مقدمة

منذ أن كرَّمنا الله سبحانه وتعالى بالإسلام ووصلت الفتوحات الإسلامية إلى منطقتنا، عاشت بلادنا التي تعربت بالإسلام في وحدة واحدة تحت سيادة دولة مركزية هي دولة الخلافة، ظل الوضع مستقيمًا على هذا الحال قرونًا طوالًا حتى بدأت هذه الدولة المركزية في الاضمحلال والانهيار أواخر حكم العثمانيين، فسقطت الخلافة وتفتَّت المنطقة العربية -التي كانت تعيش الوحدة- إلى دول قطرية مجزأة تفصلها حدود وهمية رسمها لنا المستعمر وفق اتفاقية سايكس بيكو، ومن المفارقات العجيبة أن هذا التفكك وهذه التجزئة التي منيت بها الأمة إنما تمت -بنسبة كبيرة- على أيدي القوميين من العرب الذين كانوا ينادون بضرورة وحدة الأمة العربية واستقلالها عن العثمانيين!

تشابك الأهداف الروسية والقومية لإسقاط الخلافة

جاء انهيار الخلافة العثمانية لسببين رئيسيين، أولهما تلك الحروب التي أنهكت الدولة العثمانية ولم تعد الدولة -في آخر أيامها- قادرة على مجابهتها نظرًا لانتشار الفساد والاستبداد وإهمال تدريب الجيوش، وقد كان لروسيا القيصرية نصيب كبير في هذه الحروب، فقد ظلت تحيك المؤمرات لإسقاط الخلافة فعملت على إثارة الفتن والقلاقل من خلال رهبانها في البلاد الخاضعة للدولة العثمانية، فقد كانت تعتبر نفسها حامية العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، وكانت تخوض حروبها بالتحالف مع أوروبا باعتبارها حروبًا مقدسة، وقد وصل عدد الحروب (الروسية – العثمانية) إلى 13 حربًا انتهت بالحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، إلا أن سقوط الإمبراطورية العثمانية كان سقوطًا مدويًا نتج عنه ضياع وتفكك كل أراضيها وقيام الجمهورية التركية العِلمانية على أنقاضها، بينما سقوط الإمبراطورية الروسية نتج عنه نشأة إمبراطورية أخرى هي الاتحاد السوفيتي الذي كان واحدًا من القوى الكبرى المتحكمة في العالم لمدة 70 عامًا.

أما السبب الثاني فهو حركات العلمنة والتغريب التي بدأت في الظهور مع أوائل القرن التاسع عشر وازدادت مع ظهور التنظيمات في منتصفه، ثم اتخذت بُعدًا آخر قوميًا أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني مع ظهور جمعيات مثل «الاتحاد والترقي» و«تركيا الفتاة» داخل تركيا، وجمعيات مثل «العربية الفتاة» التي أسست للفكر القومي العربي ونشأت باعتبارها رد فعل على سياسات «الاتحاد والترقي» المعادية للعرب، فهذه السياسات قامت بعمل فتنة وصدع بين الأتراك والعرب وإحداث مشاكل بينهما مما أوجد بيئة خصبة للفكر القومي كي ينمو ويتبلور، والجدير بالذكر أن هذا الفكر قد نشأ أول ما نشأ على أيدي نصارى الشام داخل المدارس التبشيرية، ولكن هذه النشأة لم تمنع النخب المسلمة بعد ذلك من أمثال عبد الرحمن الكواكبي من اعتناق الفكر القومي محتجين بالاستبداد العثماني وضرورة عودة الخلافة للعرب، وقد تبعهم فى ذلك أطياف من الشعب العربي مما شجع العرب بعد ذلك على القيام بالثورة العربية الكبرى 1916م تحت قيادة الشريف حسين وبالتنسيق مع بريطانيا التي خدعتهم وتلاعبت بهم كما تأكد بعد ذلك في اتفاقية سايكس بيكو.

«إن الاتحاديين خرجوا على العهد الأخوي بين الشعبين رغم المعونة الصادقة التي بذلها العرب في ظل الخلافة، وخرجوا عن الشريعة فبدَّلوا الأحكام، وشنقوا أحرار العرب جماعات وفُرادى، وشرَّدوا أُسرهم ونفوهم من أرضها، وصادروا الأموال، ولقد نصحنا فلم ينفع النصح، وقد وفقنا الله لأخذ الاستقلال فضربنا على أيدي الاتحاديين، وانفصلت بلادنا عن المملكة العثمانية انفصالًا تامًا، وأعلنَّا استقلالًا، لا تشوبه شائبة مداخلة أجنبية، ولا تحكم خارجي، جاعلين الغاية نصر دين الإسلام، وإعلاء شأن المسلمين، مستندين في كل أعمالنا على الأحكام وأصول القضاء».(1)

جزء من المنشور الذي خدع به الشريف حسين العوام من الناس فى الثورة العربية.

لقد اتفقت أهداف كل من روسيا والقوميين العرب فقد وجد كل منهما ضالته في الآخر، اتفقا على هدف واحد وهو الخلاص من الخلافة العثمانية وهدمها، وتعاونا معًا -بطريق مباشر أو غير مباشر- لتحقيق ذلك الهدف من الداخل والخارج حتى سقطت الخلافة.

دور الاتحاد السوفيتي في دعم الدول القطرية الناشئة والكيان الصهيوني

ولد الاتحاد السوفيتى من رحم الإمبراطورية الروسية عام 1922 واستمر حتى 1991، وعقب الحرب العالمية الثانية تمكن من استعادة كامل حدود الإمبراطورية الروسية ما عدا بولندا وفنلندا، بينما فشلت الدول القطرية -في ظل القيادات القومية- في تحقيق أي تقدم على طريق استقلالها وتحريرها والوصول إلى وحدتها المزعومة، بل وعجزت عن الدفاع عن فلسطين حتى سقطت في أيدي العصابة الصهيونية عام 1948م، وعندما تولى جمال عبد الناصر السلطة في مصر أسرع بفصل السودان عام 1956م تحت مسمى الاستقلال، والأمر المحير أنه قام بإعلان الوحدة مع سوريا بعدها بعامين لتستمر حتى تم الانفصال عام 1961م، فترسخ بذلك في ذهن الجمهور العربي فشل تجربة الوحدة وصعوبة تحقيقها على أرض الواقع.

أما الاتحاد السوفيتي فقد كان حريصًا على إظهار دعمه للدول العربية في حروبها ضد إسرائيل حيث أمد الجيوش العربية بمعظم تسليحها خاصة مصر وسوريا، فمن خلال محادثات سرية عام 1955م تمكنت مصر من شراء كميات ضخمة من الأسلحة السوفيتية الأمر الذي أكسب الاتحاد السوفيتي نفوذًا كبيرًا في الشرق الأوسط، ولكنه من ناحية أخرى كان أول الدول اعترافًا بإسرائيل حتى قبل الولايات المتحدة نفسها، فقد اعترف بها بعد ثلاثة أيام من قيامها، وكان أندريه غروميكو -المندوب الدائم للاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة 1946-1948م- كثيرًا ما يتحدث عن الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين، وكان يتهم الفلسطينين بأنهم «لا يقاتلون من أجل مصلحتهم القومية ولا من أجل استقلالهم بل ضد حق اليهود في إيجاد دولتهم المستقلة».(2) ومنذ ذلك الحين تمتعت إسرائيل بالدعم السياسي والعسكري والديموغرافي من الاتحاد السوفيتي، فقد كان من أكثر الدول التي تمد دولة الاحتلال بالمهاجرين الذين دعموا ركائز الاحتلال بكل الوسائل، وكان دائمًا ما يبرر ذلك الموقف الداعم لإسرائيل بأن هناك دائمًا منطقًا واحدًا في السياسة الخارجية وهو منطق ما هو الأفضل للاتحاد السوفيتي؟

لقد كان الاتحاد السوفيتي حريصًا على الكيان الصهيوني وبقائه في المنطقة أكثر من أي شيء آخر، ليكون حارسًا للتجزئة وضامنًا لها، فقد كان مطمئنًا تمامًا للدعم الأمريكي غير المحدود لدولة الاحتلال، وظل متمسكًا بعلاقته بها حتى في أوقات القطيعة الدبلوماسية من خلال المحادثات السرية، وعلي الرغم من ذلك ظل زعماء «الفكر القومي» في المنطقة يتاجرون بأحلام الشعوب ويتباهون بعلاقتهم مع الاتحاد السوفيتي باعتباره نصيرهم في قضاياهم العادلة ضد الاحتلال! وقد كان الاتحاد السوفيتي حريصًا على تلك العلاقة بنفس قدر حرصهم عليها حتى يحافظ على التوازن في المنطقة ونفوذه فيها، أما بالنسبة للجامعة العربية -باعتبارها رمزًا من رموز الوحدة ولو شكليًا- فقد أبدى الاتحاد تحفظاته منذ البداية على إنشائها بزعم «توظيفها حسب رأيه في محاربة القوى التقدمية في العالم العربي التي تسعى للاستقلال الحقيقي لبلادها».(3)

روسيا الاتحادية والقومجية ودعم الثورات المضادة

فور اندلاع ثورات الربيع العربي، بدأ ظهور تيار شعبي جديد بين الشباب العربي يدعو إلى إقامة دولة الوحدة العربية والتحرر من الأنظمة التي أثبتت عمالتها لسنوات طوال، فقد استشرى الفساد والاستبداد وباتت هذه الأنظمة ركنًا أساسيًا من أركان دعم الاحتلال حتى أصبح مصيرهما مشتركًا، وبدلًا من أن يحتضن أصحاب الفكر القومي -باعتبارهم أصحاب مشروع الوحدة العربية- هؤلاء الشباب، قاموا بتخوينهم ووصمهم بالعمالة وبأنهم أداة لتخريب الأوطان وتمزيقها، خاصة بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة.

و قد جاء هذا الموقف متطابقًا تمامًا مع موقف روسيا، فبعد الربيع العربي قالت «إنها قد تخسر ما يزيد عن 10 مليارات دولار إذا ما انهارت صفقات أسلحة كانت قد أبرمتها مع دول عربية شهدت أو تشهد ثورات أو احتجاجات شعبية على أنظمتها، وأن ذلك سيكون انتكاسة في سعي موسكو إلى الإبقاء على عملائها منذ الحقبة السوفيتية».(4) وكان رئيس الوزراء الحالي والرئيس الروسي السابق ديميتري مدفيديف قد قال «إن بلاده قد تتأثر بشكل مباشر بالأحداث الجارية في الشرق الأوسط وإن هذه الأحداث قد تؤدي إلى وصول من سماهم بـ«المتطرفين» إلى السلطة».(5)

وبعد وصول بوتين إلى السلطة استطاع أن يعيد للأذهان روسيا القيصرية بكل ماضيها الأسود وأصبح الصراع أكثر حدة ووضوحًا، إذ سارعت روسيا بمساندة الثورات المضادة في مصر وليبيا وبنت تحالفًا استراتيجيًا مع جزار سوريا بشار الأسد، وأصبحت بمثابة سفير الموت للشعب السوري، فلا يخفى على أحد الدور القذر الذي تلعبه في سوريا لمساندة الأسد وحليفته إيران، فروسيا هي الحليف الأكبر لإيران صاحبة المشروع التوسعي الفارسي والعدو الأول -بطبيعة الحال- لأي مشروع عربي وحدوي، وبدلًا من أن ينتفض الأفاقين والكاذبين من القومجية للدفاع عن إخوانهم في العروبة وهم يذبحون على يد إيران وروسيا في كل مكان، نجدهم -كرهًا في الإسلام- يتحالفون مع المجرمين ومع الثورات المضادة ويلقبون بوتين بالمخّلص.

خاتمة

لقد أضحى من الممكن تقسيم الاتجاه القومي في وطننا العربي إلى قسمين: القسم الأول هو القسم العروبي الإسلامي الذي يرى أن الوحدة العربية لن تتم إلا في إطار هوية الأمة، لأن المشروع الحضاري الإسلامي هو المشروع الوحيد القادر على إيجاد بدائل حقيقية نستطيع بها مجابهة أفكار التقسيم والتجزئة التي زرعها فينا الاحتلال قديمًا وحديثًا، وهؤلاء هم جزء أصيل مشارك في ثورات الربيع العربي.

أما القسم الثاني فهو القسم القومي العلماني من السائرين على خطى أستاذهم ساطع الحصري والذين يعادون الإسلام صراحة، هؤلاء تحولت المشاريع القومية على أيديهم من مشاريع للوحدة إلى مشاريع ترعى التجزئة تحت مسمى الاستقلال والسيادة الوطنية، وبدلًا من محاربة الحدود وتكسيرها أصبحوا رعاة وحراسًا لها تحت مسمى حماية الأمن القومي لكل قطر على حدة، هؤلاء أصبحوا أعداءً للقسم الأول وتطابقت أهدافهم مع أهداف كل القائمين على تدمير المنطقة وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل وإيران، وروسيا التي يجب أن يعاد تقييمنا لها على أنها أكثر الدول التي تتأمر على العرب والمسلمين إن لم تكن أكثرهم على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s