أصبحت روسيا في السنوات الأخيرة مرتبطة بكثير من الملفات والقضايا العربية، لكن من المهم جدًّا تحديد هوية هذا الارتباط، هل هو ارتباط إستراتيجي؟ أم فقط ارتباط لأجل مصالح تكتيكية مؤقتة؟

لو تتبعنا مسار العلاقات بين العرب وروسيا سنجد أن العرب ينطلقون في بناء علاقاتهم مع روسيا على فرضية رئيسية هي إن روسيا تمثل القطب المقابل للولايات المتحدة الأمريكية في الساحة الدولية. وهذه الفرضية تحوي جملة من التناقضات لحقيقة ميزان القوة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة. فالميزان في أرض الواقع أصبح يميل بشكل هائل لصالح الولايات المتحدة، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي. فأصبحت روسيا الاتحادية دولة متمحورة حول ذاتها، تهتم بمشاكلها وتحاول أن تتماسك في وجه الضربات التي استقبلتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

فأصبح تركيز روسيا الاهتمام بتنمية مواردها الاقتصادية وبناء أسس سياسية جديدة تنظم للدولة الاتحادية، ولهذا كانت السياسة الخارجية لروسيا تتخذ مواقف سلبية ومحايدة على مستوى الساحة الدولية في العشر سنوات الأخيرة من القرن الماضي، إلا إنه مع بدء التعافي الاقتصادي وسريان حالة الاستقرار السياسي للدولة الروسية بدأت التحركات الروسية في الساحة الدولية تتزايد وتتوسع، إلا إن كل ذلك يكون في حدود سقف معين تفرضه حالة الهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية. فمن الواضح جدًّا أن روسيا الاتحادية ليست هي الاتحاد السوفيتي.

لكن من الملفت للنظر أن الشعوب والدول العربية لم تتوقف يومًا على النظر لروسيا الاتحادية أنها هي ذاتها الاتحاد السوفيتي، وكأنها لم تدرك أن الاتحاد السوفيتي انهار منذ أكثر من ربع قرن، لهذا نجد أن التحركات العربية للتودد والتقرب من روسيا مبني على تلك الفرضية، فيكون التحرك العربي في إطار البحث عن بديل للغرب وبالأخص الولايات المتحدة، لهذا ارتبطت التحركات العربية تجاه الشرق بوجود توترات أو مشاكل في العلاقة مع الغرب والولايات المتحدة، فكأن العرب عندما تسوء علاقتهم بالولايات المتحدة، يبدؤون بمغازلة الدولة الروسية، وكأنه محاولة من تلك الدول العربية في إثارة مشاعر الغيرة عند الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أحيانًا كثيرة ترتبط تلك التحركات باعتقاد أن الدور الروسي في الساحة الدولية ما زال بنفس القوة لفترة الاتحاد السوفيتي.

– فصدام حسين أثناء فرض الولايات المتحدة الحصار عليه في تسعينيات القرن الماضي، لجأ إلى تعزيز علاقته بروسيا، محاولًا اللعب بعقلية الحرب الباردة. لكن فاته أن روسيا الاتحادية ليست هي الاتحاد السوفيتي، ولهذا لم ينتج عن تعزيز تلك العلاقة إلا حصول الشركات الروسية النفطية على عقود استخراج النفط العراقي، وكان صدام يعتقد أنه في حالة أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، ستكون روسيا بجانبه، لكن الروس اكتفوا فقط بالتلويح باستخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار يجيز غزو العراق.

ومع بدء الحرب الروس ظلوا متفرجين على الحرب، بعدما وعدوا بغنائم نفطية بعد انتهاء الحرب. وكان ذلك كافيًا لتخلي روسيا عن صدام حسين.

– وبعد فوز حماس في الانتخابات النيابية الفلسطينية وتشكيلها الحكومة، كانت روسيا من ضمن أوائل الدول التي استهدفتها حكومة حماس في زياراتها الخارجية. حتى وإن كان الاندفاع الشديد نحو روسيا كان في ظل مقاطعة غربية لحكومة حماس، إلا إنه كان من الأجدى سياسيًا عدم رفع سقف المأمول من روسيا، في ظل معرفة مسبقة لسقف المناورة الروسية في الساحة الدولية.

– أثناء الربيع العربي، وفي ليبيا بالتحديد واجهت روسيا أكبر تهديد لمصالحها الاقتصادية في ظل تحركات دولية لإسقاط نظام القذافي القريب من روسيا، وكان الموقف الروسي أكثر تشددًا من موقفه تجاه غزو العراق، إلا إنه في النهاية وافق على عملية الحظر الجوي للأجواء الليبية. وتخلت روسيا أيضا عن نظام القذافي. وكان من غير المتوقع أن توافق روسيا على تلك العملية العسكرية، خصوصا مع الارتباط العميق على مستوى المصالح الاقتصادية بين روسيا ونظام القذافي.

– في الملف السوري نجد أن سوريا تختلف عن العراق وليبيا، فسوريا لا تمتلك الثورات الهائلة النفطية بالتحديد كما هو الحال بالنسبة للعراق أو ليبيا. لهذا فالموقف الروسي ارتبط في الملف السوري بمصالح اقتصادية مرتبطة باستمرارية الحرب ذاتها، لذا كان الموقف الروسي داعم وقريب من نظام بشار الأسد ليس حبًا في ذات النظام، وإنما حرصاُ على استمرارية الحرب وديمومتها، ولارتباط الحرب بصفقات أسلحة ومعدات عسكرية تبيعها روسيا لنظام بشار وللمليشيات التابعة له. بالإضافة أن الملف السوري مازال عالقًا على عدة مستويات دولية.

فتشعب الارتباطات في الملف السوري على المستوى الإقليمي والدولي، وكذلك وجود اختلافات وتباينات أساسية بين الشركاء الغربيين الرئيسين (الولايات المتحدة – فرنسا – بريطانيا)، كل ذلك سمح للروس بزيادة مساحة المناورة السياسية في الملف السوري، وبالتالي فإن استمرارية الدعم الروسي لنظام بشار لا يعني أن روسيا مرتبطة بتحالف استراتيجي مع الأسد، بقدر ما هي دلالة على اتساع سقف المناورة السياسية الروسية نظرًا للأسباب الأنفة الذكر.

– وبالنسبة أيضًا لنظام السيسي في مصر، فقد تحرك أيضًا في نفس الاتجاه باكرًا، فحتى قبل انتخاب السيسي رئيسًا، كانت روسيا إحدى المحطات الأولى لزيارة قام بها السيسي – وزير الدفاع آنذاك- وارتبطت تلك الزيارة بصورة قديمة جدًّا عن روسيا السوفيتية، حيث ظل الإعلام المصري يمجد في روسيا وفي مواقفها واتجاهاتها بل وصل الأمر لاختلاق الكثير من الأخبار في محاولة لإبداء روسيا بأنه ذلك الحليف القوي الذي تسعى مصر للاعتماد عليه.

– وفي اليمن لم يكن موقف روسيا بعيدًا عن سياق مواقفها السابقة والتاريخية، فروسيا دعمت المبادرة الخليجية، وأيضًا دعمت أغلب القرارات الأممية في الملف اليمني، فحتى القرار الأخير 2216، كان الجميع يتوقع فيتو روسي ضد القرار، لكن روسيا اكتفت بالامتناع عن التصويت. رغم أن القرار يخص أهم حليفين لروسيا في اليمن.
– من الواضح جدًّا أن روسيا لم تعد تلك الدولة التي تسعى لمقارعة الولايات المتحدة في الساحة الدولية، بل تكتفي بمناورات قصيرة الأجل لأهداف ومصالح محدودة، فكأن روسيا اكتفت من الشعارات الأيديولوجية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبدأت التفكير بمنطق سياسي براغماتي، هذا المنطق سيؤدي إلى تعزيز قوة روسيا الاقتصادية. لكنه لا يضع روسيا في مصاف النّد للولايات المتحدة في الساحة الدولية.

– من هذا المنظور نستطيع أن نقول إن صفقة المفاعلات النووية بين السعودية وروسيا – الأسبوع الماضي– يمكن النظر إليها أنها ليست في إطار تغيير الدولة السعودية لحليفها الإستراتيجي الولايات المتحدة بروسيا الاتحادية، فالسعودية تدرك أن روسيا ليست إلا مجرد دولة محدودة القدرات العسكرية والاقتصادية مقارنة بالولايات المتحدة، ولهذا فروسيا دائمًا لا تطمح بأكثر من منافع ومصالح تحصل عليها من هنا أو من هناك. ولهذا فالصفقة يمكن النظر إليها أنها الثمن الاقتصادي لتمرير روسيا القرار ألأممي الأخير بشأن اليمن (2216)، والذي اعتبر حينئذٍ نصرًا دبلوماسيًّا للسعودية.

– في النهاية يجب على الدول العربية أن لا تحدد مستوى علاقتها بروسيا، بناء على الإرث التاريخي والسياسي للاتحاد السوفيتي، ولا على محاولات اللعب على التنافس والصراع التاريخي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وإنما يجب أن تكون الصورة واضحة عندنا، فروسيا اليوم ليست هي روسيا الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فغايات روسيا اليوم في الساحة الدولية ليست أكثر من مجرد تحقيق مصالح تكتيكية مؤقتة، لكنها تدرك أن لها سقفًا محددًا يفرضه واقع القدرات الاقتصادية والعسكرية بالمقارنة مع القدرات للولايات المتحدة.

لهذا من المهم جدًّا أن ندرك أن روسيا ليست ذلك القطب الدولي المنافس للولايات المتحدة، وأن نكون على أتم اليقين أن الولايات المتحدة تدرك ذلك، لهذا فالأجدى أن يتم إعادة تعريف العلاقة مع روسيا وفق معطيات وتصورات الحاضر والمصالح الاقتصادية الراهنة والرؤى السياسية، وليس بناءً على معطيات تاريخية ولى عليها الزمن، عند ذلك فقط نستطيع أن نبني علاقات مع روسيا أكثر توازنًا وأكثر تحقيقًا للمصالح العربية، وبدون تهويل وتفخيم للدور الروسي في الساحة الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد