شهدت روسيا خلال 2016 العديد من الأحداث التي أثرت داخليًا وخارجيًا على قوة نفوذها في المنطقة، كان أبرزها تصدر حزب «روسيا الموحدة» الحاكم في انتخابات الدوما، والمشاركة العسكرية للقوات الروسية في الحرب السورية ونتائجها على الاقتصاد الروسي الذي بات يبحث عن مخرج بتعزيز التعاون والاتفاقات والتحالفات الخارجية.

انتخابات الدوما

كان لافتًا أن الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات تعاملت في حملاتها الانتخابية من منطلق التسليم بتقدم حزب «روسيا الموحدة»، الذي يتصدر المشهد الحزبي منذ تأسيسه عام 2001، وهو ما انعكس فعليًا على النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية الروسية، التي جرت في سبتمبر الماضي، بعد أن تصدر حزب «روسيا الموحدة»  الحاكم بأكثر من 54% من أصوات الناخبين.

وبحسب النتائج، التي أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات، حصل حزب ‏«روسيا الموحدة»‏ على ما يقارب 54.2% من الأصوات في انتخابات الدوما بحسب القوائم الحزبية، وجاء الحزب الشيوعي الروسي ثانيًا بنسبة 13.5%، يليه الحزب الليبرالي الديمقراطي بنحو 13.3%.

وجاء في المركز الرابع حزب «روسيا العادلة» بـ 6.2% ومن ثم «شيوعيو روسيا» بـ 2.4% و«يابلوكو» بـ 1.9% و«المتقاعدون من أجل العدالة» بـ1.7% و«رودينا» 1.4% وبعده «روست» بـ 1.2% في المركز التاسع، بينما حازت باقي الأحزاب، وعددها 5، على نسب لم تتجاوز 1%.

وبهذه النتيجة حصل حزب ‏«روسيا الموحدة»‏ على 343 مقعدًا، والشيوعي الروسي على 42 مقعدًا، أما الليبرالي الديمقراطي على 39 مقعدًا، وروسيا العادلة على 23 مقعد داخل البرلمان.

ولعل ما ساهم في تعزيز نتائج الانتخابات، الإعلام الروسي الذي كان له بالغ الأثر في تعزيز السلطات الحاكمة وذلك من خلال وكالة «سبوتنيك» وقناة «RT»، بحسب تقرير مشترك  لمعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية، حيث خلص التقرير إلى القول، إن الكرملين يقوم بتفعيل أسلوب الإدارة الخاص به، ونموذجه «للديمقراطية السيادية»، وهو ما يجعله مثالًا بالنسبة لبعض الزعماء الأوروبيين الجدد، الذين يسعون لتعزيز وتوسيع سلطتهم.

ومن أهم التحديات التي سيواجهها الحزب الحاكم، الأزمة الاقتصادية، لاسيما بعد انخراطها في الحرب السورية وما كلفته من خزينة الدولة لتتضاعف الأزمة تزامنًا مع العقوبات المفروضة عليها بسبب أوكرانيا.

أزمات واتفاقات

يعاني الاقتصاد الروسي من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة عملية ركود واسعة في البلاد، فكثير من المواطنين الروس ينزلقون نحو هاوية الفقر على خلفية العقوبات الغربية، وتهاوي أسعار النفط التي ضربت القطاع الاقتصادي الروسي في مقتل، خصوصًا وأنه اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الطاقة، مما تسبب في تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.

كان البنك الدولي، قد حذر خلال شهر سبتمبر الماضي، من حدوث زيادة كبيرة في نسب الفقر في روسيا، ناجم عن الانخفاض الحاد في مدخولات الفئات الاجتماعية الأقل ضعفًا، بما في ذلك المتقاعدين، وهو ما حذر منه رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف بالقول إن زيادة نسب الفقر التي تشهدها البلاد تمثل «واحدة من أكثر الانخفاضات إيلامًا»، لاسيما بعد تراجع الأجور الحقيقية للمواطنين الروس وانخفاض نسبة مبيعات التجزئة، وهو ما يعد انتكاسة كبيرة لبوتين وحكومته وتحديًا أكبر للحزب الحاكم.

على جانب آخر، قامت وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني، بتخفيض التصنيف الائتماني لروسيا عند «BA1»، أي إنها على قائمة المراجعة لتخفيض محتمل، وذلك بعدما وجدت أن الانخفاض المتزايد في أسعار النفط سيؤثر على التزامات روسيا بسداد التزاماتها خلال الأعوام القادمة.

وفي سياق منفصل، أشارت تقارير رسمية إلى أن تكلفة التدخل العسكري الروسي في سوريا، وصل إلى ما بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار يوميًا، طبقًا لإحدى المراكز العسكرية المتخصصة، وهذا دون حساب قيمة صواريخ كروز التي كانت تطلقها السفن الحربية الروسية من البحر، وبالتالي الحديث عن حد أدنى للمصاريف الروسية يتراوح بين 498 – 664 مليون دولار، وهو ما دفع بالحكومة الروسية إلى تخفيض ميزانية وزارة الدفاع بنسبة 5% خلال موازنة عام 2016.

ومع تدهور الاقتصاد الروسي سعت موسكو لتوقيع اتفاقات مع بلدان العالم والتوجه نحو تعزيز الشراكات والتحالفات وكان من أبرز هذه الاتفاقات.

ــ توقيع روسيا مع مصر ثلاث اتفاقيات في فبراير الماضي، تنص إحداهما على إنشاء منطقة صناعية روسية في محور تنمية قناة السويس، وذلك في ختام الدورة العاشرة للجنة المشتركة للتعاون بين البلدين.

ــ رغم الخلافات الروسية مع اليابان بسبب جزر الكوريل، تم الاتفاق على مشاريع اقتصادية مشتركة في الجزر الأربعة.

ــ توقيع روسيا وإيران علي ثلاث اتفاقيات مبدئية لتسهيل القوانين الجمركية تنص على إقامة الممر الأخضر وإعفاء الازدواج الضريبي وتقديم الدعم للاستثمار المشترك.

ــ   توقيع روسيا والصين بيانًا مشتركـًا حول تعزيز الاستقرار الإستراتيجي العالمي وفي مجالي الطاقة الذرية والإعلام والسكك الحديدية، بإطلاق التفاوض لوضع اتفاقية التعاون التجاري – الاقتصادي بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والصين.

ــ توقيع عدد من الاتفاقيات بين النظام السوري وروسيا، بينها اتفاقيتان بقيمة 600 و250 مليون يورو، من أجل إصلاح البنى التحتية التي دمرها الصراع الدائر في البلاد.

علاقات وأزمات مستمرة

في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعانيها روسيا بسبب العقوبات المفروضة عليها من الاتحاد الأوروبي، سعت موسكو لرأب الصدع مع تركيا وتعزيز شراكتها معها عقب التوترات التي شابت العلاقات عقب إسقاط تركيا لمقاتلة روسية على الحدود السورية، بينما شهدت العلاقات الروسية الأمريكية توترات بسبب الانتخابات الأمريكية الرئاسية الأخيرة.

ويمكن للتقرير إلقاء الضوء على أبرز أزمات وعلاقات روسيا مع بعض الدول وهي:

ــ الأزمة الأوكرانية، ما زالت التوترات مع موسكو مستمرة على خلفية ضم موسكو لجزيرة القرم، لتتفاقم الأزمة مؤخرًا عقب إعلان أوكرانيا خطط تجربة إطلاق صواريخ قرب مدينة «سيمفروبول» عاصمة القرم، لتهدد بعدها موسكو بقطع العلاقات واستنفار قواتها في الجزيرة لمواجهة أي هجمات، يضاف لذلك مساعي كييف لتوسيع لائحة العقوبات المفروضة على روسيا.

ــ الاتحاد الأوروبي، وعلى امتداد الأزمة الأوكرانية قام الاتحاد بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، ومن المتوقع أن تتصاعد عقب الاتفاق الأخير على  تمديدها  لمدة ستة أشهر حتى منتصف 2017، ليشمل قطاعات الدفاع والطاقة والقطاع المصرفي في روسيا.

ــ الولايات المتحدة، أدى الفشل في تسوية الأزمة السورية إلى اندلاع أكثر النزاعات حدة بين الولايات المتحدة وروسيا، بعد دخول موسكو على خط المواجهة ودعمها لنظام الأسد في حين تواجه الولايات المتحدة المسؤولية عن فشل حل الأزمة السورية بسبب دعمها للمعارضة.

وهذا ليس الخلاف الوحيد بين روسيا والولايات المتحدة، فقد شهدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة اتهامات لروسيا بمحاولة إسقاط المُرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عن طريق اختراق بريدها الإلكتروني ودعم الرئيس الحالي دونالد ترامب، وهو ما أقرته مؤخرًا وكالات الاستخبارات الأمريكية.

وزاد من حدة التوتر، قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير حول إلغاء إتفاقية البلوتونيوم مع أمريكا، وذلك بعد أن قامت واشنطن بإعلانها عن تغيير تكنولوجيا معالجة البلوتونيوم من جانب واحد بشكل يسمح لها بالحفاظ على إمكانية إعادة معالجة المادة وتحويل البلوتونيوم إلى بلوتونيوم عسكري من جديد، وهو ما أثار غضب موسكو.

تركيا، عقب توتر الأجواء بين البلدين على خلفية إسقاط تركيا لمقاتلة روسية قرب الحدود السورية، عاد الطرفان لطي الخلافات عقب الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التوتر ودور كلٍّ منهما في الأزمة السورية، فضلاً عن المخاوف الروسية من توسعات الناتو ورغبة أنقرة في الانضمام للاتحاد الأوروبي وتأثير تحالفاتهما على تلك القضايا.

وفي مشهد غير متوقع، تم اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف بينما كان يلقي كلمة في معرض فني بعنوان «روسيا في عيون الأتراك» في أنقرة يوم 19 ديسمبر الجاري، ليعلن المهاجم بعدها عبر الكاميرات قبل أن تقتله القوات التركية، بأن الفعل جاء ردًا على الغارات الروسية التي تستهدف المدنيين في حلب، إلا أن الحادث لم يؤثرعلى صفو العلاقات الثنائية بين البلدين.

التدخل الروسي في سوريا

وفي مسعى لدعم النظام السوري الذي واجه انتكاسات عدة على أيدي المعارضة وداعش، قامت القوات الروسية بشن غارات عنيفة في سوريا منذ 30 سبتمبر 2015، وسط تأكيدات من الكرملين أن العمليات الروسية في سوريا تهدف لدعم الجيش السوري واستهداف الجماعات الإرهابية، في حين رأت الدول الغربية أن الغارات الروسية تستهدف جميع القوى المناهضة لنظام الأسد.

بدأت الغارات الروسية بالتركيز على مناطق عديدة، منها إدلب وحمص وحماة ومؤخرًا حلب، فضلًا عن الطائرات المقاتلة والمعدات العسكرية التي استقدمتها موسكو إلى سوريا، لتشن أعنف المعارك إلى جانب القوات السورية والميليشيات التابعة لها.

ومن خلال حصيلة الهجمات الروسية على حلب التي تواجه أشرس المعارك والقتال، رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها، ارتكاب الروس لـ 13 مجزرة على أحياء حلب الشرقية راح ضحيتها 361 مدنيًا، معتمدة في تقريرها على حالات المراقبة والتوثيق اليومي وروايات الناجين.

كما وثق التقرير، هجمات روسية باستخدام أسلحة حارقة وبراميل متفجرة واعتداءات جمة على المدنيين ومراكز حيوية، ليؤكد التقرير أن الروس والنظام السوري خرقا قراري مجلس الأمن رقم 2139 و 2254 القاضيين بوقف الهجمات العشوائية، وأيضًا انتهكا عبر جريمة القتل العمد المادة الثامنة من قانون روما الأساسي، ما يُشكل جرائم حرب، فضلاً عن انتهاك أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وبحسب منظمة «هيومان راتس ووتش» ارتكبت روسيا جرائم حرب خلال حملة قصف جوي لمدة شهر لمناطق تسيطر عليها فصائل الثوار في حلب في شهري سبتمبر وأكتوبر عام 2016، أدت لاستشهاد 440 مدنيًا من بينهم أكثر من 90 طفلاً، في حين أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها «هيومن رايتس ووتش» أكثر من 950 موقع انفجار ذخيرة جديد تتفق مع تفجير قنابل كبيرة شديدة الانفجار في جميع أنحاء المنطقة خلال شهر.

لم تكتفِ روسيا بالدعم العسكري للنظام السوري، وإنما قامت بدعمه عن طريق الفيتو الروسي الذي أصدرته في أكتوبر الماضي على مشروع قرار مجلس الأمن الدولي للمطالبة بوقف جميع عمليات القصف الجوي في حلب، وهي المرة الخامسة التي تمنع فيها موسكو تحرك المجلس منذ بدء النزاع في عام 2011.

وبرغم تدخل روسيا على خط الهدنة بين النظام والمعارضة وإجلاء المدنيين، إلا أنها كانت تواجه اختراقات من قبل النظام السوري والميليشيات الإيرانية الداعمة لنظام الأسد، وسط دفاعات مستميتة للنظام وبدورها في محاربة الإرهاب، رغم توثيق المؤسسات الحقوقية والإنسانية لمجازر وجرائم ارتكبتها القوات الروسية والسورية بحق المدنيين السوريين.

وعلى خلفية الدعم الروسي للنظام في سوريا، واجهت روسيا اغتيال سفيرها في أنقرة فضلًا عن اغتيال أحد دبلوماسيها في بلجيكا، وتلقيها تهديدات إرهابية بتفجير قنابل وتنفيذ عمليات إرهابية ردًا على غاراتها في سوريا وتحديدًا حلب، في حين تحطمت طائرة روسية من طراز توبوليف 154، وعلى متنها 91 شخصًا بينهم 83 عسكريًا، كانت متوجهة إلى مطار حميميم في مدينة اللاذقية السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

روسيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد