خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ أيام قليلة  لإعلان انضمام شبح جزيرة القرم و سيباستوبول الى الإتحاد الروسي حمل معانى كثيرة بالإضافة إلى معنى “القوة و الإرادة” , تحدث بوتين عن ملامح من تاريخ الإتحاد السوفيتي السابق و كيف كان مجبر على القبول بالتسويات الكثيرة التي تمت عقب انهياره و تخلى فيها عن أراض و أسلحة و أموال , بوتين أراد أن يقول ببساطة أن روسيا عادت و عادت معها الرغبة في استرجاع كل ما تم سلبه منها منذ عام 1990 و حتى الآن و أهمها النفوذ في المحيط الإقليمي و الدولي , قالها سابقا في جورجيا و سوريا و مصر و يقولها اليوم في اوكرانيا و سيقولها غدا في كافة انحاء اتحاد الجمهوريات السوفيتية المستقلة

بوتين تحدث عن “فظاظة” الغرب و ما عانته روسيا منه مرارا و تكرارا , و كأنه يقول أنه حان الوقت للغرب كي “يدفع الفاتورة” و يبدأ بجمع الحطب استعدادا لشتاء بارد و صيف حار قادمين عليه لا محالة .. وكأنه يتحدى اليوم أمريكا و الغرب أن تقدم على أى خطة جديدة بعد أن ألقت أمريكا و أوروبا بالورقة الوحيدة الموجودة في جعبتها و هي ورقة “العقوبات الفردية”

التحدي هنا كبير… روسيا مستمرة في التحدي الذى بدء على أراضي اوسيتيا الجنوبية و ابخازيا مرورا بحلب و حمص وصولا الى القاهرة و سمفروبل و سيباستوبول .. امريكا و اوروبا في موقف ربما يكون أصعب من موقفهم حين وجد اوباما نفسه فجأة فوق شجرة عالية اسمها “التلويح بالعدوان على سوريا” و ه] شجرة لم يكن لينزل من عليها لولا حجة الكيمياوي التي ألقاها له بوتين .. هذا الموقف الصعب يتكرر اليوم أضعافا مضاعفة

التحدي كبير أيضا بالنسبة لروسيا التي استعدت جيدا لمواجهة عسكرية مع القطاعات العسكرية الأوكرانية التي تم حشدها في الشرق و الجنوب , مواجهة عسكرية أراها مؤكدة تقريبا لأنها السبيل الوحيد المتبقي اليوم امام النازيين الجدد في اوكرانيا الذين و للمفارقة يلقون الدعم ممن كانوا يوما ألد اعداء هتلر

بوتين ببساطة أعلن اليوم قيام روسيا جديدة , ربما تكون نموذج أفضل بمراحل من الاتحاد السوفيتي السابق لأنها تجعل من حولها يرغب بشدة في الانضمام إليها على عكس الحال إبان فترة الاتحاد السوفيتي السابق , كما أن الجانب العسكري في روسيا الجديدة ايضا مختلف , فروسيا استطاعت تحويل استراتيجيتها السابقة التي تتلخص في الهجوم و الاستيلاء على المدن و الدول الى استراتيجية تعتمد على استمالة هذه الدول و المناطق لتطلب هي الانضمام الى روسيا القوية كما حدث سابقا في جورجيا و كما يحدث الأن في اوكرانيا , من الواضح ان كل الطرق تؤدى الى مواجهة عسكرية بين اوكرانيا و روسيا , ولو عدنا للوراء قليلا سنجد أن الخطة الروسية لدخول شبه جزيرة القرم كانت تعتمد على حشد قوة خفيفة الحركة و سريعة الانتشار للتحكم بالمفاصل الحيوية لشبه الجزيرة , حشدت روسيا لهذه المهمة عدة وحدات عسكرية منها:

–  لواء مشاة البحرية 810 التابع لقيادة أسطول البحر الأسود : و يتمركز هذا اللواء أساسا في سيباستوبول و كان هو عصب القوة الروسية في شبه الجزيرة و مازال حتى الآن.

–  كتيبة المشاة البحرية 727 : التابعة لأسطول بحر البلطيق و التي تم إبرارها على عجل إلى سيباستوبول ساعة الصفر عن طريق عدة سفن إنزال بحري ثقيلة تابعة لأسطول بحر البلطيق و تم تكليفها بجانب اللواء 810 بالانتشار السريع في عدة مناطق داخل شبه الجزيرة من أهمها العاصمة سمفروبل و مدينة سيباستوبول و محاصرة عدة قواعد بحرية مثل قاعدتي نوفوزيرونى و شيرنومورسكوى و و فيودوسيا و موانئ مثل كيرش بجانب مطاري فيسولى و فايونكا و إحكام السيطرة على مداخل الطريقين المؤديين إلى شبه جزيرة القرم من جهة الشمال.

– الكتيبة 76 المحمولة جوا : و التي تم إمرارها جوا عن طريق مروحيات المى 17 الروسية بحراسة من مروحيات المى 28 و المى 35 , تم الإمرار في اتجاهين الأول كان باتجاه المطار الرئيسي للمجهود العسكري الروسي و هو مطار “جيفارديسكايا” شمال عاصمة الإقليم سمفروبل , الاتجاه الثاني كان مطار كاشا العسكري غرب الإقليم , في اقل من ساعة سيطرت الكتيبة على المطارين مما سمح بوصول طائرات الأليوشن 76 التي نقلت العتاد العسكري اللازم للقوات.

– الكتيبة 45 التابعة لقوات “سبيتسناز” الخاصة و التي تم تكليفها بمحاصرة عدة مواقع مثل مطاري بيلبيك العسكري و المطار المدني الدولي للعاصمة سمفروبل و مقرات عسكرية أخرى مهمة مثل قيادة حرس السواحل الأوكراني في سيباستوبول و قيادة البحرية الأوكرانية في بالاسلافا.

– أيضا حشدت روسيا من احتياطيات قواتها الجوية حوالي 40 مروحية متنوعة ما بين المى 17 و المى 35 و المى 28 و ساهمت هذه المروحيات بشكل فعال في السيطرة على مطاري جيفارديسكايا و بيلبيك العسكريين بالإضافة إلى إعمال الدورية الجوية القتالية فوق مناطق التمركز البحرية لأسطول البحر الأسود في سيباستوبول
– كانت المشاركة البحرية الروسية مقتصرة فقط على سفن الإنزال التابعة لأسطول بحر البلطيق بجانب عمليات الدورية البحرية القتالية لقطع من أسطول البحر الأسود في نطاق قاعدتي بالاكلافا و و فيودوسيا.

– اكتفت قيادة القوات الروسية في هذه العملية بإشراك ما يقرب من 200 شاحنة عسكرية متنوعة بجانب عدد مماثل من عربات الجيب الروسية من نوع “تايجر” و ناقلات الجند المدرعة من نوعى “بى تى أر 80” و “بى تى أر 82” و عدد محدود من وحدات مدفعية الهاوتزر ذاتية الحركة من نوع 251SPH تم إنزالها في سيباستوبول و أعداد غير محددة من منظومات الدفاع الجوى “أس 400” و الدفاع البحري “ياخونت” و راجمات الصواريخ.

نستخلص مما سبق فأن القوات الروسية في 3 أيام أحكمت السيطرة على المداخل الجوية و البحرية و البرية للجزيرة و باشرت في إعمال الدوريات القتالية و التأمين الداخلي بأقل عدد من الوحدات العسكرية و صفر خسائر و صفر اشتباكات , و لكن تواجه هذه القوات تحديا مهما يتلخص في الحشد العسكري الأوكراني الكبير نسبيا في اتجاه شبه جزيرة القرم.

عمليا حشدت أوكرانيا حشدا مقاربا جدا للحشد العسكري الروسي على مستوى التعداد “حوالي 10 ألاف جندي لكل طرف” , لكنها حشدت أيضا كل ما لديها من أسلحة ثقيلة أو نوعية و هذا على عكس ما أدخلته روسيا إلى شبه جزيرة القرم , إذا فحصنا الحشد الأوكراني سنجده على الشكل التالي :

– قلب هذا الحشد هو لواء المشاة الميكانيكي المحمول جوا 95 و الذي يتمركز في إقليم “زاهيتومير” الشمالى , هذا اللواء تم رصد تحركه بكامل عتاده العسكري و آلياته “عربات بى تى أر 80 و هامفى و مدفعية ميدان بجانب أعداد من وحدات الهاوتزر ذاتية الحركة من نوع MSTA ” في اتجاه الحدود مع شبه جزيرة القرم , هذا اللواء يعتبر أول لواء في الجيش الأوكراني يعلن الولاء للقيادة اليمينية الجديدة في كييف.

– لواء مدفعى : يشمل هذا اللواء الكتيبة 27 راجمات اوراغان و الكتيبة 107 راجمات سميرتش بجانب كتائب مدفعية ميدان D30 , يتمركز هذا اللواء أساسا في مقاطعة “زابوروجى” القريبة جدا من القرم و تحرك فعليا من مواقعه و تم رصده على بعد اقل من 100 كم من الحدود مع القرم.

– أيضا حشدت أوكرانيا لوائي دبابات هما اللواء 28 المتمركز في مقاطعة “اوديسا” و الذي تحرك منذ أيام على متن الناقلات في اتجاه القرم , واللواء 72 المتمركز في بيلاتسكريفا و الذي تم تحمليه على عدة قطارات عسكرية في اتجاه الحدود مع القرم.

– من ضمن المجهود الحربي الأوكراني فوج مشاه ميكانيكي تم تشكيله في مدينة “لفيف” أقصى الغرب تحت اسم “الفوج 80” و تم إرساله أيضا في اتجاه الحدود مع القرم على ناقلات , يحتوى هذا الفوج على ناقلات جند مدرعة من نوعى بى أم بى 1 و بى تى أر 80 , أيضا حشدت أوكرانيا أعداد من وحدات الدفاع الجوى من نوعى “أس 300” و “بوك ام1” بجانب تنفيذ دوريات قتالية جوية عن طريق اللواء الجوى التكتيكي 831 المتمركز في مقاطعة “بولتافا” و يحتوى على أعداد من مقاتلات السيادة الجوية “سوخوى 27”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد