خلفية

تدخلت روسيا في الأزمة السورية عسكريًّا بشكل مباشر، بعد أن كانت تكتفي بالدعم اللوجستى وإدارة الأزمة من الخلف. تدخلت في هذه الأزمة محملة بالعديد من الدوافع، من أهمها إدراكها أن الدعم غير المباشر لنظام بشار لن يكون كفيلًا لبقائه متماسكا، فقبل هذا التدخل كان نظام بشار في قمة ضعفه.

بيد أن السياسة الدولية تتميز دائما لاسيما في مثل هذه الأزمات الإقليمية والدولية بالتشابك والتعقيد، ومن ثم تكمن وراء هذه الدوافع دوافع أخرى تفوقها في الأهمية والمحفزات. فبوتين الذي يحاول جاهدًا إعادة روسيا لسابق مجدها في الساحة الدولية، فبعد أن كانت قيصرية ثم سوفيتية لينينية وستالينية بوصفها قوةً عظمى، تحولت لروسيا جورباتشوفية ويلتسينية الدولة المنكفأة على ذاتها التي لا يتعدى تأثيرها حدودها، بل وأصبحت الولايات المتحدة تلعب كما تشاء في حديقتها الخلفية الجغرافية وفي مناطق نفوذها التقليدية.

ومن ثم فبعد العزلة الدولية على روسيا جراء الأزمة الأوكرانية، أرادت روسيا أن تجبر الغرب على الانفتاح عليها والجلوس معها والاعتراف بدورها الإقلميي والدولي، كما يمكن أن تستخدم تدخلها السياسي والعسكري في الملف السوري كورقة مساومة مع غيرها من الملفات الإقليمية والدولية خاصة الملف الأوكراني.

أيضًا ترغب روسيا في أن يكون لها كلمة عليا في مفاوضات تحديد مصير سوريا سواء ببشار أو بدونه. كما خشت بأن يؤدي إسقاط بشار وهي تقف موقف المتفرج على سقوط آخر معاقلها في منطقة الشرق الأوسط، بما يؤدي لخسارة قاعدتها العسكرية في طرطوس التي تؤمن لها موطئ قدم على المياه الدافئة بالمتوسط.

تدخلت روسيا عسكريا وحفظت نظام بشار من السقوط، وضمنت بقاءه بدرجة تكفي لتقوية موقفه في المفاوضات مع المعارضة وموقفها تجاه خصومها الدوليين فيما يخص التنافس على مناطق النفوذ. بل والأهم من ذلك أن مع تدخلها عسكريًّا في سوريا أقامت قاعدة عسكرية جوية أخرى في حميميم باللاذقية، وبعد قرار تركيا غير المحسوب وغير العقلاني بإسقاط طائرتها نشرت منظومة الصواريخ الدفاعية إس 400 لتصبح سوريا تحت السيادة الجوية الروسية، هذا فضلا عما تردد عن إقامتهم قاعدة عسكرية بالشعيرات بعد إسقاط الطائرة.

ومن ثم أمنت روسيا موقعها الجيواستراتيجي في سوريا. سواء من خلال موقفها القوي والمتماسك في مفاوضات جنيف ليس فقط لتقويتها نظام بشار، ولكن للتوافق الأميريكي معها في هذا الملف. وكذلك من خلال تمركزها العسكري في سوريا خاصة منطقة الساحل التي تضمن لها مكان في المياه الدافئة بالبحر المتوسط وهو مطلب استراتيجي دائما ما سعت إليه. كما ضمنت بأن يكون لبشار أو من يخلفه دويلة صغيرة في سوريا الفيدرالية إن أصبحت خيارا واقعا في منطقة الساحل التي هي الأهم استراتيجيًا بالنسبة لها.

قرار الانسحاب

من ثم فإن القرار الروسي المفاجئ بسحب قواتها من سوريا، وفي ضوء ما تقدم يمكن فهمه وتحليله في إطار عدة تحليلات ترتبط كل منها بسيناريوهات ومسارات مختلفة كالتالي:

التحليل الأول

مراوغة من بوتين أثناء انطلاق مفاوضات جنيف؛ ليظهر أمام الجميع وكأنه الساعي إلى السلام والحل السياسي والمعارضة هي من تعرقل هذه الجهود، خاصة مع ما تردد عن خرق القوات الروسية للهدنة (المزعومة). ما يؤكد ذلك أن مع انسحاب هذه القوات فإن هناك قواعد عسكرية روسية مستقرة في سوريا يمكنها استكمال المهمة، هذا فضلًا عما تردد بأن القوات الروسية التي أرسلت بالفعل لسوريا تكفي بزيادة  لأداء مهمتها، وبالتالي هناك فائض في هذه القوات ومن ثم الانسحاب الجزئي قد لا يغير من المعطيات شيء.

التحليل الثاني

ضغط على بشار من أجل الرحيل خاصة بعد أن بات جزءًا أصيلا من المشكلة، وبالتالي لن يكون جزءًا من الحل. ما يؤكد ذلك الخسارة التي تخسرها روسيا اقتصاديًا بسبب هذا التدخل، تصل في بعض التقديرات لـ6مليون دولار يوميًا، أضف إلى ذلك ضمان روسيا لمصالحها في سوريا خاصة بعد زيادة تواجدها وتمركزها العسكري خاصة في منطقة الساحل ذات البعد الاستراتيجي لها، كما أن ارتباطها ببشار ليس ارتباطًا أيديولوجيًا بل مصلحيًا ومن ثم لا ضرر في استبداله بشخص آخر يحفظ لها مصالحها، والأهم من كل ذلك تسليم أميركا بنفوذ روسيا في سوريا وهو ما يؤكده التوافق الكبير بين موقف البلدين المتقارب لحد كبير في المفاوضات.

التحليل الثالث

خطوة تمهيدية لتنفيذ سيناريو التقسيم سواء في شكل سوريا الفيدرالية أو أي شكل آخر تكون فيه سوريا مقسمة جغرافيا على أساس النفوذ الدولي والإقليمي. وفي تلك الحالة فإن روسيا تدخلت من أجل ضمان وترسيخ وتحديد حدود لجزء من هذه الدولة الفيدرالية أو المقسمة، وهي دويلة الأسد أو الجزء الخاص بنظام بشار على الساحل السوري وهي الأهم لروسيا، وبعد أن انتهت من هذه المهمة قامت بسحب قواتها مع ترك قواعدها العسكرية؛ لأنها قواعد استراتيجية لا ترتبط بالتدخل العسكري وخروجه.

مستقبل الأزمة السورية ومساراتها

في إطار هذه التحليلات الثلاثة والتي يرتبط كل منها بمسار مستقبلي مختلف، يمكن فهم وقراءة القرار المفاجئ الذي اتخذته روسيا، ولكي نحدد ما هو التحليل الأنسب والمسار المرجح لهذا التطور المهم، لابد أن ندرك أن ما هو قادم في المستقبل القريب جدًا سيحدد التحليل الأنسب لهذا القرار المفاجئ والمسار المرجح لمستقبل هذه الأزمة:

فبالنسبة للتحليل الأول الخاص بأنه مراوغة وخطوة تكتيكية خادعة أثناء محادثات جنيف، إن صح هذا التحليل فإن الخطوات القادمة عودة لجزء من القوات مرة أخرى ومن ثم استكمال ضرباتها الجوية، أو عدم عودة القوات واستكمال الضربات من خلال القواعد والقوات الروسية التي ما زالت موجودة على الأراضي السورية، وفي تلك الحالة فإن الأزمة السورية ستزداد تعقيدًا وهو ما يطيل أمد الأزمة.

بالنسبة للتحليل الثاني بأنه ضغط على بشار من أجل الرحيل، إن صح هذا التحليل فإن الخطوات القادمة عدم عودة لهذه القوات، ويتبعه تصعيد في الخطاب بين الجانبين (بشار وروسيا) قد يؤدي لانسحاب مزيد من القوات دون المساس بالقواعد العسكرية، قد يؤدي في النهاية للتوصل لحل سياسي بدون بشار مع ضمان المصالح الروسية، خاصة وأن مصير بشار بات مرهونا بالدعم والموقف الروسي سواء دعما عسكريًّا مباشرا وغير مباشر أو دعما سياسيًّا في المفاوضات أو دبلوماسي باستخدام حق الفيتو، لكن في إطار هذا السيناريو تطرح العديد من الأسئلة متعلقة بالموقف الإيراني ونفوذها في سوريا بعد الأسد وموقف الأطراف الإقليمية الأخرى كالسعودية وتركيا، لكن المؤكد أن هذا السيناريو هو الأقل سوءًا للشعب السوري!

بالنسبة للتحليل الثالث بأنه خطوة تمهيدية لتنفيذ سيناريو التقسيم الفيدرالي، إن صح هذا التحليل فإن الخطوة القادمة هي دخول لقوات برية تركية وسعودية للشمال السوري؛ لضمان جزء تابع لنفوذهما في سوريا المقسمة، وبالأخص تركيا الذي هو أمر يدخل في صميم أمنها القومي من وجهة نظرها، وفي تلك الحالة فإن الشمال السوري سيقسم لقسمين جزء تابع للأكراد وآخر تابع لتركيا والسعودية، هذا بالإضافة لدولة علوية وأخرى داعشية، وقد تزيد الدويلات عن ذلك، الجديد في هذا السيناريو أن التدخل التركي السعودي سيكون بموافقة دولية أمريكية روسية خاصة بعد أن ضمنت روسيا مصالحها في دويلة الأسد كما لا تمثل سوريا أهمية كبيرة في الاستراتيجية الأمريكية فليست من مناطق نفوذها التقليدية.

السيناريو الأقرب من وجهة نظري هو السيناريو الثالث سيناريو التقسيم يؤكده الموقف الدولي والإقليمي المؤيد لهذا الانسحاب، وغياب لغة التصعيد في خطاب الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة في سوريا وكأن سيناريو التقسيم بات متفقًا عليه من الجميع، يليه في الترجيح وقد يساويه السيناريو الأول، سيناريو الخطوة التكتيكية الخادعة خاصة مع تواجد قوات عسكرية روسية وقواعد عسكرية تابعة لها تستطيع استكمال مهمة الضربات الروسية، وأخيرًا السيناريو الأبعد من وجهة نظري هو السيناريو الثاني سيناريو الضغط على بشار أستبعده لحد كبير تؤكده تصريحات الجانبين بعد هذا التطور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد