في تلك اللحظات من كتابة هذا المقال، يبدأ العالم في التحول إلى رقعة شطرنج، في دور جديد من الصراع على النفوذ والسيطرة على المناطق الاستراتيجية من العالم، بين قطب جديد بدأ يسطع نجمه في السماء، وبين الولايات المتحدة التي ظلت تتربع على عرش النجومية كقطب أوحد.

وإني على يقين أن قفزة الحصان الروسي إلى سوريا، لم تكن متوقعة على الإطلاق من قبل الولايات المتحدة، وأن حسابات الموقف العسكري أصبحت في غاية الصعوبة، يعجز فيه جهابذة العسكريين أن يتخذ رد فعل سريع صائب.

وإني اليوم سوف أحاول أن أضع النقاط على الحروف؛ لكشف أبعاد الموقف العسكري _ الروسي الأمريكي _ وإلى أي مدى سوف ينتهي المد الروسي، وما هي أهداف روسيا من هذا المد.

 

القوة الضاغطة

 

وهي تعني تحرك القوة إلى الأمام، في ظل وجود مقاومة متوازنة أو غير متوازنة. وتقييم القوة هو شيء نسبي يختلف حوله الخصمان، ولا يقاس بعدد ولا عدة، فكم من جيوش انتصرت وهي الأقل! ولا خلاف على ذلك. عندما قمت بتحليل ظاهرة القوة الضاغطة فيزيائيا، وبالتحديد في ميكانيكا الموائع (غازية أو سائلة) وجدت أن خصائص المادة تتغير عند مستوى معين من الضغط، كأن يتحول الغاز إلى الحالة السائلة على سبيل المثال، وهذا شيء له ما بعده عندي.

ومن خلال تجربتنا بوضع حاجز متحرك(ج)، بين قوتين من الضغط متضادتين في الاتجاه(أ، ب) وأن قوة الضغط هذه تمثل القوة الحقيقية لكلا الخصمين على أرض الواقع، وبالتالي سوف تكون (ج) هي المؤشر لمقياس معدل تغيرات القوى بين الطرفين، فهي إذاً بين الحركة والسكون في اتجاهين. وعلى ذلك سوف يكون لدينا عدة احتمالات تدخل على الظاهرة سوف نقوم بتحليلها:

أولا: إذا كانت المقاومة تساوي صفر عند أحد الطرفين؛ وهذا يعني أن القوة الضاغطة، ماهي إلا قوة تنطلق نحو الفراغ. سبق الحديث عن ذلك.

ثانيا: أن يكون هناك تعادل في قوة الضغط، مما يترتب عليه ثبات النقطة (ج) عند أول منحنى تعادلي بين القوتين في الزمان والمكان. وهذا لا يعني التوازن في القوة، وانما يعني الثبات في قوة الدفع لدى الطرفين، فلا يستطع أحدهما إزاحة الآخر، أو أن يغير من الواقع العسكري شيء، وهي مرحلة الخمول.

 ثالثا:أن تتسبب قوة الضغط الشديدة في إزاحة النقطة(ج) حتى تلتصق بالطرف المضغوط عليه، فتتغير خصائص هذا الطرف عند مستوى معين من الضغط.

ومما لاشك فيه أنه سوف يحدث حالة من التعادل في الضغط، طالما أن المادة المضغوطة لم تتحول إلى عدم (تدمير القوة العسكرية للخصم). ويتوقع في هذه الحالة موجة ارتدادية في أي وقت (لكل فعل رد فعل مساوى له في المقدار ومضاد له في الاتجاه) نيوتن، وعلينا أن نعلم أن التعادل لا يعني المساواة في المسافة، فكما رأينا أن (ج) التصقت بأحد الأطراف، وسيطر الطرف الآخر على كامل المساحة التي تحركتها (ج).

والذى لم يشر له قانون (نيوتن) هنا هو التغير في الإزاحة، وهذا ما يهمني الآن، فتفسير ما حدث للاتحاد السوفيتي يكمن في هذه الجزئية.

فإذا فرضنا أن قوة الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، في ذلك الحين كانت تساوي(5 بار) لكلا الطرفين، وأن النقطة(ج)هي نقطة الوسط، وبالتالي فإن كلا منهما يمتلك نفوذا بمقدار متساو، وعليه فإن المسافة (أ ج) تساوى المسافة (ب ج).

وهنا يمكننا أن نقول أن الانهيار المفاجيء بشكل متسارع للاتحاد السوفيتي جعله يتراجع حسب الفرضية السابقة من قوة 5 بار إلى 1بار على سبيل المثال، وهذا يؤدي إلى تحول فاقد القوة إلى فارق قوة يضاف إلى ميزان الولايات المتحدة، يحدث بسرعة خاطفة، فتتحول الولايات المتحدة من قوة 5 بار إلى 9 بار، يعبر عنها بالمسافة التى تحركتها (ج) إلى الأمام، وهي المواقع الإستراتيجية ومناطق النفوذ التي سيطرت عليها الولايات المتحدة، تراجعا من الاتحاد السوفيتي، أي أن أمريكا ملأت فراغا.

وأؤكد هنا أن التغير يكون في المساحة (الجيوسياسية)؛ لأن التعادل في الضغط حادث لا محالة، وتلك هي المرحلة التي يمكن أن تتغير فيها الخصائص، سواء أكانت للأفضل أم للأسوأ، والواقع يشهد لروسيا الآن أن التغير كان للأفضل على جميع الأصعدة اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا.

إن ما أثار انتباهي بشكل كبير في بداية الأمر، هو ردة الفعل الروسية، بداية من القرم وأخواتها، ثم سوريا فالعراق، أهي متوافقة مع ما تقول به الظاهرة أم أنها جاءت بشيء مغاير؟ لكن سرعان ما تداركت الأمر، ومن المؤكد أن أمريكا والناتو، قد اختلطت عليهم الحسابات في فهم وتفسير ما حدث من ردة الفعل بهذه القوة، وبهذا التوالي في الحركة والتقدم، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الجزئية، كيف تنشأ قوة الدفع الذاتية لقوة مضغوطة،لإزاحة قوة أكبر منها؟ إن طرح هذا السؤال والإجابة عليه، غاية في الأهمية ولا يقدر بثمن.

بداية يجب أن نعلم أن زحف الولايات المتحدة والناتو، نحو الإتحاد السوفيتي، لم يكن بسبب قوة الدفع وحدها ، وإنما كان بضعف وتراجع الأخير، فكان أشبه بانطلاق القوة نحو الفراغ، في نظرية (الأواني المستطرقة)، لكن في الحالة البوتينية اليوم، فالوضع مختلف تماما، فنحن أمام قوة أضعف تندفع لإزاحة قوة أكبر، وهذا أمر يستحق التوقف عنده بالبحث والدراسة، ولذلك أنا لا أعيب علي الأمريكان، عدم تسرعهم في اتخاذ موقف مضاد غير محسوب العواقب.

ولعلي أختصر الزمن لهم فأجيب بعدة أمور:

 

أولا: بعث الحركة المتدرجة للقوة:

 

 

كما قلت من قبل أنه لابد من وجود تعادل في الضغط بين القوة الضاغطة ، والقوة المضغوطة تثبُت عندها النقطة (ج) وهي مرحلة الخمول، أو النضج للقوة. وعلى ذلك فإن الطرف الذي وقع عليه الضغط (روسيا)، إذا قام برفع قوته ولو بأدنى شيء من القوة، فسوف يؤدي ذلك إلى إزاحة القوة الضاغطة (الولايات المتحدة) بنفس القدر، وهذا بدأ بالقرم وأخواتها في الأزمة الأوكرانية، فكانت هي باديء الحركة للروس.

(إن كل جزء تقتطعه من خصمك، بعد مرحلة التعادل، تنشأ منه حركة ذاتية متتالية إلي الأمام) هذا الفرض غاية في الخطورة؛ لأن ذلك يعني أن الروس مؤهلون إلى التقدم بشكل متدرج، وقد ثبت صحة ذلك الفرض، بخطوة القرم أولا، ثم سوريا ثانيا، ثم التلميح والإعداد للعراق ثالثا.

والذي يبدو لي حتى الآن أنهم لا يريدون أكثر من فك طوق الخناق عنهم وإحداث نوع من التوازن مع القوى الغربية.

 

 

ثانيا: روسيا عقب تفكك الاتحاد السوفيتي:

 

 

احتفظت بكامل بنيتها التحتية العسكرية، التي تضمن لها الردع والنمو في أي وقت. فكان الأمر أشبه بخلية نباتية حية احتفظت بخصائصها، وما إن توفر لها المناخ المناسب، نبتت وفتت الصخور التي تعلوها.

 

ثالثا: قوة الإرادة التي تمثلت في شخصية بوتين.

 

 

وهذا الأمر على ما يمثله من نقطة قوة، فإنه يمثل أيضا نقطة ضعف، أظن أن أوروبا كانت تراهن عليها، قبل قفز الروس إلى سوريا، وهي أن ما حدث في روسيا مرتبط بشخص(بوتين) وليس حالة عامة، وربما حاولت إقناع الأمريكان بذلك في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية، وأنه يمكن احتواء الموقف عند هذا الحد.

 

 

رابعا: خطأ الولايات المتحدة في عدم الحفاظ على مسافة ثابتة بينها وبين روسيا:

 

 

أرى من الحكمة، حتى لو كنت أنت الأقوى نسبيا، فتستطيع أن تبتر لخصمك ساقين، وهو يستطيع أن يبتر لك ساق واحدة، أن تتجنب الاشتباك المباشر معه، لأن ذلك يفضي إلى أن ترثكما قوة ثالثة ناشئة متربصة.

والشيء بالشيء يذكر،أن صبياً، لم يتجاوز العاشرة من عمره، تنازع مع أربعة من اقرانه في السن، فظل يطاردهم من منطقته إلى منطقتهم، حتى كاد أن يدخلهم بيوتهم. وكان سريع العدو، فقد كان بإمكانه اللحاق بهم والاشتباك معهم، لكنه كان حاد الذكاء، فتعمد أن يجعل بينه وبينهم مسافة ثابتة، فكلما أسرعوا في العدو،أسرع، وإذا أبطأت سرعتهم أبطأ. حتى لا يفرض على نفسه اشتباكا، قد يخسر فيه ولو شيئا كرامته.  فيكفيه أن يصول ويجول في مساحة كبيرة دون منازع، وهكذا تفعل الأسود.

 

 

إلى أين سينتهي المد الروسي؟

 

 

مما لا شك فيه أن أي قوة مهما بلغت ذروتها لن تستطيع أن تملأ كامل الفراغ عسكريا على ذلك الكوكب، والولايات المتحدة قد تركت مناطق كثيرة سوف يسعى الروس لمجاورتهم فيها، فأتوقع أن يهبط الروس في الخطوة القادمة إلى القارة السوداء، في عباءة الاقتصاد والتنمية، من خلال شركات البترول والتعدين، ثم بناء تحالفات، وتدشين أربع قواعد عسكرية على أربعة محاور للقارة، وإذا تمكن الروس من ذلك فسوف يضمنون لأنفسهم توازنا لثلاثين عاما قادمة.

ولا أستطع توقع رد الفعل الأمريكي تجاه هذه الخطوة إن حدثت، فقد يختلف تقييمهم لها، لكن أستطيع توقع رد فعل فرنسي، لا يسمن ولا يعني من جوع.

 

 

فروض الظاهرة

– تتغير خصائص الشعوب عند نقطة معينة من الضغوط إيجابا أو سلبا.
– إن ثبات القوتين المتضادتين عند مرحلة التعادل، مؤشر لتراجع القوة الضاغطة.
– إن كل جزء تقتطعه من خصمك، بعد مرحلة التعادل تنشأ منه حركة ذاتية متتالية إلى الأمام في شكل موجة ارتدادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد