عند رصد المواقف الروسية منذ الحرب الباردة حتى مع تفكك الاتحاد السوفيتي نجدها تعتمد إستراتيجية ردة الفعل العكسية المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لا سيما في منطقة الشرق الأوسط أهم مناطق العالم من حيث الصراع الدولي والإقليمي.

وكل حدث أو تغيير يحصل في المنطقة وبالتحديد المنطقة العربية نجد أن الموقف الروسي يأتي في الغالب مخالفًا للموقف الأمريكي أو ما يخدم مصالحها أو مصالح حلفائها من دول الخليج فهي تتبنى إستراتيجية ردة الفعل لا الفعل. ولا غرو أن نجد الموقف الروسي تجاه عاصفة الحزم التي تبنتها المملكة العربية السعودية أن يأتي بالموقف الداعي إلى وقف الحرب والدعوة إلى الحوار وتغليب لغة السلام والدبلوماسية.

جاءت الدعوات الروسية مع انطلاق عاصفة الحزم بأن العملية العسكرية التي تشنها السعودية وحليفاتها لن تؤدي إلى تسوية النزاع الأهلي في اليمن. وأكدت مستشارة مدير معهد الدراسات الإستراتيجية، الذي ينتمي للرئاسة الروسية، أن “السعودية كان بوسعها محاولة إقناع الحوثيين بإجراء حوار مع السلطة، ولكنها فضلت الحل العسكري”. وهو ما يعزز الموقف الروسي تجاه خصوم إيران الإقليمين.

رغم أن روسيا تمسك العصا من الوسط بسبب العلاقات الإستراتيجية مع إيران في مواقع ومواطن مختلفة من قضايا المنطقة ابتداءً من ثورات التغيير (الربيع العربي) وصولًا إلى الأزمة اليمينة، كما أن لها علاقات اقتصادية وثيقة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وتتخوف روسيا من أن تؤدي الأزمة اليمنية إلى مزيد من التباعد بين إحدى أطراف النزاع بالوكالة لأن مصالحها تقتضي ذلك، حيث تضع عملية “عاصفة الحزم” دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران التي تدعم الحوثيين، ومن ثم تتحفظ روسيا ولا تعلن دعمًا صريحًا لأي من الطرفين، ما يمكنها من الانفتاح على مختلف الأطراف، ويرفع عنها الحرج ويحفظ لها التحالف مع إيران، دون مزيد من الإضرار بعلاقاتها مع دول الخليج.

لكن مواقفها في مجلس الأمن وطرح هدنة والدعوة إلى مشروع للسلام مع الحوثيين وقوات “علي عبد الله صالح” المتحالفة مع الأخيرة جاءت بالرفض من قبل التحالف الذي تقوده السعودية، وجاء ذلك بشكل صريح باعتبار روسيا جزءًا من المشكلة وليس الحل، وذلك في استقراء بسيط للدعم الروسي لنظام “بشار الأسد” في سوريا على حساب الشعب الذي وقع ما بين المطرقة والسندان وكذلك هو الحال للشعب اليمني.

وأكد التحالف العربي حيال التحرك الروسي الذي يهدف إلى تعطيل عملية عاصفة الحزم بقرار أممي بحجة دوافع إنسانية، مشددًا على أن الرياض تهمها الناحية الإنسانية في اليمن، وأنها أعلنت استعدادها للتعاون في هذه النواحي. وبالتالي فإن سعي روسيا لإيقاف العملية قد تنتج عنه أزمة دولية، لأن التحالف يضم دولًا ذات نفوذ في المنطقة، وأن التحالف يراهن الآن على حدوث انشقاقات في الجيش اليمني تعجل بنهاية الأزمة. فيما وصف الموقف الروسي بأنه مناورة تهدف إلى إعطاء الحوثيين فرصة لالتقاط أنفاسهم، ويريدون أن يظهروا للعالم أنهم يستطيعون اللعب على الورقة اليمنية، ونصح موسكو بأن تأمر الحوثيين وقوات علي صالح بوقف القتال إن أرادت تسجيل موقف إنساني.

 

وتؤكد روسيا أن موقفها جاء لتخوفها من الإسلام السياسي والقاعدة، وبالتالي فهي تتخوف كثيرًا من أن تؤدى “عاصفة الحزم” إلى إثارة التطرف في اليمن وزيادة نفوذ المتشددين الإسلاميين، وتنظيم القاعدة أو الجماعات التي ولدت من رحمها كتنظيم الدولة (داعش) في المنطقة التي يشهد نشاطها بالفعل نموًا واضحًا وتعد فاعلًا رئيسيًّا فيما تشهده اليمن من صراعات على مدى السنوات الأربع الماضية منذ اندلاع الثورة بها.

إلى جانب ذلك إن الموقف العربي الموحد قد ينسحب على سوريا آخر معاقل روسيا في المياه الدافئة وهو ما ربط تخوف روسيا من عاصفة الحزم لأن الأخيرة جزمت على أن المبادرة بيد قوى المنطقة الإقليمية وفرضت حظرًا بريًّا وبحريًّا وجويًّا على أي دولة كبرى أو إقليمية من الممكن أن تدعم صالح أو الحوثيين.

ولا يخفى على أحد أن القوى الكبرى لا تهتم بالجوانب الإنسانية والمعايير الأخلاقية، وإنما تتخذها ذريعة لتغطية تحركاتها للوصول إلى المصالح الحيوية المضمرة كجزء من الصراع غير الصفري في المنطقة لتحقيق أعلى المكاسب أو أقل الخسائر الممكنة عبر الوكلاء من القوى الإقليمية، أو الفواعل من غير الدول الأداة الأهم في حروب وصراعات قرن الحادي والعشرين.

وبعد انتهاء عملية عاصفة الحزم في نهاية شهر نيسان وإعلان حملة إعادة الأمل للحوار مع استمرار دعم التحالف اللوجستي للقوى المؤيدة “لعبد ربه منصور” وبقاء الحظر الجوي والبحري أعرب وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف”، ترحيب بلاده بقرار التحالف العربي وقف العملية العسكرية “عاصفة الحزم” في اليمن. وإمكانية الدخول كوسيط لنهاية الحرب الدائرة على الأرض وتقديم ضمانات ممكنة للحل، وبهذا يبقى الموقف الروسي متذبذبًا وضعيفًا في هذا الاتجاه، لا سيما بعد أن أكد التحالف العربي موقفه الذي فاجأ العالم بعد الفوضى التي خلفتها ما تسمى “ثورات الربيع العربي” أو ثورات التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد