إعادة التوازنات في الشرق الأوسط واستعادة روسيا لنفوذها في منطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الباردة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وانتهاء الحرب إلى عالم أحادي القطب، بات أمرًا محل تساؤلات عدة حول الأهداف المستترة وراءها، وفي جهة أخرى موقف أمريكي غير مفهوم وغير واضح، وهو ما يظهر بوضوح في امتلاك روسيا زمام الأمر في سوريا، دون اعتراض شديد اللهجة من أمريكا.

سوريا كانت عنوانًا نموذجيًا لإعلان بدء إقامة التوازنات في المنطقة العربية وخلخلة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، لذا دعونا نفند عملية إعادة التوازنات في تلك المنطقة بشكل مبسط وأكثر وضوحًا.

موسكو في 30 سبتمبر 2015 إعلان بداية التدخل والدعم الروسي الصريح والرسمي للنظام السوري مما أعاد للنظام السوري الأمل في الحياة، وألقى بحبل النجاة في فناء النظام مرة أخرى، وعلى الطرف الآخر أعاد للدب الروسي دورًا في تلك المنطقة، دورًا قد يكون فارقًا بعد سقوط نظام الاتحاد السوفيتي وتعاظم الدور الأمريكي في مناطق العالم المختلفة.

وقد كان الدب الروسي جديرًا بتلك الثقة، وبدأت قواته الجوية والبحرية والمدفعية وفرق المشاة في تقديم الدعم الكامل والمطلق للنظام ودك صفوف المعارضة المسلحة بشتى أنواعها المتطرفة والمعتدلة حتى طالت الاتهامات باستهداف للمدنيين واستخدام الأسلحة المحظورة دوليًا، كل هذه الجهود أثمرت عن ترسيخ قدم النظام في سوريا بعد أن تهاوت أقدامه أمام المعارضة. الدعم الذي كان كفيلًا بجعل بشار الأسد يطرح كصيغة للحل بعد أن كان يعامل بأنه من الماضي ويجب أن ننظر لما بعد بشار.
ذلك الولاء والدعم المطلق أثار شهوة الأنظمة العربية بالتحالف مع الدب الروسي وبخاصة في ظل تخوفات من الإدارة الأمريكية الجديدة والتي قد تكمل سجلًا أمريكيًا حافلًا من مواقف التخلي عن الحلفاء وتحديدًا في الشرق الأوسط، يضاف إلى ذلك الصراع الحالي الدائر بين الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا وهو ما أدى إلى انشغال جزئي للإدارة الأمريكية بأوضاعها الداخلية، وتصريحات ترامب التي توصف بالعدائية ضد العرب والمسلمين.

وفي الحقيقة، النتائج على الأرض في سوريا تحفز ذلك الشعور.

لكن الأنظمة العربية كالعادة كانت سباقة بتقديم الولاء تجاه القوى العظمى، النظام المصري الدولة الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط كانت أول المتحالفين مع الدب الروسي. ذلك التقارب الذي يوصف أحيانًا بأنه من أجل اكتساب شرعية دولية، ووصفها البعض الآخر بأنها البحث عن حليف يجعل النظام قادرًا على الاستمرار والبقاء، ولكن الواقع أن النظام في مصر عقد صفقات تسليح ضخمة بلغت 5 مليارات دولار أمريكي في ظل نظام اقتصادي ضعيف ومعقد، والعديد من التدريبات والتنسيقات المشتركة على المستوى العسكري والسياسي.

أما دول الخليج فبدأت هي الأخرى تتحسس خطاها في طريق التحالف مع الدب الروسي رغم علاقته القوية مع إيران العدو اللدود لدول الخليج، لذلك وصف باللجوء الحذر، تلك الخطى التي تمثلت في صفقات تسليح بلغت مليارات الدولارات، فقد صرح فلاديمير كوجين، مساعد الرئيس الروسي لوكالة «إنترفاكس» الروسية قائلًا «أعلنت السعودية – شأنها شأن الإمارات العربية – عن اهتمامها بالتعاون معنا، وتجري المحادثات معها على قدم وساق».

وأعلن قبله رئيس شركة «روس تيخ» الروسية، سيرغي تشيميزوف، عن توقيع اتفاقيات لتوريد المنتوجات الدفاعية الروسية إلى السعودية، بمبلغ 20 مليارًا.

ثم جاءت صفعة جديدة للنظام الأمريكي بعد التقارب القوي بين الدب الروسي والحكومة الليبية، فطبقًا لتصريحات المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي بأن «الجيش الليبي والمؤسسات في ليبيا ترحب بشكل كبير بالعرض الروسي للقضاء على الإرهاب في ليبيا».
ومن المتوقع أن «تقوم روسيا بإتمام اتفاقها الذي قد أبرم مع نظام القذافي في 2008، وكان مقررًا أن تدخل حيز التنفيذ في 2010».

ومن بين بنودها السماح بإقامة قاعدة بحرية (روسية) في بنغازي (جنوب البحر المتوسط) على غرار قاعدة طرطوس الروسية في سوريا (شرق البحر الأبيض المتوسط).

ووفق مصادر دبلوماسية عربية، فإن الصفقة التي يسعى حفتر إلى تفعيلها لصالحه تبلغ قيمتها 1.8 مليار دولار، وتشمل شراء نحو عشرين طائرة مقاتلة، ومنظومات دفاع جوي من نوع «إس300» ودبابات من طراز «تي 90»، إضافة إلى تحديث وتطوير 140 دبابة من نوع «تي 72».

ويعني تواجد قواعد بحرية أو جوية روسية – كما يتردد – شرقي ليبيا أن «الفناء الخلفي الأوروبي تحت التهديد»، بحسب آراء بعض المحللين والمتابعين، ليس هذا فقط ولكن التهديد الصريح للقواعد الأمريكية في جزيرة صقلية التي تبعد كيلومترات عن القاعدة المزمعة إقامتها.

وفي شأن متصل على صعيد اقتصادي أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا الثلاثاء المنصرم أنها وقعت اتفاقًا لبيع النفط إلى شركة روسنفت الروسية العملاقة، كما وقعت اتفاقًا إطاريًا يؤسس لاستثمارات من قبل هذه الشركة الحكومية في قطاع النفط الليبي.

وفي نطاق قريب تبرز العلاقات الروسية الإيرانية التي فرضتها ضرورات الجغرافيا، وتحولات التاريخ، وهي تتمثل في حاجة جيوسياسية للبلدين، ولكن أمريكا في وقت إدارة أوباما كانت حريصة على تحسين علاقاتها مع إيران لكن مع انتخاب ترامب وتوليه السلطة قد تشهد تلك العلاقات تطورات كثيرة، لذا تبقى إيران جولة انتصار جديدة للدبلوماسية الروسية.

أشعر كثيرًا بالغرابة والدهشة لماذا تترك أمريكا روسيا تصول وتجول في الشرق الأوسط هل هو الرضا الغربي والأمريكي عن ما تفعله روسيا؟
لكني أرى أنها تترك روسيا تغرق في مستنقع الشرق الأوسط لتسقط بلا رجعة في المستقبل القريب، بخاصة إذا ربطنا هذا بتصريح دونالد ترامب بأن أمريكا تكبدت 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط منذ تدخلها في هذا الشأن ولم تصل إلى ما تطمح إليه، فهل تتحمل روسيا؟

في النهاية نظل قطعًا من الشطرنج ننتقل من رقعة إلى أخرى.
لا نملك حتى تقرير مصيرنا، فقط نحدد من سيتولى أمرنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد