النفوذ الإيراني يهدد خطط روسيا والأسد يترقب تخلي الكرملين عنه

تحولت سياسة توازن المصالح التي نجحت روسيا عبر اتباعها في سوريا، في ربط علاقات وثيقة مع أطراف النزاع المتعددة، وكفلت نجاحها في تحقيق انتصارات عسكرية وفرض رؤيتها للحل النهائي، إلى مشكلة تهدد بحرمانها من «غنائم» اقتصادية وسياسية، في ظل التغلغل الإيراني في المجتمع والمؤسسات السورية؛ ما يشكل تهديدًا لطموحات وإستراتيجيات الكرملين، في حين يلاحظ مراقبون جفاء متصاعدًا بين موسكو ونظام الأسد، بعد إدراك الأخير أن موسكو لا تعتبر بقاءه في السلطة من ثوابتها.

وبدأ مراقبون روس بدق ناقوس الخطر، بعد إبرام طهران بداية الشهر الفائت اتفاقًا مبدئيًا مع النظام السوري لإعادة إعمار نظام الطاقة في البلاد، الأمر الذي وصفوه بأنه علامة أخرى على تغلغل طهران المتعمق في البنية التحتية السورية، محذرين من أن مثل هذا النشاط المتصاعد للقيادة الإيرانية سيشكل على المدى المتوسط مخاطر تهدد مصالح روسيا.

وهذا الاتفاق ليس الأول من نوعه، ففي سبتمبر (أيلول) 2017 على سبيل المثال لا الحصر، وقع البلدان العديد من الوثائق حول تحسين توزيع الكهرباء في البلاد، منها اتفاقية لبناء محطة كهرباء في محافظة اللاذقية الساحلية، والتي تعد معقلًا للحكومة البعثية، وأخرى لترميم محطات الطاقة في حلب وحمص ومدينة بانيا الساحلية، المرجح أن تستضيف القاعدة المحتملة للبحرية الإيرانية وفق مانقلته مواقع روسية عن مصادر عبرية.

وينظر خبراء روس بتحفظ إلى إمكانية إنشاء إيران قاعدة بحرية في بانياس، مؤكدين أن الوجود العسكري الإيراني على مسافة قريبة من قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية الروسيتين، قد يتسبب بمشاكل عسكرية وسياسية للروس في المنطقة، ومحذرين من أن هذا الأمر سيتسبب بحساسيات في العلاقات الروسية – الإسرائيلية، كما أنه قد يقوض جهود إحلال السلم في سوريا مستقبلًا.

تضارب مصالح

ولا تقتصر طموحات إيران على الجانب العسكري، إذ كان لافتًا وجود عدد كبير من رجال الأعمال الإيرانيين في المعارض التجارية التي نظمت في العاصمة السورية، مثل معرض إعادة بناء سوريا الذي عقد في سبتمبر الماضي، والذي أقيم بتمويل إيراني وفق بيانات موقع «نيوز رو» الروسي، وشاركت فيه أكثر من 80 شركة إيرانية، في حين كان وفد الجانب الروسي هزيلًا، ضم ممثلين عن الجمهوريات الانفصالية الموالية لروسيا وعدة شركات لم تصل إلى اتفاقات ذات أهمية.

كما يلفت باحثون في معهد واشنطن الانتباه إلى حقيقة أنه في عام 2018 شاركت شركة روسية واحدة فقط في فعاليات معرض إعادة بناء سوريا، خلافًا للحضور الكثيف للشركات الإيرانية.

وفي حين تستثمر طهران في مشاريع إعادة الإعمار طويلة الأجل الممولة بعدة مليارات عبر خطوط الائتمان، والتي سيتعين على الحكومة السورية «سدادها» في غضون 25 عامًا، بالإضافة إلى 20 مليار دولار من إمدادات النفط، يبدو أن موسكو تسعى إلى الحصول على فوائد قصيرة الأجل من جهود تحقيق الاستقرار في الأراضي السورية.

ويقول خبراء روس إنه إذا كان الجانب الروسي يعتزم «البقاء» في الاقتصاد السوري، فقد تشكل خطط إيران الطموحة تهديدًا مباشرًا له، إذ أثبتت طهران حتى الآن أنها لا تنوي وضع حد لتأثيرها السياسي والاقتصادي على دمشق.

وبالرغم من مرور نظام الأسد بأزمة اقتصادية ومالية خانقة، لم تعتمد موسكو في إطار دعمها للنظام على استخدام المساعدات الاقتصادية المباشرة، إذ تشير البيانات المتاحة إلى أن إجمالي المساعدات الخارجية الروسية لحليفتها في عام 2015 بلغ 1.6 مليار دولار، ولم يتم تسليم سوى جزء بسيط منها، باستثناء تكلفة التدخل العسكري.

وفي ظل انعدام الإمكانيات لدى روسيا واقتصادها الضعيف نسبيًا، لتقديم دعم ملموس للنظام السوري، تسعى موسكو لجذب الاستثمارات والمساعدات الأجنبية إلى سوريا، معولة على الاستفادة من المساهمات المالية والاقتصادية المحتملة من الجهات الدولية الفاعلة، عبر تفعيل دور شركاتها، ومن ثمّ تعزيز نفوذها في دمشق لتسهيل الوصول إلى القطاع الخاص بها، والقطاعات المربحة الأخرى في الاقتصاد، مثل: الطاقة، والسياحة، والزراعة، والأسلحة.

وعلى الجانب الآخر ترى إيران في سوريا فرصة ممتازة لتعزيز وجودها السياسي والاقتصادي، وبالتالي الحصول على نقطة تأثير سياسي وعسكري في سوريا مع مخرج على مياه البحر المتوسط، كما أنها تعتبر سوريا ولبنان المجاور أسواقًا محتملة للمنتجات الإيرانية، وهي واثقة في أنها بدعمها النظام السوري بخطوط الائتمان المفتوحة وبالنفط ودعمها النهضة الاقتصادية السورية، ستعزز سيطرتها على الحلفاء السوريين المحليين، وبالتالي ستحافظ على سيطرتها على النظام الحاكم. وقد قدَّمت إيران لسوريا منذ عام 2013 ثلاثة خطوط ائتمان لاستيراد الوقود والسلع الأخرى، بقيمة تراكمية تزيد عن 6.6 مليارات دولار.

صراعات نفوذ

يبدو مؤخرًا أن النظام السوري، الذي اعتقد في البداية أن الهدف والإستراتيجية الروسية لتعزيز سلطة الأسد وسيادته على البلاد أكثر جاذبية من النهج الإيراني الساعي لتدعيم حلفائه المحليين وتعزيز دور الميليشيات الموالية له، قد بدأ يغير من قناعاته، بعد اكتشافه حقيقة أن موسكو تهدف للحفاظ على علاقات براجماتية ودية مع كافة الأطراف المشاركة في الأزمة السورية، بدءًا من تركيا التي تطالب علنًا بإسقاط نظام الأسد، مرورًا بالمعارضة المطالبة بدستور ديمقراطي جديد وانتخابات نزيهة، لا يضمن الأسد في حال تنفيذها بقاءه في سدة الحكم، وصولًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، المطالبة بإخراج إيران وميليشياتها من البلاد.

ويرى خبراء روس أن النظام السوري بدأ يعي مؤخرًا أن التصريحات الروسية المتعاقبة، التي أكدت أن موسكو لا تدعم الأسد كشخص أو نظام، إنما تدعم الدولة السورية ككيان قانوني، «ليست مجرد مناورات دبلوماسية، وإنما موقف ثابت تعتمده موسكو في خططها وإستراتيجياتها»، مؤكدين أن الأسد «بات يدرك أن موسكو مستعدة للتخلي عنه في حال لم يختاره السوريون في الانتخابات التي ستتبع مرحلة تشكيل الدستور الذي تتم كتابته برعاية مباشرة من موسكو».

ويؤكد الخبراء رأيهم، بالإشارة إلى تصريحات الأسد «الاستفزازية» في مقابلاته الأخيرة، والتي تنصل فيها من وفده المفاوض في اللجنة الدستورية، واصفًا إياه بأنه «لا يمثل الدولة السورية»، ومحاولاته التهرب من اللجنة التي أجبر على المشاركة فيها، وسعيه لتعطيل أعمالها.

ويعتقد مراقبون أن هذه التطورات، قد تدفع الأسد للتقرب أكثر من حليفه الإيراني، و«الابتعاد عن موسكو وخططها التي لا تضمن بقاءه في الحكم بعد إنجاز الحسم العسكري»، موضحين أن هذا الأمر قد يشكل عقبات وتهديدات لإستراتيجية الكرملين في سوريا.

في الوقت نفسه يقول مراقبون: إن المواجهة بين روسيا من جهة والأسد وإيران من جهة أخرى قد اندلعت بالفعل، موضحين أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع إيرانية في سوريا، جاءت ليس فقط بموافقة روسية، وإنما بمباركة مباشرة من الكرملين.

وكانت مواقع عبرية أكدت أن الهجمات الصاروخية الإسرائيلية الأخيرة على مشارف العاصمة السورية «لم تكن مفاجأة على الإطلاق لموسكو»، موضحة أنها جاءت في إطار اتفاق شفهي بين موسكو وتل أبيب، و«بإيعاز من موسكو، بما يخدم في الواقع مصالح روسيا في إضعاف نفوذ إيران في سوريا»، والتي قد تنازع روسيا مستقبلًا في السيطرة على البلاد التي دمرتها الحرب.

كما أكد محللون اندلاع «مواجهة غير معلنة» بين روسيا وإيران في سوريا، موضحين ان الميليشيات الإيرانية تحاول التغلغل في مناطق شمال سوريا، المشمولة باتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة، ما يهدد بانهيار الاتفاق الهش الذي نجح الكرملين في الوصول إليه مع الأتراك من جهة، ومع الأكراد من جهة أخرى.

في الوقت ذاته، تتحدث مصادر عن دعم موسكو للحراكات الشعبية في الجنوب السوري، وآخرها تظاهرات خرجت في مدينة درعا في الأيام القليلة الماضية، طالبت بخروج إيران وميليشياتها من المنطقة، موضحين أن هذا الأمر يصب في مصلحة اتفاق غير معلن بين موسكو وتل أبيب، يقضي بإقصاء ميليشيات إيران وحلفائها عن الحدود مع إسرائيل إلى مسافة 100 كم.

كما يلفت مراقبون الانتباه إلى رد فعل موسكو على الضربة الجوية التي شنتها إسرائيل على مواقع إيرانية في سوريا قبل أيام، مؤكدين أن «موسكو لم تتفاجأ ألبتة بالغارات الإسرائيلية»، الأمر الذي برز في تعليقها على الحدث على لسان نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، والذي اكتفى بالقول: إن الضربات الجوية الإسرائيلية على سوريا «خطوة خاطئة وموسكو تواصلت مع حلفائها بشأن الواقعة».

ويوضح محللون أن رد فعل موسكو على الضربات، كان «خاليًا من أي رسالة حقيقية لإسرائيل»، مؤكدين أن «الكرملين لو انزعج بالفعل من تصرفات إسرائيل بحق حليفيه السوري والإيراني، لما سارع بالإعلان عن زيارة الرئيس فلاديمير بوتين المرتقبة إلى إسرائيل»، أو لكان سمح للقوات السورية باستخدام منظومات «إس 300» للدفاع الجوي، الذي يبدو واضحًا أن روسيا منذ توريدها في العام 2018 وحتى الآن لم تسلمها لقوات الأسد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد