إن أصل المشكلة في ذلك الصراع تكمن في عدم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمناطق النفوذ الروسي والتي تعتبرها روسيا مرتبطة بشكل مباشر بأمنها القومي في حين أن الولايات المتحدة تعتبر تلك المناطق والتي على رأسها أكرانيا كوسائل ضغط لإملاء شروطها على النظام الحاكم في موسكو ويكون هذا المفهوم أكثر وضوحًا لو قمنا بإجراء مقارنة بسيطة بين علاقة أمريكا بدولة كفرنسا على سبيل المثال وهنا يطرح السؤال نفسه، ما الأسباب والمبررات التي تجعل العلاقات الأمريكية الفرنسية أكثر استقرار ومتانة من العلاقات الأمريكية الروسية؟

هناك من يرى أن تشابه نظام الحكم في كل من أمريكا وفرنسا من حيث إجراء انتخابات بشكل دوري تؤدي إلى تغيير حقيقي في رأس السلطة قد يكون أحد الأسباب في متانة تلك العلاقة، ولكن هذا الرأي يعتبر مستبعدًا في ظل التقارب الذي حدث مؤخرًا بين الولايات المتحدة وكوبا رغم الاختلاف الكلي في نظام الحكم في كلتا الدولتين، ورغم ذلك قامت الولايات المتحدة برفع العقوبات الاقتصادية عن كوبا.

ومن هنا يظهر جليًا أن جوهر الخلاف الروسي الأمريكي ليس اختلاف نظام الحكم، وإنما في عدم اعتراف الولايات المتحدة بمناطق النفوذ الروسي، في حين أن الولايات المتحدة تعترف بشكل واضح وجلي بمناطق النفوذ الفرنسي، وخاصة في دول غرب أفريقيا، بدليل أن فرنسا تقوم بتغيير أنظمة حكم ورؤساء دول دون أن تقوم الولايات المتحدة بالاعتراض على ذلك، بل على العكس تمامًا فإنها تقوم بدعم تحركات فرنسا.

وعلى سبيل المثال قيام القوات الفرنسية في دولة ساحل العاج ( كوت ديفوار) بإسقاط نظام الرئيس السابق لوران باغبو بل قيام القوات الفرنسية بالقبض على الرئيس بشكل مباشر من داخل قصره وتنصيب المنافس له الحسن وتارا رئيسًا للدولة، وذلك كله تحت سمع وبصر الولايات المتحدة بل بدعمها المباشر، والسبب في ذلك كما ذكرت هو اعتراف الولايات المتحدة ولو بشكل ضمني أن ساحل العاج (كوت ديفوار) تقع ضمن إطار النفوذ الفرنسي.

ولكن لو نظرنا إلى ذات الموضوع ولكن من زاوية أخرى نجد أن سبب الخلاف الروسي مع الغرب في الشأن الأوكراني يرجع إلى اختلاف نمط السلوك الروسي تجاه الأزمة الأوكرانية في عام 2003 في ما سمي آنذاك بالثورة الملونة التي أفضت إلى وصول مناوئين لروسيا لسدة الحكم في أوكرانيا، وكان على رأسهم يوليا تيموشينكو، ورغم ذلك فإن روسيا بقيت صامتة والتزمت الحياد ولم تتدخل في الشأن الأوكراني، وهو ما كان له أثر إيجابي وجيد لصالح روسيا بدليل أنه وبعد 4 سنوات من وصول الثوار الأوكران للحكم قام الشعب الأوكراني بإسقاطهم من خلال انتخابات حرة نزيهة شهد العالم بأسره بشفافيتها.

وأسفرت عن رجوع الموالين لروسيا (حزب الأقاليم) إلى سدة الحكم مرة أخرى دون أدنى تدخل من الجانب الروسي، فلماذا اختلف نمط السلوك الروسي في عدم التدخل في الشأن الأوكراني في عام 2003 إلى التدخل الواضح في عام 2014 الذي أسفر عن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في إقليمي دونتسك ولوغانسك.

لعل الحل الأقرب لتلك الأزمة المعقدة بين روسيا والقوى الغربية يكمن في قيام الجانب الروسي بإعادة ترسيم مناطق نفوذه الإقليمية على ألا تكون الأجزاء الأوكرانية الخاضعة لسلطات كييف الموالية للغرب ضمن تلك المناطق، وبالمقابل يقوم الغرب بقبول الاقتراح الروسي الذي ينص على إقامة مناطق فيدرالية ذات حكم ذاتي خاضعة لسيادة الدولة الأوكرانية وعلى رأسها إقليمي دونتسك ولوغانسك، مع قيام الحكومة الروسية بإجراء استفتاء آخر في شبه جزيرة القرم على أن يكون هذه المرة بإشراف دولي وإقليمي وروسي بحيث تكون نتائج الاستفتاء من الناحية القانونية في هذه الحالة ملزمة لجميع الأطراف في المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ترى بعض دوائر صناعة القرار في موسكو أن خروج الأجزاء الأوكرانية الخاضعة لسلطات كييف من دائرة النفوذ الروسي من شأنه أن يؤثر على قيام الاتحاد الأوراسي الذي تعتبر موسكو أن أوكرانيا هي جزء من ذلك الاتحاد الأوراسي، هذا الكلام قد يبدو صحيحًا من الناحية الجيوسياسية ولكنه ليس كذلك من الناحية الاقتصادية؛ وذلك أن أوكرانيا دولة فقيرة قليلة الموارد ومثقلة بالديون هذا إلى جانب الاضطرابات السياسية فيها من حين لآخر.

كل هذه العوامل وغيرها تجعل أنه ليس من مصلحة الاتحاد الأوراسي انضمام أوكرانيا إليه على الأقل في المرحلة الحالية وخصوصًا أن أحد الأقطاب الرئيسية في هذا الاتحاد وهي كازاخستان ترى أنه اتحاد اقتصادي أكثر منه سياسي، أما بالنسبة لمسألة تهديد سلطات كييف بتقديم طلب العضوية للاتحاد الأوروبي فأنا أستبعد حصول أوكرانيا على موافقة الاتحاد الأوروبي على طلب الانضمام، وذلك أن الاتحاد الأوروبي ليس مستعدًّا لتكرار تجربة اليونان مرة أخرى، والتي ما زالت تداعياتها على الاقتصاد الأوروبي إلى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد