أدت الحروب التي خاضتها روسيا ضد اليابان في بداية القرن العشرين وضد ألمانيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى والهزائم التي منيت بها في كلتا الحربين إلى تدهور المعيشة وحدوث مجاعات واضطرابات وبالتالي تصدع النظام القيصري فبدأت المظاهرات والفوضى تعم الكثير من مناطق البلاد، فاضطر القيصر للتنازل عن العرش تحت ضغط الجيش وبعض الوزراء وتم تشكيل حكومة إصلاحية مؤقتة تتولى شؤون الحكم.

خلال ذلك فاز أعضاء المجالس العمالية المسمون بالبلاشفة في انتخابات اتحاد العمال وشكلوا قوة خاصة سرية معروفة باسم الحرس الأحمر استطاعت من خلال الإضرابات العمالية وأعمال الشغب ودعوة الطبقة العاملة إلى التعبئة واستمالة بعض أفراد الجيش المتململين من السيطرة على الحكم بالقوة وإقالة الحكومة المؤقتة وتشكيل حكومة جديدة بلشفية أشرفت على إجراء انتخابات للبرلمان، لكنها لم تأت بما يشتهي البلاشفة فلم يحصلوا فيها على الأغلبية وكان للمناشفة وأنصار اليمين حصة لا بأس بها فحلوا البرلمان بالقوة وخرجت المظاهرات المنددة بذلك فأطلق عليها الرصاص وسقط ضحايا وتم إصدار قرار مصادرة أملاك أصحاب الأراضي والملكيات الخاصة كالمصانع وغيرها.

اعتبر البعض ما حصل ثورة مضادة من قبل البلاشفة وانقلابًا على الشرعية من أجل الوصول للسلطة بعيدًا عن المبادئ الحزبية المتمثلة بالأرض والخير والسلام. تلا ذلك تشكيل الجيش الأبيض من أنصار القيصر واليمين البرجوازي فوقعت البلاد في حرب أهلية لمدة ثلاث سنوات بين الجيشين الأحمر والأبيض 1919 إلى 1922 لتنتهي بسيطرة الجيش الأحمر على معظم مناطق البلاد حيث قتل العديد من الطرفين ثم بدأ الجيش الأحمر بعد تمكين قبضته على الأرض من القيام بالمحاكمات التعسفية والقتل الذي طال النساء والأطفال وسمي ذلك العهد بالإرهاب الأحمر حيث إن ضحايا ذلك الحكم يقدرون بين 23 إلى 40 مليون إنسان. فبالإضافة إلى العمليات الانتقامية فمن رفض القرارات الجديدة للدولة تم تصفيته كمذبحة فلاحي الغولاك الذين رفضوا تسليم أراضيهم ضمن قرارات التأميم وراح ضحيتها حوالي عشرة ملايين من الفلاحين الأثرياء أو الإقطاعيين حسب التعبير الاشتراكي والكثير من القوميات والأعراق تم نفيهم إلى سيبيريا ليتم تأسيس دولة أوجدت مفهومًا جديدًا في العصر الحديث عرف باسم ديكتاتورية البروليتارية أي ديكتاتورية العمال، في حين أن فنلندا التي كانت تتبع روسيا وتتمتع بالحكم الذاتي خلال حكم القيصر حصل بها العكس فقد فاز بها الجيش الأبيض واستطاعت الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي بسبب ذلك.

تفرد بالحكم أحد أعضاء الحزب الشيوعي اسمه جوزيف ستالين من بيئة متواضعة كان والده إسكافيًا وأمه خادمة منازل بعد إزاحته لرفاقه داخل الحزب أهمهم تروتسكي أحد قادة الانقلاب البلشفي، يرى البعض أن ذلك الشخص قد حول روسيا من دولة زراعية كانت على شفا الانهيار إلى دولة صناعية قوية يحسب لها ألف حساب خاصة بعد الانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، فيما يراه آخرون عميد ديكتاتوريي العالم في العصر الحديث، وكان مستبدًا بلارحمة قتل الملايين من شعبه ومجرم حرب قتل ما يفوق ضحايا هتلر حتى إن زوجته انتحرت بسبب سوء معاملته وعمل مقارنة بسيطة بين فنلندا التي اتجهت نحو اليمين وروسيا اتجهت نحو أقصى اليسار نرى في الوقت الحالي من بينهما قد اختار الطريق الصحيح.

استمرت تلك الدولة بنظام الحزب الواحد الشيوعي حوالي سبعين عامًا وشاركت الولايات المتحدة في السيطرة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية ودعمت أنظمة ديكتاتورية في العالم العربي حيث كانت أشد عنفًا من الأنظمة العربية المدعومة أمريكيًا، لكن في المحصلة كانت أنظمة كل من الطرفين تحوز الحد الأدنى من رضا الطرف الآخر فوصول أصحاب التوجه الديني هو الخط الأحمر بالنسبة لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد