أحدهم قال لي ذات مرةٍ: إن الزمان حلقة مُفرغة، مهما ما فعلته أو تفلعه سوف تفعله مُجددًا مرارًا وتكرارًا!

راست كول… بداية قبل الشروع فى المراجعة – ولأني أكره أولئك الأشخاص – المراجعة تحتوى على حرق للأحداث، فإذا كنت من الشاذين عن القاعدة، وتحب الحرق وتريد أن تكمل المراجعة فلا بئس، أما إذا أنهيت المسلسل فدعونا سويًا ننطلقُ في رحلة؛ لسبر أغوار شخصية أسطورية تم تقديمها مؤخرًا على التلفاز في المسلسل الدرامي الشهير true detective، ألا وهي شخصية راست كول.

الجميع – بما فيهم أنا – يظنون أن الفلسفة – وتحديدًا التي تم تدريسها لهم – ليست بذات فائدة، هو مجراد هراء من أناس يتملكهم الفراغ الشديد، ومن ثم يطلقون أفواههم بحرية كبيرة، ليثرثروا كيفما شاءوا، والنتيجة هي تصديع أذهاننا بكلام مرغمين على حفظه، ومن ثم رميه في ورقة الامتحان!

أما مع شخصية بطلنا فيختلف الأمر كثيرًا، الفلسفة لديه منهاج حياة، هى المنارة التي تهتدى إليها سفينته العقلية، راست – في تعريف لنفسه – قال: إننى من المنظور الفلسفي، يُطلق علي مُصطلح المتشائم! إذا قبل الدخول لعقل راست، يجب علينا أولا أن نفهم ما هي فلسفة التشاؤم، وحسب معلوماتي القليلة عنها، يمكن أن نقول إنها الفلسفة التي دعا إليها الفيلسوف الألماني الشهير آرثر شوبنهاور، آرثر الذيي عاش حياته في كنف العزلة والوحدة، لا يواسيه سوى كلبه، كان يُماثل راست في أشياء كثيرة، أولها هو حب الوحدة والابتعاد عن الضوضاء والصخب، كل ذلك جعله يقول: إن ذكاء الرجل يُقاس بمدى انعزاله عن البشر! ىرثر دعا إلى تركُ الحياة الزائفة التي يحياها البشر؛ لأن في رأيه أن الحياة في حد ذاتها مأساة كبيرة! لذلك يدعو إلى عدم الإنجاب وإقحام المزيد والمزيد من الأطفال في نار الحياة! وهذه أيضًا حقيقة عبر عنها راست في حديثه الأول مع موراتي: أعتقد أن الوعي البشري هو خطأ في التطور، نحن مخلوقات كانت يجب أن لا توجد، لذا يجب علينا أن نمسك بأيدي بعضنا البعض، ونتجه نحو الانقراض! ولكن ما السبيل للهرب من حياة زائفة كتلك؟ يقول آرثر أن هناك سبيلين هما الفلسفة والفن، وفي حالة راست فقد انتهج الفلسفة كما قلنا كطوق نجاة له من الحياة الزائفة، ففضل الانعزال والكتب والمعرفة، ولكن دفعه عقله المتطور – بفضل الفلسفة – إلى إيجاد معنى له في الحياة، تمثل المعنى في حل قضايا جرائم القتل، بعد حياة عصيبة مرّ بها راست، وبعد فقدانه لابنته وخسارة زوجته، يرجع إلى معترك الحياة من خلال قضايا عجيبة، مرتبطة كلها ببعضها البعض، ولا يكتشفها سوى مُحقق فذ مثل راست!

ما جرى في المسلسل الكل يعرفه، ولكن دعونا نسأل انفسنا، ما الهدف الذي يرمي إليه المسلسل؟ أعتقد أن هدفه العلم والمعرفة في مواجهة الجهل والعادات والتقاليد، مواجهة الخير والشر، مواجهة الظلام والنور، مواجهات شتى بين ضدين مُختلفين تدور حولهما الحياة بأسرها!

العلم والمعرفة في مواجهة الجهل: راست – وكما أحب أن أسميه – شخصية تفكيكية! يتميز بعقليةٍ نقديةٍ فزةٍ، جعلته أيضًا مُحققًا فذًا، راست في أحد حوراته مع مشاهده يُفكك عُلبة المشروب الغازي، ومن ثم يقوم بإعادة هيكلتها إلى شيء جديد، أدعوكم أعزائى القراء أن تُعيدوا تلك الحوارات التي تُلازم المشاهد الذي يقوم راست بفعل فيها تلك الحركة؛ لأن الفلسفة المطروحة في تلك المشاهد وجودة الحوار وروعته، صعبة وعصية جدًا جدًا، على أن تُدركها الكلمات، ما بالك بكلماتِ فقيرة مثل كلماتي!

الخير في مواجهة الشر، الظلام في مواجهة النور: ربما بعض الأشخاص لم تعجبهم نهاية المسلسل، ولكن عليك أن تركز على الحديث الذي جرى بين مارتي وراست، لتفهم ما هي الرسالة الأساسية للمسلسل، إنها رسالة الظلام والنور الخير والشر، سوف يعود الظلام من جديد، ولكن أينما وجد ظلام سوف يُوجد نور؛ لأنه كما قلنا إن الزمان حلقة مُفرغة مهما ما فعلته او تفعله سوف تفعله مجددًا!

ولكي لا أطيل عليكم، نختتم المراجعة باقتباس لخّص الشخصية الأسطورية التي قدمها لنا ماثيو ماكونهي – ولا ننسى أيضًا دور وودى هارلسون! شخصية عرفت نفسها، وبالتالى عرفت العالم؛ لأنه قديمًا قالوا من يعرف نفسه يعرف الناس، ومن ثم العالم أيضًا! هذا ما حصل مع راست، ليخرج لنا شخصية فلسفية جدلية بامتياز، لا يُشبع عطشها سوى حب المعرفة!

بعد كل ذلك العمر، أعرف من أكون، وأعتقد أن في ذلك انتصارًا لي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد