رواة: منصة صوتية أنشأها شباب في مصر يتحدثون العربية ويلقون الشعر ويقرؤون المقالات. وفي رمضان الماضي كان لهم مسلسل صوتي بعنوان أمة الصحراء فيه من الشعر وأيام العرب وحسن الإلقاء والمؤثرات ما يرهف نفس المستمع. خلال فترة قصيرة ذاع صيت هؤلاء الرواة بين الشباب وأصبح متابعوهم في كل مكان، رقق الرواة نفوس الشباب، أبكوهم وأشعلوا نير الوجد في العشاق منهم، وأصبح حلم الانضمام إلى قافلة الرواة حلمًا عربيًّا في الكرى أو خلسة المختلس.
في الشهر الماضي أقامت رواة مسابقة تفتح فيها الباب لانضمام راوٍ جديد.

توقعت أن المسابقة لن يتقدم إليها كثير من الشباب، فحالة البلاد والمستوى الثقافي العام في القاهرة لا يبشر بكثير من العربية، إلا أنه عند انضمامي إلى صفوف المتسابقين في المرحلة الأولى وعند إعلان الرواة القائمة النهائية للمتقدمين، تعدت هذه القائمة الستين شابًا بين محترفٍ وهاوٍ. صدمني الرقم فالحمد إليك إلهي أن لم تنزع من القاهرة لغتها؛ بل بقي من يقدرها وإن تعلم بعضنا الإعراب في مدرسة أمريكية.

أثناء عودتي إلى المنزل البارحة لاحظت أن سماعات المقهى المجاور تصيح بـ«أصابك عشق أم رميت بأسهم» للمغني السعودي عبد الرحمن محمد.

مشكلة العزلة المجتمعية لـ«مثقفي مصر»

أدى انفصال الطبقة المثقفة من الشباب في مصر بعضهم عن باقي المجتمع وانحسار روتين حياتهم في مجموعة صغيرة من المعارف المشابهين لهم في كثير من الصفات إلى اعتقاد عام غير مبني على إحصاء أو دراسة مجتمعية من أي نوع أن المجتمع من حولنا هو غابة من الأغاني الشعبية البذيئة، وحولها الكثير من الظلام وتراب كثير على رفوف الكتب العربية.

قد يعزى هذا الاعتقاد بصورة ما اإلى الحالة المجتمعية في مصر بعد 30 يونيو (حزيران)؛ إذ منعت الجمعيات الأهلية ويتم تغيير اللائحة الطلابية بصورة متكررة لضمان عدم ظهور أي تجمع طلابي غير خاضع للدولة، بالإضافة إلى التضييق على الأنشطة الثقافية بصورة عامة، فلم يعد من وسيلة اتصال بين الشباب المهتم بالثقافة سوى اللقاءات في معارض الكتاب وبعض الندوات هنا وهناك.

يجب أن نضع في الحسبان ان مثل هذه اللقاءات ليست متاحة للكل، إما لضيق وقت الكثيرين الذين اضطرتهم الظروف الحالية إلى الالتفات لما يجلب المال عن ما يجلب العربية، وإما لبعد المسافة عن القاهرة، وإن حدث وكانت الندوات في المحافظات فهذا يعيدنا إلى نقطة الانفصال المجتمعي، واكتفاء كل مجموعة بتواصلها الضيق، ثم اتهام باقي المجتمع بالعشوائية والأغاني الشعبية، أما ما فعله الرواة من وصل بين شتات هذه المجموعات على الأقل علمنا أن هناك آخرين يهتمون للعربية وبلاغتها.

أسبوع اللغة العربية

حلقة وصل أخرى بين عرب الفصحى تمت من خلال صفحات التواصل الاجتماعي في أسبوع اللغة العربية، إذ تنافس الشباب على التحدث بالفصحى ونشر المقالات والأشعار واللطائف حتى تحولت صفحاتنا إلى ندوات في البلاغة وأدب اللغة، ثم توج هذا الأسبوع بتعاون أخرج لنا فاعلية أسبوع اللغة العربية التي تمت في بيت السحيمي التاريخي بقاهرة المعز.

أبرزت هذه الندوات والصفحات تعطش الشباب للذوق الراقي، وملل شريحة كبيرة في المجتمع من الإسفاف المنتشر في قنوات التلفاز المصرية التي لا يرونها تمثل مجتمعهم حقًّا، إن هذا النشر المتعمد للإسفاف يساهم هو أيضًا في نشر الاعتقاد الخاطئ بعموم الانحطاط الثقافي في مصر، ويرسخ هذا الاعتقاد داخل البلاد وخارجها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القاهرة, رواة, مصر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد