هكذا قرر الرئيس الروسي البدء في خطته ؛ من أجل القضاء على الجماعات الجهادية المسلحة داخل الأراضي السورية، مستعينا بطلب الرئيس بشار الأسد، الذي أرسل رسالة إلى فلاديمير بوتين بهذا الخصوص، وفق ما قال المكتب الإعلامي للرئاسة السورية الذي أكد أن “أي زيادة في الدعم العسكري الروسي لسوريا تمت وتتم بطلب من الدولة السورية”.

لن نتحدث كثيرا عن الأيام الأولى التي بدأت فيها العمليات العسكرية الجوية؛ لأننا لسنا بصدد الجدال عن مدى تحقيق هذه الطلعات الجوية الأولى أهدافها، بقصف مقار ومستودعات كل من تنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة، ولن نسرد كثيرا تلك التحليلات والتدوينات التي ملأت الصحف والمواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، ولن نلتفت إلى الجهات التي ابتهجت بالتدخل الروسي، واستبشرت بقرب زوال تنظيم الدولة، وتخليص العالم من شرها، ومن همجيتها حسب تعبيرهم.

 

سنتحدث كمتابعين لما يحدث على الساحة السورية، وأمام التزاماتنا الأخلاقية والمهنية للقراء وللمتابعين وللباحثين عن بعض الحقيقة في خضم هذا السوق الإعلامي المليء بالرديء والجيد والممتاز ، محاولين قدر الإمكان أن نتجرد للحق من أجل الوصول إلى نتيجة مقنعة لما يحدث الآن وما سيحدث في المستقبل في سوريا خاصة، وفي العالم والشرق الأوسط عامة.

لم ندع يوما أننا نملك الحقيقة ولم نكن في يوم من الأيام من المساندين لأي تيار ديني أو حزبي أو فكري معين، بل حاولنا قدر الإمكان أن ننهل وأن نقرأ وأن نبحث في كل المقالات والدراسات التي تطالها والتي تتعلق بموضوع معين لأي كاتب مهما كانت انتماءاته من أجل الوصول أخيرا إلى نتيجة ربما تكون صائبة كما يمكن أن تكون خاطئة.

سبق لنا أن نشرنا في بعض المواقع الإعلامية مقالات عديدة تتعلق بالجماعات الجهادية في أكثر من منطقة، وعن علاقتها بما يحدث وعن قدرتها على الصمود في وجه أكبر تحالف عرفه العالم المعاصر، وكنا أيضا قد نشرنا دراستين متوسطتين عن القرارين التركي والروسي بالتدخل المباشر في الصراع السوري، والانضمام وتشكيل الروس تحالفا موازيا للتحالف الستيني اليوم.

في الحقيقة يحتار المرء عندما يرى ما يحدث في العالم اليوم، ويتأسف كثيرا، وينفطر قلبه من هول ما يراه من جرائم ضد الإنسانية من مختلف أطراف النزاع في العالم بدون استثناء، سواء كانت دولا أو جماعات، فما ذنب أولئك المدنيين الذين لا ذنب لهم، سوى أنهم كانوا سوريين أو عراقيين أو يمنيين ؟ فقد كتب عليهم أن يموتوا غرقا، وحرقا، وردما ، وغيرذلك من الطرق التي سمعنا عنها كثيرا حتى رأيناها.

 
بعد كل الدمار في سوريا الذي خلفه النظام والمعارضة السورية سوريا وبعد 3 سنوات ونصف من انطلاق الانتفاضة الشعبية يأتي دور التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل العسكري جويا من أجل القضاء على التنظيمات الجهادية المنتشرة في معظم المناطق والمدن السورية ،وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد أكثر من عام من القصف الجوي وعمليات الإنزال الخاطفة التي فشل معظمها ، وتواصل تقدم فصائل المعارضة بكل توجهاتها في مناطق مهمة واستراتيجية في سوريا ، وتشكيلهم لخطر كبير على النظام ، قررت روسيا التدخل العسكري جويا في مرحلة أولى؛ لقصف التنظيمات الجهادية حسب ادعائهم، وبريا في مرحلة ثانية حسب التسريبات والتقارير الإعلامية، التي نقلت عن أكثر من مصدر أن الروس لن يكتفوا بتدخل جوي، بل سيستعينون بقواتهم الخاصة ، وبعناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والجيش السوري؛ لكي يقوموا بعمليات برية واسعة ؛ من أجل فك الخناق عن مناطق محاصرة واسترجاع مدن وقعت تحت سيطرة المعارضة المسلحة ، فقد قالت مصادر لبنانية مطلعة لرويترز، الخميس 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، إن مئات من القوات الإيرانية البرية وصلت إلى سوريا منذ حوالي 10 أيام للمشاركة في عملية برية في الشمال السوري، وإن حزب الله اللبناني يستعد للمشاركة في هذه العملية.

لقد بدأت الحرب تلقي بظلالها على المنطقة وسنشهد في المرحلة القادمة تحالفات بين الفصائل الجهادية قد تقلب موازين القوى، وتفجر مفاجآت كبيرة، رغم أننا نستبعد انضواء كل الجماعات الجهادية المقاتلة على الأرض تحت لواء واحد يمثله تنظيم الدولة الإسلامية في الفترة الراهنة ، إلا أننا لا نرى أن تواصل البيعات المتتالية للتنظيم بهدف شد أزره، وتقويته والدعم المالي السخي من الأثرياء العرب والعجم؛ لأجل الصمود في هذه الحرب سيتوقف ، ولن تكون بعيدة المنال، خاصة وأن تجفيف منابع تنظيم الدولة الإسلامية في الوقت الراهن يبدو صعبا؛ بسبب الأساليب المعقدة التي يستعملها عناصره من أجل عدم اكتشاف هذه القنوات.

فماذا يخفي المستقبل القريب؟ وهل تنقلب الحرب الباردة إلى حرب ساخنة تحرق المنطقة بمن فيها؟
شمس الدين النقاز تونس

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد