عامان مرا على توقيع اتفاق سوتشي الأول بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في منتجعات مدينة سوتشي الروسية، وأيام قليلة فقط مضت على توقيع «سوتشي الثاني» في نفس المدينة.

اتفاقيتان وصفتا بالتاريخيتين من قبل الجانب الروسي، الذي تمكن من خلالهما السيطرة على مناطق كانت تعد معاقل رئيسة للمعارضة السورية من خلال الأول، بينما تمكنت من خلال الثاني من الوصول للحدود السورية التركية لأول مرة منذ أعوام، وكان النظام الأسدي أكبر الرابحين من الاتفاقيات تلك.

اتفاق سوتشي الأول 2017

في السابع عشر من الشهر الفائت أعلن الضامنون في أستانة: تركيا وروسيا، توصلهما لاتفاق حول مدينة إدلب، وبعض المناطق من حماة وحلب واللاذقية، وذلك بعد موجة من التهديدات من قبل النظام السوري وروسيا باجتياح مناطق الشمال السوري، والذي وصفته تركيا بأنه سيؤدي إلى كارثة إنسانية، وأعلنت وقوفها لمنع تلك الكارثة. ونشرت صحيفة «سفوبوداسبوفا» الروسية النسخة الأصلية من بنود اتفاق سوتشي بين أنقرة وموسكو حول إدلب الذي أعلن عنه في 17 سبتمبر (أيلول) المنصرم. وفيما يلي عرض للبنود بحسب ما أوردته الصحيفة الروسية، تليها صورة الاتفاق الأصلية:

1. يتم إنشاء منطقة عازلة، ويتم تعزيز نقاط المراقبة التركية فيها.

2. روسيا الاتحادية ستقوم باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لمنع الهجوم على إدلب، والمحافظة على الوضع الراهن.

3. سيتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح في المنطقة العازلة، بعمق 15-20 كم.

4. سيتم مناقشة حدود المنطقة العازلة بعد استشارات إضافية.

5. خروج الجماعات الراديكالية من المنطقة العازلة بتاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول).

6. سحب الدبابات والراجمات والمدافع والهاونات من طرفي النزاع في المنطقة العازلة بحلول 10 أكتوبر.

7. تقوم القوات التركية والشرطة العسكرية الروسية بدوريات منسقة ومراقبة عن طريق طائرات الاستطلاع على حدود المنطقة العازلة، مع مراجعة تسهيل حركة السكان والبضائع والتجارة وإعادة العلاقات التجارية والاقتصادية.

8. حركة نقل الترانزيت على أوتستراد اللاذقية – حلب، وحماة – حلب ستعود للعمل قبل نهاية العام.

9. اتخاذ إجراءات فعالة لتأكيد وقف إطلاق النار في المنطقة العازلة، وبهذا الخصوص سيتم تحسين وظائف عمل مركز التنسيق الروسي، الإيراني، التركي.

10. أكد الطرفان عزمهم على محاربة الإرهاب في سوريا بجميع أشكاله.

ماذا جرى بعد سوتشي الأول 2017؟

يمكننا القول إن اتفاق سوتشي الأول ولد ميتا، فلا روسيا التزمت به ولا حتى نظام الأسد، لم ينقطع القصف على ريف حماة الشمالي، وبعض مناطق ريف إدلب الجنوبي، فتوقف القصف الجوي لا يعني توقف القصف البري.

المناورات السياسية هي الأخرى لم تتوقف بين ضامني الاتفاق، خاصة من قبل روسيا التي لطالما أعلنت أن تركيا لم تلتزم ببنود الاتفاق خاصة بما يتعلق بإخراج الفصائل «الريديكالية» كما تم تسميتها ببنود الاتفاق، في إشارة واضحة إلى هيئة تحرير الشام.

بينما قالت تركيا أن روسيا لم تنجح هي الأخرى في وقف هجمات النظام السوري على المنطقة المنزوعة السلاح.

في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري كثفت قوات النظام من قصفها للمنطقة المنزوعة السلاح بريف حماة الشمالي، أعقب ذلك هجومًا بريًا واسعًا بإسناد روسي بري وجوي في مارس (آذار) من نفس العام، انتهى هذا الهجوم الواسع بالسيطرة على مناطق واسعة من المنطقة المتفق عليها، حيث سيطر النظام على كامل ريف حماة الشمالي ككفر نبودة، وقلعة المضيق، واللطامنة، وكفر زيتا، ومورك، ومناطق الهبيط، وخان شيخون، بريف إدلب، بدعم من ضامن الاتفاق الروسي، بينما اكتفى الضامن التركي بالمشاهدة فقط، رغم تعرض نقاط مراقبته للقصف من قبل النظام السوري أكثر من مرة، بل وصل الأمر إلى محاصرة نقطة مراقبته في مدينة مورك والبقاء فيها رغم سيطرة قوات النظام على المدينة.

اتفاق سوتشي الثاني 2019

في التاسع من تشرين الأول، وعقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب بلاده من شمال شرق سوريا، ما يعني إعطاء الضوء الأخضر لتركيا لتنفيذ العمليات التي كانت تهدد بها بغية إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا وإبعاد الأحزاب الكردية عن حدودها، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدء بلاده عملية عسكرية تستهدف الأحزاب الكردية الانفصالية و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» شمال شرق سوريا.

هدف بلادنا «هو القضاء على الممر الإرهابي المُراد إنشاؤه قرب حدودنا الجنوبية، وإحلال السلام في تلك المناطق» – أردوغان.

واستمرت عمليات معركة نبع السلام ما يقرب من ثمانية أيام تمكنت خلالها تركيا وقوات الجيش الوطني السوري المدعوم منها من السيطرة على مدينتي تل أبيض، ورأس العين.

بعد تخلي أمريكا الصريح عنها، وبعد الهزائم التي منيت بها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، أعلنت الأخيرة عقدها اتفاق مع قوات النظام وروسيا يقضي بدخول الأخيرة للمناطق التي تسيطر عليها، حيث توجهت مجموعات من النظام باتجاه مدينتي منبج والطبقة، وأعلنت تركيا أن دخول قوات النظام لمدينة منبج أمر غير سلبي بالنسبة لها.

اتفاق جديد بين أردوغان وبوتين

في 22 من شهر أكتوبر، وفي سوتشي نفسها، توصل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين من التوصل إلى اتفاق مشترك بشأن المنطقة الآمنة شمالي شرقي سوريا.

واتفق الطرفان على الحفاظ على عملية «نبع السلام» من تل أبيض إلى رأس العين كما هي دون تغيير، وإنشاء آلية مشتركة لإدارة المنطقة الأمنة في بقية المناطق عدا مدينة القامشلي.

ونص الاتفاق على انسحاب قوات (قسد) خلال 150 ساعة القادمة من جميع المناطق على الحدود مع تركيا (شرق الفرات)، لتنتشر بعدها دوريات الشرطة العسكرية الروسية، وبعد إنهاء عملية الانسحاب سيتم تنظيم دوريات روسية تركية مشتركة في تلك المناطق.
كما ينص الاتفاق على تعهد الطرفين بالتصدي للمجموعات الإرهابية كافة على الأراضي السورية، والتعاون معًا في إعادة اللاجئين الطوعية إلى المنطقة الآمنة.

ويلتزم الطرفان وفق الاتفاق، بالحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتعزيز الأمن القومي التركي والعمل على دفع العملية السياسية في سوريا عبر دعم عمل اللجنة الدستورية.

ولم تتطرق البنود العشرة لأي دور لنظام أسد ضمن المنطقة الآمنة، المتفق عليها بين روسيا وتركيا.

روسيا والنظام يدخلان منبج وعين العرب بعد الاتفاق

بعد إعلان الاتفاق الروسي التركي، سارعت الشرطة العسكرية الروسية وقوات النظام للدخول لمدينتي منبج وعين العرب «كوباني» بريف حلب، حسب الاتفاق الروسي التركي، حيث قالت روسيا إن المدينتين لن يخضعا للسيطرة التركية، مضيفة أن جميع الأراضي السورية يجب أن تخضع لسلطة دمشق، داعية الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء احتلالها لمناطق في شرق سوريا وشمالها.

في موازاة ذلك أعلن النظام السوري عزمه فتح 15 مخفرًا حدوديًا مع تركيا؛ ما يعني أن النظام كان أكبر الرابحين من كل الاتفاقيات، حيث وصل بفضل سوتشي هذه المرة إلى عمق الشمال السوري وصولًا إلى الحدود التركية، لأول مرة منذ أعوام.

ماذا عن إدلب؟

بالتزامن مع عقد اجتماع سوتشي الأخير، زار بشار الأسد بلدة الهبيط جنوب إدلب، وأشرف على على قصف ما تبقى منى إدلب بنفسه، كما أظهرت الصور المتداولة على مواقع التواصل، بعض الخرائط الحربية، في إشارة ربما لبدء عملية عسكرية في ريف إدلب.

زيارة الأسد لم تكن اعتباطية، رغم هزلية المشهد بل كانت إشارة روسية، وربما إيرانية أيضًا، لفتح معركة استعادة إدلب حقًا، خاصة بعد نجاح روسيا في الحصول على تنازلات من تركيا شمال شرق سوريا، وبالتالي ربما تحصل على المزيد من التنازلات في إدلب أيضًا، خاصة أن بنود الاتفاقية العشرة الأخيرة كان موضوع إدلب فيها مبهما نوعًا ما، وبالتالي التخوف من فتح معركة جديدة فيها، خاصة مع إصرار روسيا علة موضوع فتح الطرق الدولية وعودة مؤسسات النظام إلى إدلب.

لعل الأيام القليلة القادمة التي سترافق تنفيذ اتفاق سوتشي الأخير، ستكون كفيلة برسم ملامح كل المرحلة القادمة، سواء في شرق الفرات، أو في إدلب، حيث تلاقت مصالح روسيا والأسد وتركيا لأول مرة، فقررت تركيا أن وجود قوات الأسد على طول حدودها بمساعدة روسيا، أفضل من وجود مقاتلي (قسد)، وربما تعمم هذه الرؤية على طول الحدود السورية التركية، حسب المصالح المتلاقية، والفضل كله يعود لسوتشي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد