تعتبر روسيا من أولى الدول التي دعمت إنشاء دولة لليهود، إذ اعترف الاتحاد السوفيتي بـ«دولة إسرائيل» ثلاثة أيام فقط بعد الإعلان عن قيامها. بعد ذلك قامت تشيكوسلوفاكيا بتدعيم إسرائيل بالسلاح من أجل مساعدتها في خوضها للحرب الإسرائيلية العربية الأولى عام 1948، كما تم تعيين غولدا مائير مبعوثة لدى الاتحاد السوفيتي يوم 2 سبتمبر من نفس السنة.

غير أن هذه العلاقات سرعان ما تدهورت بسبب بداية توجه الاتحاد السوفيتي نحو تطوير علاقات سياسية، اقتصادية وعسكرية مع بعض الدول العربية، كسوريا، ومصر، والجزائر، ظهر ذلك في أزمة السويس عام 1956، ليتجلى ذلك التأزم أكثر عام1967  حين تم قطع العلاقات الدبلوماسية الروسية الإسرائيلية تمامًا، بل لجأ الاتحاد السوفيتي إلى تبني سياسات عدائية تجاه إسرائيل، من أهمها وقوفه وراء القرار 3379 الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي اعتبر الصهيونية حركة عنصرية.

لكن العلاقات الروسية الإسرائيلية تم تطبيعها بعد حل الاتحاد السوفيتي يوم 26 ديسمبر 1991، إذ قامت روسيا في خطوة أولى بتجميد القرار 3379 السابق ذكره، ثم فتحت باب الهجرة أمام اليهود القاطنين في روسيا، ليتم تسجيل هجرة 979000 شخص إلى إسرائيل بين سنتي 1991 و2006، فما انعكاس ذلك على التكوين المجتمعي لإسرائيل اليوم؟

تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 1.2 مليون من سكان إسرائيل هم ناطقون باللغة الروسية، وتعتبر اللغة الروسية أكثر لغة غير رسمية مستعملة في إسرائيل «باعتبار اللغتين الرسميتين لإسرائيل العبرية والعربية»، كما يعتبرون ثالث مجموعة من الناطقين باللغة الروسية خارج روسيا في العالم، بعد ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم تميز روس إسرائيل بالتحفظ الشديد، وبتمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم أمام المكونات الاجتماعية الأخرى، إلا أن توزعهم الثقافي وخاصةً الإعلامي قد تثبّت، إذ تم إنشاء قناة إسرائيلية ناطقة باللغة الروسية شهر ديسمبر 2002 تعرف بإسرائيل+ Israel Plus، وهي موجهة أساسًا نحو الناطقين باللغة الروسية من سكان إسرائيل، ذلك إضافةً إلى عديد الصحف الصادرة باللغة الروسية «أربع يوميات، 11 أسبوعية، 5 شهرية، إضافة إلى 50 صحيفة محلية».

ولا يقتصر تغلغل هؤلاء في المجال المجتمعي والإعلامي فحسب، بل يتعداه إلى الجانب السياسي كذلك، إذ أسس ناتان شارانسكي Natan Sharansky عام 1996 حزبًا خاصًا بالمهاجرين الروس نحو إسرائيل سمي بحزب Yisrael B’Aliyah، ورغم حل هذا الحزب عام 2003، إلا أن أغلب أعضائه تحولوا إلى حزب الليكود أكبر الأحزاب الإسرائيلية إلى جانب حزب كاديما.

في الجهة المقابلة، ورغم أنّ ما بقي من اليهود في روسيا لا يتجاوز حسب بعض الإحصائيات 150.000 يهودي، متركز أغلبهم في جورجيا، وبخارى، وشبه جزيرة القرم، ومناطق أخرى من روسيا، إلا أن كثيرًا منهم يعتزم الهجرة نحو إسرائيل، إذ انخفض عددهم من 265.000 عام 2002 إلى حوالي 150.000 فقط، وأغلب هؤلاء اليهود يحوزون على ممتلكات واستثمارات معتبرة في إسرائيل.

بعد استعراض ما سبق من معطيات حول طبيعة الامتداد الروسي في إسرائيل، والعلاقات التاريخية المتشابكة بين إسرائيل وروسيا، يُطرح بشدة تساؤل حول طبيعة العلاقات السياسية بينهما، في ظل العلاقات الإسرائيلية الأمريكية الوثيقة، في مقابل بروز دولة روسية تسعى إلى التأكيد على مكانتها كقوة كبرى في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم. هذا ما سنحاول أن ندرسه في مقال لاحق –إن شاء الله-.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسرائيل, روسيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد