بدأ حديثنا بسؤاله لي عما إذا كنت أعرف معهدًا لتعليم اللغة الفرنسية، حاولت أن أساعده قدر الإمكان، سوري مقيم في فرنسا منذ مدة قصيرة طموح ويسعى للوصول إلى أهدافه التي رسمها بعد مجيئه لفرنسا، لأن أهدافه التي حققها في سوريا أصبحت أثرًا بعد عين، بعدما تمزقت سوريا وقسمت إربًا إربًا وغدت هدف القاصي والداني.

 

في البداية وككل مغترب جاء وحيدًا لأوروبا، اشتكى لي من صعاب الغربة، ومآسيها وبالتحديد إذا لم يكن الفرد متقنًا للغة البلد الذي يقيم فيه أو قرر على الأقل أن يبدأ فيه حياة جديدة.

 

أخذنا الحديث إلى الخوض في بحر ثورات الربيع العربي وما كان بوسعي إلا أن أساله عن نظرته لها ولمآلاتها، لم أتجرأ على سؤاله مباشرة عن مسار ثورة سوريا، بل بدأت معه بالتدرج من ثورة الياسمين التونسية وما آلت إليه فكان حكمه بالفشل عليها كما جميع المعارضين بل اعتبرها فوضى عارمة ذات أهداف مجهولة لغياب التوحد في الرؤية.

 

أما عن ثورة سوريا فلم يكن رأيه مفاجئًا لدرجة أنني شعرت من خلال حديثه عن الثورة السورية وكأنه كان يقرأ على مسامعي خطابًا مقتطفًا من خطابات الأسد إذ لم يتوقف عن اتهامه لأبناء درعا وداريا وحمص وحلب بالإرهاب واستخدامه لكلمة الشبيحة التي تعد من الكلمات الأكثر استخدامًا على لسان الأسد.

 

بدأ عرض وجهة نظره في سوريا ما قبل الثورة، محاولًا المقارنة بين الوضعين لإقناعي بأن سوريا كانت جنة قبل الثورة، كما لم يكف عن ذكر محاسن الأسد الأب والابن معًا ومواقفهما البطولية في المنطقة لتصل إلى الفرس والروس وأكد أن صداقة الروس قديمة وعلاقات البلدين متينة قائلًا: “بالزمانات حاولت أوروبا الاستغناء عن الغاز الروسي واستبداله بالإيراني وتمرير أنابيبه من سوريا لكن الأسد رفض ذلك لأن علاقاته بالروس قوية منذ أيام حافظ الأسد”، وأضاف أن حافظ الأسد كان يمد روسيا بالقمح دون مقابل فلم ينكر الروس جميله.

 

فعلًا لا يكاد المتابع للشأن السوري إلا أن يلحظ وقوف الروس إلى جانب بشار الأسد، ومساندته في محنته التي لم يتوصل المسؤولون الدوليون لحل لها حتى الآن.

 

إذ في كل مرة يوشك الأطراف على إيجاد حل مشترك، يخرج الدب الروسي علينا معلنًا أن “لا سورية دون الأسد” لتبرير موقفه بأن الإطاحة بنظام الأسد تعني استيلاء الجماعات الإرهابية على السلطة الشيء الذي يقود البلاد إلى المجهول، مع أن الجميع  يرى في أن المشكلة السورية تتجه نحو المجهول بوجود الأسد من عدمه.

 

لطالما اتسم الروس بالوفاء بوعودهم على نقيض الأمريكيين الذين وقفوا إلى جانب المعارضة، في بدايات الثورة وأصروا على أن يتنحى الأسد عن الحكم، لأن نظامه أصبح فاقدًا للشرعية بيد أن تعنت هذا النظام أكسبه شرعية زائفة وزائدة بعيون واشنطن وحلفائها.

 

كل الحلول التي اقترحها الإبراهيمي فديميستورا، لا تتناسب مع طبيعة الأزمة القائمة.

 

اختلفت المبررات والضحية واحدة، الشعب السوري الذي تقطعت به السبل تتقاذفه أمواج المتوسط والسياسات الأوروبية.

 

وحتى وإن وجد حلًا، سيقف الفيتو الروسي في وجهه لوفائه بوعود روسيا للأسد التي لن تتخلى عنه كما الإيرانيين بعد اتفاقهم المزعوم مع واشنطن حول البرنامج النووي.

 

ومن يمدح روسيا وإيران، لا غرابة في أن يذم تركيا ويصفها بمعبر الشبيحة والمقاتلين الأجانب الذين يقاتلون مع الجماعات المسلحة التي تصف نفسها بالجيش الحر، لا منفذ لسوريا عدا تركيا، وكأن لا حدود لسوريا مع إيران والعراق والأردن.

 

لا أمل يلوح في الأفق، الغرب لا يرعى سوى مصالحه في المنطقة، وسوريا الشعب، سوريا الثورة، سوريا الوطن، أصبحت كرة في ملعب سياساتهم، يقذفها الروس والفرس والأمريكيون حيثما تناسب الحل المطروح مع مصالحهم تلك الاقتصادية بالذات.

 

أما العرب فلا كرة لهم ولا ملعب، بل في ذيل القافلة لا يفلحون سوى في التنديد والاستنكار والقلق أحيانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد