في الوقت الذي اتجهت فيه أنظار العالم في شهر أبريل (نيسان) من سنة 1994 نحو جنوب أفريقيا، التي شهت آنذاك أول انتخابات عامة وتعددية وضعت حدًّا لنظام الفصل العنصري، ومهدت لمجموعة من التحولات السياسية في مجموعة من البلدان الأفريقية، أدار العالم وجهه تمامًا عن واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية عبر التاريخ في بلد يسمى رواندا.

قبل هذا التاريخ لم يكن الكثيرون يعلمون شيئًا عن هذا البلد، الذي يطلق عليه كذلك بلد الألف تلة ومنبع نهر النيل، والذي يقع بشرق أفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى الأفريقية لشرق وسط أفريقيا. وحصلت رواندا على استقلالها في بداية الستينات من القرن الماضي، إذ كانت إلى جانب بوروندي مستعمرة ألمانية قبل أن تضعها الأمم المتحدة تحت الانتداب البلجيكي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وتتكون رواندا من تيارين قبليين هما الهوتي الذي يمثل نسبة 80% من ساكنة رواندا، وقبائل التوتسي التي تمثل 20% من الساكنة، غير أنها هيمنت على البلاد لفترة طويلة. وطيلة عقود شكلت رواندا مسرحًا لصراع دموي بين الطرفين ساهمت تدابير الانتداب البلجيكي في تفاقمه، وفي نهاية الخمسينيات من القرن الماضي أطاحت قبائل الهوتو بحكم التوتسي، وفر عشرات الآلاف منهم إلى دول مجاورة من بينها أوغندا وأسسوا حركة تمرد سميت بالجبهة الوطنية الرواندية، كان من أبرز قادتها بول كاكامي، وهو الرئيس الحالي لرواندا، والتي غزت رواندا عام 1990، واستمر القتال إلى أن أبرم اتفاق سلام عام 1993 .

وفي السادس من أبريل سنة 1994، سقطت طائرة الرئيس الرواندي آنداك جوفينال هابياريمانا، ومات كل من فيها، لتبدأ فصول حرب إبادة جماعية لم يشهد التاريخ مثيلًا لها. ففي أقل من 100 يوم قامت أغلبية الهوتو، بذريعة تورط التوتسي في مقتل الرئيس الرواندي، بقتل ما يزيد عن 800 ألف شخص من التوتسي بواسطة المناجل، من بينهم أطفال، ونساء، وشيوخ، جنبًا إلى جنب مع الهوتو الذين كانوا يرفضون المشاركة في القتل.

Embed from Getty Images

صورة لعظام وجماجم ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا

بعد ربع قرن من هذا الحدث وما خلفه من صدمات ومحن إنسانية لدى الشعب الرواندي، استطاعت رواندا النهوض والانبعاث من جديد من رماد تجربتها القاسية، وتضميد جراح الماضي بقدر كبير من النجاح. وببحث بسيط على الإنترنت ستنذهل من المؤشرات التي حققها هذا البلد على مختلف المستويات، إذ أصبحت أحد أسرع الاقتصادات نموًّا في العالم في العشر سنوات الأخيرة، وهو ما أدى لانخفاض معدلات الفقر بهذا البلد بأرقام قياسية، وارتفع أمد الحياة من 48 سنة إلى 64 سنة، وتقدمت كثيرًا في مؤشرات الشفافية والحكامة، إذ احتلت سنة 2015 الرتبة 44 عالميًّا متقدمة على دول كثير من قبيل إيطاليا والبرازيل، وبلغت نسبة تمثيلية النساء في البرلمان رقمًا قياسيًّا هو الأول في العالم بنسبة 64% غداة آخر انتخابات تشريعية عرفتها رواندا سنة 2013.

كيف تمكنت إذن رواندا من تحويل أزمتها إلى فرصة للنجاح؟

الفضل يعود بقدر كبير إلى تدابير المصالحة، التي وضعتها حكومة الوحدة الوطنية التي حكمت البلاد بعد الأزمة، وتستند هذه التدابير إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «غاكاكا»، إذ يجتمع سكان القرية بعيدًا عن المحاكم التقليدية ليشهدوا على عمليات الاعتراف وشهادات ضحايا المذبحة، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

بعد انطلاق عمل محاكم «غاكاكا» سنة 2002، والتي تجاوز عددها 12 ألف محكمة في كل القرى والأحياء برواندا، والتي تضم قضاة يختارهم السكان، أصدر بول كاغامي -وقد صار رئيسًا للبلاد- مرسومًا يقضي بالعفو عن كل مدان يعترف بجريمته، شرط أن يغفر له أقارب ضحاياه. وهو ما جعل الآلاف من الضحايا والجناة يعيشون متجاورين في قرى المصالحة الممتدة عبر أرجاء رواندا.

Embed from Getty Images

صورة مركز ذاكرة الإبادة الجماعية- كيغالي العاصمة

نايوجيرا واحدة من ضحايا هذه المجزرة، تربطها وجارها تاسيان نكيندي صداقة متينة، ولكن قبل 22 عامًا، في ذروة الإبادة الجماعية في رواندا، قتل نكيندي تقريبًا كل عائلة نايوجيرا وتركها وإخوتها معرضين للموت. صرح نكيندي لجريدة الجارديان البريطانية سنة 2017: «أنا ممتن جدًّا لها، فمنذ أن راسلتها من السجن، معترفًا بجرائمي وطالبًا الصفح منها، لم تدعني أبدًا بالقاتل، والآن غالبًا ما أقوم بترك أطفالي معها حينما يكون لدي عمل بعيد عن القرية، لقد قامت بإخلاء سبيلي».

وبالتالي نجح هذا النظام الذي يقوم على فكرة الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه، بدلًا من فكرة القانون والعقاب، إلى حد كبير في تحقيق الاستقرار، وتعزيز العيش المشترك برواندا، وهو ما شكل أرضًا خصبة لإقلاع اقتصادي وسياسي بهذا البلد رغم المؤاخذات التي سجلت على حكم كاغامي، الذي يتجه اليوم نحو الاستبداد والهيمنة على الساحة السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات