يصل الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، يوم الاثنين إلى مدينة سانت بطرسبورغ، مسقط رأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث يلتقي الزعيمان لأول مرة بعد فاصل في علاقات القمة استمر قرابة ثلاثة أشهر.

ومن اللافت للنظر أن بوتين بحث خلال اجتماعه مع أعضاء مجلس الأمن الروسي الدائمين، إلى جانب سوريا والعراق، بحث زيارة لوكاشينكو المرتقبة، الأمر الذي يشير إلى أهمية الموضوع وثقله، وربما ثقل الخلافات بين البلدين، التي قد تلقي بظلالها على المدى الاستراتيجي. علمًا بأن اجتماعًا بهذا المستوى يبحث عادة قضايا استراتيجية تخص أمن البلاد واقتصادها وسياستها.

بين الفترة والأخرى تتخلل العلاقات بين البلدين الكثير من الشوائب، آخرها موضوع الغاز الروسي لبيلاروس، ومسألة تهريب البضائع التي حظرت روسيا دخولها عبر أراضي بيلاروس ردًا على عقوبات أوروبية وغربية عليها، بعد انضمام القرم إلى قوام روسيا.

روسيا تطالب بيلاروس بمبلغ 700 مليون دولار مستحقات الغاز لعام 2016، ومينسك لا تعترف بهذا الدين. ووصل هذا الخلاف إلى أعلى مستوى، بعدما حاول الطرفان حله على مستوى وزراء الطاقة، ومن ثم على مستوى رئيسي الوزراء، ليطرح فيها بعد على أجندة اللقاء بين بوتين ولوكاشينكو يوم 3 من أبريل.

ويستمر الخلاف على الغاز بين البلدين لأكثر من عام، حيث أعلنت مينسك أن سعر 136.6 دولار لكل ألف متر مكعب لعام 2016 غير عادل، واقترحت أن تدفع مبلغ 73 دولارًا فقط «تعريفة الغاز داخل روسيا». بيد أن موسكو تؤكد أن سعر الغاز لمينسك مخفض أصلًا بنسبة 5.3 بالمئة مقارنة بعام 2015. علمًا بأن أوروبا اشترت الغاز الروسي عام 2016 بسعر 167 دولارًا لكل ألف متر مكعب.

عدا ذلك قامت مينسك بتأزيم الوضع أكثر، وخفضت بشكل أحادي سعر الغاز، كما قامت من دون موافقة روسيا برفع تعريفة نقل الغاز الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا، الأمر الذي دفع روسيا إلى خفض توريد النفط إلى بيلاروس، ودفع الأخيرة الى البحث عن مصدر آخر للنفط.

في نهاية المطاف مينسك مهتمة للغاية في تسوية خلاف الغاز، فبسبب تقليص توريد النفط الروسي إليها تراجع إنتاجها المحلي في شهر يناير بنسبة 1.5 بالمئة، وفي حال لم ترضخ مينسك لمطالب روسيا، فإن خسائر اقتصادها ستكون كبيرة. بيلاروس تعتمد على روسيا بشكل كارثي، لذلك ستضطر في النهاية إلى إيجاد حل وسط مع موسكو، حتى إن كان ليس في مصلحتها، لكنها ستحاول في الوقت ذاته البحث بشكل متواز عن توجهات جديدة.

ولا تقتصر الخلافات على مسألة الغاز والنفط فحسب، بل هناك أمور تتعلق بعملية الاندماج الأوراسية والوصول إلى السوق الروسية، مرورًا بمشروع قاعدة جوية روسية على أراضي بيلاروس وصولًا إلى مسألة استيراد المنتجات الغذائية. ويشير المراقبون إلى أن الأزمة الحالية في العلاقات هي الأضخم منذ عام 2011.

يتوقع محللون أن أحد أسباب الخلاف هو عدم توفر المال في روسيا لدعم الحلفاء، ويقول دينيس ميلنيكوف، الخبير في معهد الدراسات الاستراتيجية في بيلاروس إن «روسيا تغيرت أضحت تطالب بدور أكبر على الساحة الدولية، وتنظر إلى حليفتها بيلاروس على أنها تابع»، معتبرًا أن الخلاف القائم حاليًا تمليه المبادئ وليس الأموال.

اعتاد لوكاشينكو، الذي تقبع بلاده تحت عقوبات أوروبية وأميركية، على استعمال ورقتين: الروسية بوجه أوروبا والأوروبية بوجه روسيا. ووصل به الحال لأن يعلن أن كل ما تم التوصل إليه بين البلدين «هش».

وفي الآونة الأخيرة ظهرت لدى الرئيس البيلاروسي ورقة ثالثة تتمثل بـ«الناتو»، استعملها لأول مرة أداةً أو محاولةً للضغط على روسيا، من جهة، وإرضاء لرغبة الناتو من جهة أخرى. وتمثلت هذه الورقة بدعوة لوكاشينكو لممثلي الناتو لمراقبة المناورات العسكرية الروسية– البيلاروسية «الغرب – 2017» الاستراتيجية التي تجري سنويًّا في فصل الخريف على أراضي بيلاروسيا وروسيا، ويشارك بها قرابة 10 آلاف عسكري ومئات التقنيات.

وقال لوكاشينكو في 20 مارس: «أطالب الجميع أن تكون هذه الفعالية التي تقام على أراضي بلادنا شفافة ومنفتحة، ليس فقط أمام أصدقائنا في منظمة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة الدول المستقلة، بل لممثلي حلف الشمال الأطلسي». وأضاف الرئيس «في حال أراد الناتو الوجود خلال التدريبات فنقول له أهلًا وسهلًا».

من المعروف أن دعوة أطراف معينة لحضور تدريبات أو مناورات عسكرية أمر متبع دوليًا، لكن هل هو أمر طبيعي إن كنا نتحدث عن دعوة الناتو إلى تدريبات تشارك بها قوات روسية؟ خاصة وأن وزير الدفاع الروسي أعلن أن سيناريو المناورات سيأخذ بعين الاعتبار زيادة نشاط الناتو بالقرب من دولة الاتحاد «روسيا وبيلاروس».

يستعمل لوكاشينكو ورقة التعاون والشراكة مع روسيا بشكل محترف، ليفوز بإعانات مالية وقروض وحسومات. وفي الوقت ذاته لا يخشى أن تتأزم الخلافات مع موسكو، من دون أن يصل الأمر إلى قطيعة كاملة.

ففي عام 2010 هدد لوكاشينكو روسيا بفرض حصار طاقوي على مقاطعة كالينينغراد، مستغلًا موقع المقاطعة الجغرافي في الدائرة الشمالية الغربية لروسيا، والتي تفصلها عن باقي الأراضي الروسية دول مستقلة. الأمر الذي دفع روسيا في عام 2011 إلى تقديم إعانات مالية لمينسك بحوالي 27 مليون دولار ساعدتها آنذاك على الخروج من الأزمة المالية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 2013 وجد وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو نفسه في موقف ازدواجي، عندما أعلن لوكاشينكو أن موسكو ومينسك اتفقتا على إنشاء قاعدة جوية في بيلاروس. وبعد مرور أسبوع واحد نفى لوكاشينكو ذلك، مؤكدًا أن مثل هذا الترتيب لم ولن يكون. وبعد مرور فترة طلب الجانب البيلاروسي من روسيا مقاتلات «سوخوي 27» من الجيل الرابع. وبعد هذا النفي جمد مجلس الاتحاد الأوروبي لمدة 4 أشهر العقوبات بحق 170 شخصًا من مواطني بيلاروس، تاركـًا فقط حظر السلاح.

يبقى لنا أن نتابع القمة الروسية– البيلاروسية، والنتائج التي ستتمخض عنها. مما لا شك به أن روسيا، التي خسرت مؤخرًا أوكرانيا، مهتمة هي الأخرى بعدم وجود شريك «مزعج» بالقرب من حدودها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد