بوتين رجل متعجرف وعنيد هذا شيء معروف عنه، لكن المعروف أيضًا أن أردوغان أعند من بوتين، فأردوغان مثلاً ليس السيسي الذي حملته روسيا كل التبعات جراء سقوط طائرتها المدنية في سيناء قبل اقل من شهر، وأرغمته على أن يقدم لها تنازلات ما كانت تحلم بها على الإطلاق، والتي وصل الأمر إلى حد تلك التي تمس حتى الأمن القومي والمجال السيادي المصري، ومع ذلك مرت الأمور بشكل عادي ودون أي إثارة تذكر ودون حتى انتظار ما ستحمله التحقيقات من الجانب المصري، في استخفاف وتحقير كبير لمصر وشعبها وتاريخها، كان يمكن أن تكون في غنى عنه لولا أن أوصلها العسكر لهذا المستوى من الذل.

لكن مشكلة بوتين هذه المرة أن تركيا هي من أسقطت الطائرة، وتركيا أردوغان هي حتمًا ليست مصر السيسي والمقارنة لا تجوز حتى لاعتبارات كثيرة.

إذ كان يمكن لحادث إسقاط الطائرة الروسية على الحدود السورية التركية أن يمر مرور الكرام، وألا يأخذ كل هذه الأبعاد الخطيرة والمثيرة للترقب والانتظار، وكان يمكن أن تنام جميع البورصات بسلام ويطمئن الجميع إلى الأموال والاستثمارات في السوق، لو أن روسيا تتعامل مثلاً مع رئيس كالسيسي في مصر أو أي من الدول الضعيفة أو ذات الحكم العسكري الأخرى، وليس مع دولة كتركيا، إذ يكفى أن تملي عليها روسيا شروطها كما أملتها على مصر السيسي، وتحصل على ترضيات من خلال صفقات اقتصادية وعسكرية وحتى تعويضات للضحايا، وتكون المشكلة قد حلت وتعود الأمور إلى مجراها وأحسن، لكن الأمور لبوتين هذه المرة مختلفة ومعقدة جدًا.

تركيا تقول إن الطائرة الروسية اخترقت مجالها الجوي وحذرتها عشر مرات قبل الأمر بإسقاطها، وروسيا تقول إن طائرتها أسقطت في المجال الجوي السوري ولم تخترق المجال التركي أبدًا، الطائرة أسقطت وهذا الأهم، لماذا؟ وأين؟ ذلك لن يغير الشيء الكثير، ماذا؟ وكيف؟ تلك النقطة مربط الفرس.

كان يمكن للحادثة أن تجد لها طريقـًا للحل الدبلوماسي السلمي كأية مشكلة أو خطأ عادي آخر، لكن المشكلة أن روسيا يحكمها بوتين وتركيا يحكمها أردوغان، وفي ظل عقلية الرجلين في الرغبة الدائمة بالظهور بمظهر القائد القوي الفذ الملهم لشعبه وغير القابل للتراجع أو الاستسلام، هذا يجعل الأمور معقدة أكثر، ويجعل الاصطدام أقرب منه إلى ضبط النفس، ، يبقى الاختلاف على الشكل والطريقة فقط، خاصة وأن كلا الطرفية يبدو أنه غير مستعد حاليًا للتنازل عن موقفه وروايته.

“البشاريون” طبعًا هم أكبر المستفيدين من حادث إسقاط الطائرة، ومن المؤكد أنهم في قمة درجات السعادة والانتشاء، خاصة وأن عدوهم اللدود أردوغان سيجد على الأقل من يقف في طريقه وسعيه الدؤوب لإسقاط نظام بشار الأسد، والأهم من هذا أن الأنظار ستتحول ولو إلى حين من صراع (نظام/معارضة)، إلى صراع على مستوى أعلى يمكن أن يخلط كل الأوراق، وهو الدفع بمواجهة مباشرة بين حلف نظام بشار، إيران، روسيا، ضد حلف تركيا الناتو وإلى حد ما دول الخليج، وإن كان دعم الأخيرة غير مضمون، فحتى وإن كانت تريد إسقاط نظام الأسد، فإنها بالمقابل تريد إضعاف نظام أردوغان الداعم الأكبر للأحزاب الإسلامية -غير السلفية- عدو الإمارات والسعودية الأول.

لكن السؤال الأساسي والجوهري الأهم والمطروح من قبل الجميع، هو عن ما السيناريوهات المتوقعة لما بعد حادث إسقاط الطائرة؟ وعن ما احتمالات ردود الفعل “البوتينية” حوله؟ وهل يمكن للأخير أن يتنازل عن غطرسته ويتجرع السم، تفاديًا لوقوع الأسوأ، أم أنه سيستمر في الانخداع بجنون عظمته، ويرتكب حماقة أكبر، قد لا تكون محسوبة العواقب والنتائج؟.

فبوتين اعتبر الحادث “طعنة في الظهر”، واعتبره “خطيرًا للغاية”، وأردوغان بدوره اعتبره “دفاعًا مشروعًا عن النفس”، وعملاً معمولاً به في إطار قواعد الاشتباك وحق الرد في ظل “تحدي نداء التحذير” من الطيار.

من التعقيبين على الحادث إذن، يبدو أن لا أحد من الطرفين مستعد على الأقل في الوقت الحالي من -الرسو بالسفينة على البر- والأمور تتجه للتصعيد أكثر منه للتهدئة، وإن كان تصريح بوتين الأخير “أن تركيا ستخسر كثيرًا وستكون للحادث عواقب وخيمة على العلاقات” يعطي أملاً ضمنيًا باستبعاد المواجهة العسكرية، مع إبقاء كافة الاحتمالات الأخرى مفتوحة.

لكن ما الخيارات المتاحة لكليهما في حالة استمرار كل منهما بموقفه وعناده؟ وهل يمكن أن تتطور الأمور إلى السيناريو الأسوأ أي المواجهة العسكرية؟.

الحرب في الحقيقة وإن كانت غير مستبعدة تمامًا، إلا أنها ليست كذلك بتلك البساطة التي يمكن لحادث مثل هذا أن يؤدي إلى اندلاعها، فالأمور على درجة كبيرة من التعقيد من ذلك، وذلك لأسباب كثيرة ومتعددة.

أولاها أن تكلفة الحرب ستكون باهظة ومكلفة جدًا للطرفين، كما أنها  لوجيستيكيًا صعبة ومعقدة للغاية أيضًا، لذلك فأي طرف سيفكر ملايين المرات قبل اتخاذ القرار بشنها، فروسيا رغم أنها قوة عظمى وتملك قدرات عسكرية هائلة، إلا أن ذلك غير كاف لشن حرب بذلك الحجم، خاصة وأن أسعار النفط المورد الأساسي لاقتصادها عرفت هبوطـًا حادًا مما أثر على الاقتصاد تأثيرًا كبيرًا، هذا في حالاته العادية فما بالنا بحالة الحرب، حيث ستكون قطاعات أخرى من الاقتصاد متوقفة عن العمل وستتأثر أكيد من الحرب.

تركيا كذلك سيناريو الحرب كارثي بالنسبة لها، فاندلاع الحرب سيعني توجيه ضربة قوية للاقتصاد الصاعد والذي يعتمد في جزء أساسي في نموه وقوته على عائدات السياحة والخدمات، وهما مجالان لا يمكن أن يحافظا على دورهما وقوتهما في حالة اندلاع حرب، وهو ما يعني تهديدًا باحتمال بانهيار اقتصادي، وبالتالي فقدان تركيا لأحد أكبر نقط قوتها الحقيقية أي الازدهار الاقتصادي، وهو الشيء الذي سيجعل السلطان أردوغان إلى التفكير مليًا، قبل اتخاذ أية خطوة نحو التصعيد أكثر.

لذلك فقوة اقتصاد الدولتين وحجمه يحول دون التوجه إلى هذا السيناريو، كونه لا يوازي الطموحات والتطلعات السياسية العسكرية للزعيمين، ناهيك عن المصالح الاقتصادية الضخمة بين البلدين خاصة في قطاع الغاز والطاقة والتي ستتأثر لا محال في حال اندلاع مواجهة.

ثاني هذه الأسباب وربما الأهم، هو أن تركيا عسكريًا مرتبطة بحلف “الناتو”، وأي حرب مع تركيا تلزم الناتو ودوله بالدخول كطرف فيها بموجب اتفاقية الدفاع المشترك، وهذا يعني أن الحرب لن تبقى تركية-روسية، لكن ستتحول إلى حرب عالمية، وذلك شأن آخر بالطبع، فقيام حرب عالمية ثالثة هو السيناريو الكارثي والأسوأ على الإطلاق، ليس على المنطقة فحسب لكن على العالم برمته، لذلك وتحسبًا لمنع تدهور الأمور لذلك الحد، فالمؤكد أن دولاً وقوى أخرى ستتدخل وتهدئ الوضع ما أمكن، وتدفع للوصول إلى حل سلمي ومرض.

السيناريو الثالث وهذا هو الأقرب للتحقق، أنه قد تندلع حرب فعلاً، لكن ليس بين روسيا وتركيا مباشرة، لكن ستكون حربا بالوكالة، وهو أن تدفع روسيا بحليفها بشار إلى التصعيد و تزويده بالسلاح اللازم حتى، والقيام بهجمات وأعمال على الأراضي التركية، وهو بالطبع ما سيلقى ردًا تركيًا، يمكن أن يتطور إلى توريطها في وحل حرب برية تدفع فيها الثمن الأكبر، وذلك مادام النظام السوري ليس له ما يخسر في الأصل، وتكون بذلك روسيا ردت جزءًا من الثأر لأردوغان، وتعيد له الضربة بألف.

إذن احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة كما يخشى الكل، هو بعيد المنال على الأقل في الوقت الحاضر، ولذلك سيكون الثأر ورد الدين سيكون على مستوى أدنى، و(تلك ضرورة لحفظ ماء الوجه على الأقل).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد