بمنطق السياسة ما هي الخسائر أو المكاسب التي ستجنيها مصر من جراء التحويل الكبير والمفاجئ في دفة سياستها الخارجية، من واشنطن غربًا إلى موسكو شرقًا؟ هل سيبيض “الدب الروسي” ذهبًا للاقتصاد المصري الجائع والمُنهك والمُتعب خلقة؟! وما هي الخسائر التأديبية التي ستحل بالإدارة الأمريكية، ومصالحها بالمنطقة العربية بعد اتجاه مصر شرقًا؟

منذ 30 يونيو، مصر حقيقة لم تسلم من ألالعيب واشنطن وأذرعها، وعلى هذا تأثرت العلاقات المصرية– الأمريكية، وكانت محل تجاذب وتنافر، مما تسبب في عداء رسمي من أداء وتصرفات واشنطن المستفزة للنظام.

الأمر استدعى من القاهرة مؤخرًا البحث عن بدائل، وإعادة ترتيب سياساتها الخارجية بما يحقق مصالحها فأدارت بوصلتها شرقًا نحو موسكو “الحليف القديم” لمصر، والغريم للإدارة الأمريكية، بعد أن كان النظام المصري منذ عقود يولي وجهه شطر البيت “الأبيض” دُبر كل عام.

وحتى لا نقع في أخطاء حسابات الأمس العاطفية، عندما ذهب المصريون يصبون كامل اهتمامهم بعد سقوط مبارك في الهرولة نحو الآلات الحاسبة، لإجراء عمليات حسابية تبيَّن نصيب الفرد من الـ 70 مليار جنيه المهربة في بنوك سويسرا، وبمرور الوقت لم يدخل جيب المواطن مليم واحد؛ يجب أن نكون واقعيين في حساباتنا مع الحليف الجديد.
توجد زيارتان بين مصر وروسيا، إحداهما أجراها السيسي إلى موسكو عندما كان وزيرًا للدفاع، اعتبرها البعض مؤشرًا على تغيير جذري في سياسة مصر الخارجية، وصفعة قوية على وجه الإدارة الأمريكية بسبب موقفها العدائي، والأخرى زيارة بوتين إلى القاهرة.

أثناء الزيارة الأولى وردت تأكيدات إعلامية بأن المشير أبرم صفقة أسلحة تعتبر الأضخم، والأولى من نوعها بين البلدين منذ حرب أكتوبر المجيدة – منها منظومة صواريخ “إس 300” – وهو ما نفاه السفير الروسي لدى القاهرة بعدها معتبرًا أن الإعلام المصري بالغ في هذا الشأن.

الأكيد أن التقارب بين البلدين مكسب – لا يمكن إنكاره – تستطيع مصر أن تستفيد منه في مكافحة الإرهاب، فروسيا منذ سنوات تعرضت لهجمات إرهابية استهدفت زعزعة استقرارها في ظروف مشابهة لما تمر به مصر من تحديات.

كما أن جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنفصلة تعد منبعًا لتزويد (داعش) بأمهر المقاتلين والانغماسيين الجدد، الذين اتضح مؤخرًا أنهم وصلوا سيناء، والبعض منهم على مشارف الحدود الغربية في ليبيا.

ومرور مصر بأزمة طاقة طاحنة جعلها تطالب بزيادة التعاون في المجال النووي لمواجهة هذه التحديات.

وهو الأمر الذي سبق للروس عرضه في فترات سابقة عندما كان هناك حديث جاد عن إنشاء محطة الضبعة، لكن الثابت أنه لا تحرك فعلي تم على الأرض حتى الآن، لذلك سيبقى الحديث في هذا الأمر محض تخمينات وأماني.

والتقارب مفيد لسد عجز مصر في إنتاج محصول القمح. بلا فخر نحن أكبر مستورد قمح في العالم، وتشتري الحكومة، وشركات القطاع الخاص حوالي 10 ملايين طن سنويًا.

لكن ذلك إلى الآن يصب في صالح موسكو، ما لم يتم التعاون في إدخال تقنيات زراعية جديدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو الأمر الذي تقدَّمَ فيه الروس كثيرًا، ولم يقدموا لنا فيه شيئًا.

سياسيًا، الزيارتان جعلتا أمريكا تتحسس الصفعة جيدًا، وباتت تنظر بقلق إلى حليفتها السابقة، بعد انفتاحها على الروس، الأمر الذي لو استمر سيضربها في مقتل بمنطقة الشرق الأوسط التي تمثل ركيزة أساسية في سياستها الخارجية.

في النهاية لا يمكن الجزم بأن الدب الروسي سوف يبيض ذهبًا للاقتصاد المصري، ولا أن الروس هم الحل لمشاكلنا. كل الأمر أن هذه علاقات سياسية بين بلدين، تتقلب وتتغير بتبدل الظروف والأحوال السياسية.

الجيد في كل ما سبق هو إقبال القيادة على التنويع في علاقاتها مع القوى الخارجية، وعدم الاعتماد على قوى بعينها، خاصة بعد التقرب إلى فرنسا بصفقة شراء 24 مقاتلة من طراز (رافال)، لوقف العزلة الأوروبية لمصر.

رغم كل ذلك سيبقى الحل الوحيد لمعضلة بلادنا الاقتصادية العمل والإنتاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد