يكن في مقدوره، ولا في إمكانياته فعل ذلك وقت قيام الثورة، وما شاهدناه بالفعل أيام الثورة هو نزول عربات ومدرعات قديمة ومتهالكة، وعلى العكس تمامًا بعد الانقلاب كان الجيش على كافة الاستعدادات والتسليح بمدرعات جديدة وطائرات وقناصة، فالجيش لم يحم الثورة، بل إنه لم يستطع إجهاضها في مهدها.

وقد ذهب الكاتب الصحافي سليم عزوز في مقاله له إلى أبعد من ذلك، وهو أن الجيش كان بعيدًا عن السياسه ومهمشًا في العهود السابقة والثورة هي التي أسقطت مبارك، إلا أن تتابع الأحداث بعد ذلك هي التي مكنت الجيش من الحكم [4].

3- الشائعات حول علاقة الإخوان بثورة 25 يناير ونزول القيادات في هذا اليوم

كان الإخوان أحد أهم المنظمين ليوم 25 يناير (كانون الثاني) والمشاركين فيه، وجميع قنوات الفلول ووسائل الإعلام لم يكن لديها نغمة إلا ظهور المظاهر الإسلامية «الارهابية» كالصلاة والحجاب وسيطرة الإخوان على كل المظاهرات من الساعة 11 ظهرًا، وكانت مانشيتات الصحف المصرية قبلها بأيام عن تصريح المرشد العام بالمشاركة، رغم اعتقال قيادات المكاتب الإدارية بالمحافظات وتهديدهم بعدم المشاركة، ومن العجيب أن نفس هذه الوسائل هي التي روجت لأكذوبة أن قيادات الاخوان لم ينزلوا يوم 25 يناير وتأخروا في المشاركة، وتبعهم في ذلك من كان يردد عكس هذه الأكاذيب ونقيضها، وفي هذه الروابط التالية ذكر للحقيقة التي لا يزال التغافل عنها من الكثيرين للتشنيع على الإخوان واتهامهم بأنهم قد سطو على الثورة وركبوها، مع أن الإخوان وصلوا للحكم باستحقاقات انتخابية ديموقراطية نزيهة فازوا في جميعها حتى حدوث الانقلاب:

فيديو إعلان الدكتور عصام العريان مشاركة الإخوان في 25 يناير قبلها بأيام https://www.youtube.com/watch?v=phKSp95ZITw

دور الإخوان في الثورة وفي تنظيم مظاهرات 25 يناير https://www.youtube.com/watch?v=ZQzUlAq-_Z8

 المظاهرات صباح 25 يناير أغلبها شباب الإخوان وجميع القيادات البرلمانية للاخوان https://www.youtube.com/watch?v=CEPSX0gyN7Y

فيديو إعلان البلتاجي المشاركة في 25 يناير https://www.youtube.com/watch?v=534xzg7PVJk

 إعلان حركة 6 أبريل على صفحتها عن إعلان الإخوان مشاركتهم في الانتفاضة المصرية يوم 25 يناير http://cutt.us/9V2kt

4- الشائعات حول لقاء الإخوان مع عمر سليمان للتآمر على الثورة

لم يحدث لقائي بين الإخوان وعمر سليمان سوى اللقاء المعلن والمذاع على التلفزيون بمشاركة جميع القوى، والإخوان رفضوا اللقاء في البداية ووافقوا عليه بعد موافقة جميع القوى السياسية! وتبع اللقاء المعلن لقاءات غير معلنة مع بعض الشباب من خارج الإخوان:

إعلان الدكتور مرسي رفض الحوار مع عمر سليمان لأنه فاقد للشرعية https://www.youtube.com/watch?v=h0Z8CZikR_o

الدكتور بديع يشترط رحيل مبارك والنظام الفاسد أولًا قبل الموافقه على التفاوض مع عمر سليمان https://www.youtube.com/watch?v=r4LwFf_rzXg

كانت هذه بعض الشائعات التي استمرت وتزايدت وما زالت تردد حتى الآن كأنها حقائق مسلمة، وما زال هناك الكثير والكثير من الشائعات سنكمل ذكر بعض منها في مقال لاحق بإذن الله.

وعلينا أن ندرك جيدًا أننا لن نستطيع أن نصل إلى تقييم حقيقي وتقويم سليم للفترة السابقة إلا بجمع كل المعلومات وبيان الحقائق منها والشائعات.

حفظ الله مصرنا الحبيبة وهيأ لشعبها الوعي والإدراك لإكمال ثورتها المجيدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد