بوتين وأصدقاؤه من أمثال يفغيني بريغوجين، وسيرغي لافروف يفهمون جيدًا بأنه لا حل في سوريا سوى بإعطاء الشعب السوري بعض الحريات، مثل الحرية السياسية؛ ولذلك نرى محاولة روسية للضغط على الأسد، بما يخص ملف المعتقلين، واللجنة الدستورية، ولكن كما نرى هناك مماطلة من طرف النظام السوري؛ حيث يسعى النظام جاهدًا لإخفاق كل المحاولات الروسية، للحل السياسي في سوريا.

روسيا تفهم جيدًا بأن نظام الأسد لا يمكن الاعتماد عليه كليًّا، حيث نتذكر في الماضي عندما هاجم الإعلام الروسي جيش النظام السوري، عندما هرب من مدينة تدمر، وترك المدينة لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على المدينة بسهولة، ولم يكن هناك أي تصد لهم من طرف النظام السوري، ووقتها شن الإعلام الروسي حملة شرسة على قوات النظام السوري، واعتبرهم جبناء؛ بسبب خوفهم من التنظيم، وعدم وجود أي تحفيز لديهم؛ لمواجهة التنظيم، وضعفهم العسكري.

روسيا وكونها الحليفة الأقوى لإسرائيل، وهي الدولة الأولى التي اعترفت بإسرائيل، عندما كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، ترى في الوجود الإيراني خطرًا كبيرًا على مستقبل الشرق الأوسط، وعلى دولة إسرائيل؛ لذلك تحاول جاهدة الضغط على النظام السوري، لكي تبتعد عن إيران.

روسيا ومع أنها تتعاون مع إيران فهي أيضًا تتعاون مع إسرائيل، وهي لا تريد خسارة أحد الأطراف، فهي ترى في إسرائيل الحليف الأمثل، وفي إيران دولة تستطيع الاستفادة من مواردها، كون ليس لديها حليف آخر سواها.

لذلك لافروف طلب من «بشار الأسد» التضحية بوجود المستشارين الإيرانيين، وحلفائهم على أرض سوريا، مقابل عودة سلطة الدولة السورية إلى الشرق السوري، بالتفاهم بين الدولة السورية والأكراد، برعاية روسية، وفي الوقت نفسه يمكن لموسكو أن تضمن انسحابًا تدريجيًّا هادئًا للقوات التركية من الشمال السوري، واسترجاع هذه المناطق، شرط أن يعمل الأسد وفق الشروط الروسية، وأن يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل.

أيضًا من جهة أخرى روسيا تحاول الضغط على عليّ مملوك الذي في يده الكثير من الملفات التي تخص السجناء السياسيين، والمطلوبين للنظام السوري؛ حيث نرى في الزيارة الأخيرة لرئيس لجنة التحقيقات الروسية ألكسندر باستريكين لـعليّ مملوك ولوزير العدل أحمد سعيد محاول روسية لحل مشكلة ملف المعتقلين السوريين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يخص التنظيمات الإسلامية في سوريا.

السياسة الروسية في سوريا أدخلت سوريا إلى نفق أسود صعب الخروج منه، ولكن الخريطة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تفرض واقعًا جديدًا على الوضع في سوريا، وهو رسم خطة جديدة للتعاون الإسرائيلي السوري، الذي سوف يفرض على النظام السوري واقعًا جديدًا؛ لكي يخرج من الأزمة الاقتصادية، ويحافظ على النظام السياسي الذي رسمه «حافظ الأسد» منذ استلامه للسلطة في سوريا، ولكن شرط أن يتخلى عن إيران، وعن السياسة التي كان يتمسك بها.

مفاوضات السلام التي كانت بوساطة تركية في عام 2000 لم تنجح؛ بسبب تخلي «بشار الأسد» عنها؛ بسبب خوفه من فقدان العلاقات مع الدول العربية الأخرى، ولكن الآن الوضع تغيّر، حيث نرى منافسة بين دول الخليج العربي لتوقع السلام مع إسرائيل.

وزير خارجية سوريا، وليد المعلّم، في حديث أجراه مع أحد الصحفيين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007 بأنه إذا انكشفت محادثات السّلام مع إسرائيل؛ فإن علاقات دمشق مع أصدقائها ستتضرّر بصورة جسيمة، قد يتعذّر بعدها تقويمها؛ لهذا السبب تريد سوريا أن تضمن أولًا نتيجة ناجحة للمفاوضات، وأضاف يقول المعلّم «إنّ من خيارات سوريا الاستراتيجيّة منذ زمن طويل هو السّلام مع إسرائيل، وأصدقاء سوريا في المنطقة يعون ذلك جيدًا».

لذلك ليس من الغريب أن نرى النظام السوري وهو يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل، فهي محاولة قديمة منه، ولكن الآن بضغط روسي، وفي أزمة اقتصادية كبيرة قد لا يخرج منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد