يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بزمانٍ ومكانٍ وشخصياتٍ مختلفة، وبالتالي فإن قراءة التاريخ السياسي أمرٌ مهم جدًا، لاستخلاص العِبَر من تجارب الشعوب، والاستفادة من النتائج المترتبة على كل حدثٍ معيّن، والباحثُ في القضية الأفغانية والغزو السوفييتي لها وما سبقها من أحداث في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي سيكون قادرًا على امتلاكِ عينٍ مُبصرةٍ تمامًا لما يحدث في سوريا، والنتائج المتوقعة للتدخل الروسي فيها.

هنا كتبتُ خلاصة الخلاصة، وما هي إلا جزءٌ بسيط مما حدثَ في أفغانستان، ومما سيحدث في سوريا، وبيّنت مدى التشابه العظيم بين الأحداث.

ورسالتي إلى كل باحثٍ عن الحقيقة:

اقرأ التاريخ، امتلك الماضي حتى تكونَ قادرًا على امتلاك الحاضر والسيطرة على المستقبل، الماضي هو عدسة المستقبل، فارتديها تكن مبصرًا له.

___

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، لجأت حكومة أفغانستان برئيس وزرائها (شاه محمود (إلى الاتحاد السوفييتي (روسيا اليوم (لنيل المساعدة في المجالات الاقتصادية والعسكرية، وذلك لعجزها عن أخذ هذه المساعدات من الغرب، وقامت بتوقيع عشرات الاتفاقيات التجارية مع السوفييت دون مقابل، ونتيجةً لظهور الحركات اليسارية المعارضة للحكم الأفغاني، اعتمدت أفغانستان بشكلٍ أكبر على السوفييت، وتكاثرت الاتفاقيات بينهم، وخاصةً اتفاقيات الأسلحة.

” التدليل الروسي للحكومات المتتالية على أفغانستان، ليست إلا قطعةً صغيرة من الكعكة التي قدّمتها روسيا إلى النظام السوري، فكانت سوريا بالنسبة للنظام الروسي الطفل المدلل، يُلبّى كلّما طَلَب، ومهما كلّف ذلك، ففي السنوات الأخيرة كانت المساعدات الروسية عصاةً يرتكز عليها النظام السوري، والغبي من يظنّ أن ذلك سيكون بالمجان .”

وفي أقل من 10 سنوات، شهدت أفغانستان انقلاباتٍ متتالية، كان آخرها عام 1978 بانقلابٍ يساري على الحكم من قِبَل مجموعتين يساريتين هما: ( خُلُق أو الشعب)  بزعامة ( نور تراقي)  وجماعة (بارتشام) بزعامة (بابراك كرميل)، ثم انقلاب مجموعة (خُلُق) على الأخرى .

لكنّ الانقلابات المتتالية لم تمنع التدخلات السوفييتية في أفغانستان بل كانت في تزايدٍ مستمر، وكانت الحكومة السوفييتية تقيم علاقاتٍ وثيقة مع كل من يتولى الحكم في أفغانستان.
إن الانقلابات في أفغانستان كانت ضمن تسلسل الأحداث الطبيعي في تلك الظروف، أمّا في سوريا، فجذور شجرة نظام )بشار الأسد (التي سمادها ترهيب الشعب والتنكيل به ، قويّة لا يسهل اقتلاعها، ربما يكون الأمر صعبًا! لكنه ليس بالمستحيل، وذلك أيضًا لم يمنع توثيق العلاقة الروسية مع النظام السوري.

في نهاية عام1978، بدأت المجموعات الإسلامية في الظهور في أفغانستان، فاستنجدت الحكومة الأفغانية بالاتحاد السوفييتي، فأرسلَ السوفييت أكثر من 1000 مستشار إلى عاصمة أفغانستان ) كابُل) وانتهى هذا العام بتوقيع معاهدةٍ بينَ) كابُل (و(موسكو (سُمّيت” معاهدة الصداقة”.

وعلى ما يبدو أن معاهدة الصداقة الحديثة كانت بين سوريا ودول التحالف! التي لبّت هذه المعاهدة، وأرسلت طائراتها، وفتحت نيرانها في وجه المدنيين والأبرياء .

في بداية عام1979 ، بدأت الثورات العسكرية في أفغانستان التي انطلقت من) نورستان)، ثمّ إلى (هراة) التي سيطر عليها الثوار، ثم اقتربوا من (جلال أباد)، وهنا كان لا بدّ من تدخلٍ سوفييتي ، فقدّموا 18 طائرة هيلكوبتر لمنع الثوار، وقادها ضبّاطٌ سوفييت! ومنعوا تقدمهم، وانتقلت القوات السوفييتية بمساعدةٍ من الجيش الأفغاني إلى (هراة( وارتكبوا مجزرةً راح ضحيتها أكثر من 20 ألف مسلم.

وهذا ما نستنتجه من الأحداث الأخيرة في سوريا، واستنجاد نظام الأسد بروسيا من أجل الحفاظ على المناطق التي تحت سيطرة النظام، والهجوم على المجموعات المعادية للنظام بعد أن فشلت إيران وحزب الله والميليشيات التابعة لهم في ذلك، فكان ذلك لروسيا) أحبّ على قلبها من العسل) وأرسلت قواتها وشنّت الهجمات القاتلة التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.

عصيانٌ مدني في العاصمة) كابُل)، وانضمام قوات من الجيش النظامي إلى الثوار، وإعلان المنظمات الرئيسية التابعة للثوار اتحادها! والردّ على ذلك لم يكن بسيطًا، فتزايدت التدخلات السوفييتية، وأرسلوا إلى (كابُل) أكثر من 3000 عسكري، واعتقل النظام الحاكم أكثر من 4000 مسلم خلال 6 أشهر فقط!

واستمرارًا لمسلسلِ الانقلابات، قام) حفيظ الله) وهو أحد أعضاء مجموعة) خُلُق) بالانقلاب على رئيسه) تراقي)، وكان واضحًا للشعب أن النظام الجديد هو نظامٌ شيوعي بامتياز، فقامت ثورةٌ عارمة، ردّ عليها نظام) حفيظ الله) بقتل عشرات الآلاف وأسرهم.

في ديسمبر عام1979 ، أرسلَ السوفييت وفودًا عاليةَ المستوى إلى) كابُل) وتبيّن لاحقًا أن الهدف كان وضعُ اللمساتِ الأخيرة للغزو السوفييتي على أفغانستان.

بدأت الطلعات الجويّة، ونقل عشرات الآلاف من الجنود السوفييت إلى أفغانستان وتوزيعهم في العاصمة) كابُل (والمحاور الرئيسية في الطرق، وكشفت مصادرُ روسيّة لاحقًا أن السوفييت حاولوا اغتيال (حفيظ الله) من خلال وضع السمّ في طعامه، لكنّ (حفيظ الله) نجا من السم بسبب ) الكوكاكولا) والتي كانت جديدةً في أفغانستان، فمنعت المواد الحمضية الموجودة فيها انتشار السم في جسده.

إن مسلسل الاعتقالات لم يكن جديدًا في سوريا، فإن السجون السورية) أشهر من نارٍ على علم(، سواءً أكان ذلك قبل الثورة السورية أم بعدها، وانضمامُ بعض أفراد النظام السوري إلى الثوار كان شيئًا متوقعًا لمن اعتبر من انضمام الآلاف من الجنود الأفغان إلى الثوار في ثمانينيات القرن الماضي.

والوفود الروسية التي تصل كل فترة إلى سوريا، والزيارات المتبادلة، هي أيضًا على ما يبدو تضع اللمسات الأخيرة لغزوٍ روسيّ جديد لسوريا، فهل من معتبر؟

وربّما في السنوات القادمة، يُكشفُ أنَّ الرّوس حاولوا اغتيال الأسد بوضع السم في طعامه! لكنهم فشلوا، لا بسبب الكوكاكولا هذه المرة، بل بسبب (الويسكي).

27 ديسمبر من عام1979 ، خرجَ) حفيظ الله( وقالَ موجهًا كلامه إلى الجيش :
” تم تعزيز نظام الدفاع الأفغاني بعد وصول القوات السوفييتية ”

وما هي إلا 3 ساعات، حتى أصبحت) كابُل (تحت السيطرة السوفييتية، وقُتِلَ) حفيظ الله) وتم اتهامه بأنه عميل لأمريكا، وتم تجريد الجيش الأفغاني من السلاح.

وكانت الحجّة جاهزةً أمامَ الرفض العالمي للغزو السوفييتي لأفغانستان، وذلك بأنّ السوفييت أتوا ” بمقتضى دعوى مجلس الشورى تنفيذًا لمعاهدة الصداقة عام  1978

إذن انتهى المسلسل الدرامي الأفغاني بما كان يتوقعه الجميع، وكانت نهاية التدليل السوفييتي لطفلتها الصغيرة أفغانستان هو قتلها، فهل هذه الأحداث ستتكرر في سوريا؟ أم أن روسيا ستدللُ النظام السوري مجانًا؟

استمر الغزو السوفييتي لأفغانستان 10 سنوات متتالية، قدّمَ فيها الشعب الأفغاني الغالي والنفيس من أجل الوصول إلى الحرية، وللدفاع عن أرضهم وعرضهم، وانتصر الأفغان في النهاية، وفي 15 سبتمبر من عام1989 ، غادر آخر جندي سوفييتي أفغانستان.

نحن اليوم نقفُ على أعتابِ مرحلةٍ حاسمة، فهل بعد كل تلك التشابهات في الأحداث التاريخية، وتكرر الأسلوب المُستخدم، هل ستختلف النهاية؟ لا أظن ذلك.

الشعب السوري الحرّ لن يبخل بنفسه وماله وأولاده من أجل الدفاع عن أرضه، ولن يقبل أن يحكمه شرذمة خونة، ولا معتدون مستعمرون، وكما انتصرت أفغانستان، بعدادها القليل، وجهدها الضئيل، ستنتصرُ سوريا بعونِ الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد