تكشف أحدث التطورات على الساحتين السورية والليبية عن ملامح تنسيق روسي– تركي غير معلن، لإعادة تدوير واستخدام المعارضة السورية وعناصر التنظيمات المسلحة، وإرسالهم إلى الأراضي الليبية بما يتوافق مع رؤية ومصالح البلدين، ففي حين تضمن موسكو إقصاء الجماعات «الإرهابية» عن بلدان آسيا الوسطى وحدود بلادها، تتخلص أنقرة من عبء اللاجئين المحتملين، الذين بات انتقالهم إلى أراضيها حتميًّا، بعد تفعيل الجيش الروسي وجيش النظام جهودهما للسيطرة على إدلب، آخر وأكبر معاقل المعارضة السورية المسلحة.

وفي الوقت الذي تشن فيه قوات النظام السوري – مدعومة من الجيش الروسي – غارات موجعة على مدينة إدلب وضواحيها، بات صمت أنقرة التي لطالما رفضت أي تحرك عسكري ضد آخر معاقل المعارضة السورية مثيرًا للشكوك، خاصة بعد ظهور معطيات عن بدء تركيا تشكيل جيش مرتزقة من المسلحين السوريين وإرسالهم إلى ليبيا.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن تركيا تعرض على المسلحين السوريين الموالين لها، رفع رواتبهم من 200 دولار أمريكي إلى ما يتراوح بين 1800 و2000 دولار شهريًّا، مقابل انضمامهم إلى مجموعة المرتزقة التي بدأت بتشكيلها وإرسالها إلى ليبيا، وفي حال تعرضهم لإصابات أثناء القتال، فستعوضهم بمبلغ 35 ألف دولار. وأكدت مصادر سورية أن أنقرة قد افتتحت ما لا يقل عن أربعة مكاتب في شمال شرق سوريا، لتجنيد الراغبين بالانتقال إلى ليبيا.

ولا تخفي أنقرة سعيها لتشكيل مجموعات مرتزقة يقاتلون إلى جانب قواتها المزمع إرسالها إلى ليبيا، في إطار اتفاق أبرمته مؤخرًا مع رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، وينص على تقديم الدعم العسكري لحلفاء أنقرة في ليبيا. وبحسب موقع «نورديك مونيتور» فإنّ كبير المساعدين العسكريين للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال إن تركيا يمكن أن ترسل متعاقدين خاصين إلى ليبيا كما فعل الروس مع مجموعة «فاجنر».

ويرى محللون أن تحركات أنقرة هذه، تأتي في إطار تنسيق خفي مع موسكو، مؤكدين أنه رغم الخلاف العلني بين البلدين حول ليبيا، ودعم كل منهما طرفًا مغايرًا، فإن كليهما متفقان على ضرورة تفكيك الجماعات المسلحة وإقصائها عن أراضيهما وحدودهما. ويرجح مراقبون وجود صفقة بين بوتين وأردوغان، تنص على سكوت أنقرة عن مهاجمة روسيا والجيش السوري لإدلب، مقابل غض موسكو البصر عن نشاط تركيا العسكري في ليبيا، وتجنيدها المسلحين السوريين للقتال إلى جانبها هناك.

ومعلوم أن تركيا تستضيف 3.6 مليون لاجئ سوري فروا من الحرب الدائرة منذ أكثر من ثماني سنوات في بلادهم، بالإضافة إلى دعمها عددًا كبيرًا من المعارضين السوريين المسلحين، الموجودين في شمال شرق سوريا. ويشير مراقبون إلى أن تركيا تخشى من زيادة أعداد اللاجئين السوريين على أراضيها، في ظل شن موسكو ودمشق هجمات كبيرة على مدينة إدلب التي تضم أكثر من 3.5 مليون شخص، من ضمنهم مسلحون معارضون وعناصر من «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقًا).

ويقول محللون إن أنقرة لن تسمح بلجوء المسلحين السوريين وعناصر «تحرير الشام» من إدلب إلى أراضيها، حفاظًا على أمن البلاد وتخوفًا من نشوء تهديدات من قبلهم، ولذلك، هي تقوم الآن بإعادة تدويرهم لخدمة مصالحها في مناطق أخرى في سوريا وفي ليبيا.

ومن جانبه، رجح خبير روسي وجود اتفاق بين موسكو وأنقرة، حول «توظيف المعارضة السورية المسلحة الموالية لأنقرة لخدمة مصالح البلدين»، موضحًا أن «موسكو بتضييقها على الإرهابيين في إدلب، ودفعهم لمغادرتها، تسهل على أنقرة إمكانية تجنيدهم في إطار جيش من المتعاقدين وإرسالهم إلى ليبيا».

وزاد الخبير الروسي: «روسيا لم تخف منذ بدء عمليتها العسكرية في سوريا أن هدفها الرئيسي، هو محاربة الإرهاب الدولي والقضاء عليه، ومنع المتشددين من الوصول إلى حدودها»، موضحًا أنه «بعد سيطرة الجيش السوري على معظم أراضي سوريا، بدأت العناصر الإرهابية بمغادرة البلد العربي إلى أفغانستان والتجمع على حدود آسيا الوسطى، وهذا يشكل تهديدًا أمنيًّا لموسكو. لذلك، هي لا تعارض بل بالتأكيد تدعم إرسال المسلحين إلى ليبيا البعيدة عن حدودها».

وفيما يتعلق بالمسلحين الذين يرفضون مغادرة سوريا، قالت مصادر سورية معارضة إن القوات الروسية تسهل انتقالهم إلى مناطق جنوب شرق البلاد، وخاصة في المنطقة الواقعة بين دير الزور والسخنة، ولا تعارض تنفيذهم نشاطات عسكرية ضد ميليشيات إيرانية هناك. ويرى مراقبون أن روسيا تسعى بتصرفاتها هذه إلى إضعاف الوجود الإيراني الذي بات يزعجها في سوريا، كما أنها ترغب بتشتيت المسلحين المعارضين وقطعهم عن حليفتهم تركيا، ليسهل القضاء عليهم.

وعن رد فعل موسكو على انتقال المسلحين من سوريا إلى ليبيا ووقوفهم ضد قوات حليف موسكو المشير خليفة حفتر، أكد مصدر روسي أن «الإرهابيين السوريين في ليبيا لن يشكلوا تهديدًا لخطط الكرملين» في البلد الشمال أفريقي، موضحًا أن «انحياز الجماعات الإرهابية إلى أحد أطراف النزاع الليبي، سيسقط عن هذا الطرف الشرعية الدولية، وسيسهل على موسكو تنفيذ أهدافها».

وأشار المصدر إلى «فائدة أكبر» تجنيها موسكو من نقل تركيا للجماعات المسلحة السورية إلى ليبيا، وهي «تعمق الخلاف بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ما يعني تعمق الخلاف مع الناتو، وزيادة فرص انسحاب أنقرة من التحالف العسكري الغربي». وزاد المصدر: «كما أن ارتفاع مستويات التهديد الإرهابي في أوروبا، من جراء انتقال المتشددين من ليبيا إلى سواحل أوروبا الجنوبية، سيدفع الدول الأوروبية لمباركة –وربما طلب – تدخل موسكو للقضاء على التهديد الإرهابي في ليبيا، بعد أن أثبتت قدرتها على ذلك في سوريا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد