سكت الناس، ومن تحدث تحدث إلى نفسه، ومن أراد النحيب دخل دورة مياه لتنزل دموعه مع فضلاته، ثم خرج ليرقص للسلام.

 

 

وهم قتلوك ودفنوا معك الحادثة، هكذا اعتقدوا يومها، لكن الحقيقة أن جميعنا دُفِن وما بقي هو تناحتنا.

 

 

 

18 فبراير 1980

كان الشتاء يقرص الناس ببعض برده، وكان الناس يعرفون ما سيجرى، لكن لا أحد تخيل حدوثه فعلا.

 

 

 

ولعبت وسائل الإعلام دورها الاعتيادي في التهليل، بل ويومها اشترك التليفزيون المصري والإسرائيلي في بث احتفالات رفع العلم الإسرائيلي على أول كيان دبلوماسي بأرض عربية، في القاهرة.

 

 

 

وكان على الناس أن ينسوا الحرب والدم كما أمرتهم الدولة.

 

 

 

وكان على الناس أن يفرحوا كما أمرتهم الدولة، فالسلطة تحتاج الانفتاح، والانفتاح يحتاج السلام والسلام يحتاج تناحة الشعب.

 

 

 

لكن المواطن سعد إدريس حلاوة لم يستوعب أوامر الدولة.

 

 

 

لماذا يضطر لذلك؟

 

 

 

لماذا عليه نسيان الهزيمة والانتصار والدم؟ لماذا يضطر لنسيان التاريخ لبناء مستقبل؟

 

 

 

وظل أياما يطارده صوت المذيع الذي يصف مراسم رفع علم إسرائيل، وبُقع الدم تتسع وتنهش فيه وحده.

 

 

 

26 فبراير 1980

عقد السادات رابطة عنقه، كما عقد أعناق الكثيرين، ونظر في المرآة ليتفرس أناقته، ثم إلى قصر عابدين اتجه ليستقبل إلياهو بن أليسار أول سفير إسرائيلي في مصر ليقدم أوراق اعتماده بموجب معاهدة السلام الموقعة عام 1979.

 

 

 

أما سعد، فلم يتحمل الدم المتجلط برابطة عنق السادات.

 

 

 

وعفويته وطهارته وساذجته صورت له أن احتجازه رهائن بالوحدة المحلية، التابعة لقريته أجهور بمحافظة القليوبية، سيمثل تهديدا وإجبارا لوقف المهزلة.

 

 

 

وبينما السيد يبتسم ابتسامة عريضة للسفير الصهيوني، حمل سعد المزراع ذو الثالثة والثلاثين عاما حقيبة جلدية بها سلاح آلي وراديو وعدد من شرائط الكاسيت التي تحمل في أحشائها أغاني وطنية وخطب جمال عبد الناصر، وأيضا بعض طعام لمن ينوي احتجازهم، ثم ركب دراجته البخارية متجها إلى الوحدة المحلية.

 

 

 

ورغم سلاحه، لم يصدق موظفو الوحدة ما يفعله سعد المعروف بهدوئه، وهرب الجميع من المبنى الحكومي دون رد فعل من المُسلح.

 

 

 

وبقى اثنان فقط من الموظفين أربكهم الموقف، ليصبحا رهائن سعد.

 

 

 

وعبر مكبر للصوت، تحدث سعد لأهالي قريته عن بقع الدم وأنه ليس شريرا وأنه ليس مجرما وأنه إنسان، وأنه لن يتراجع إلا بعد سماعه بيان من السادات يتراجعه فيه عن التطبيع، ثم أدار أغاني وطنية.

 

 

 

وخلال ساعات، تمدد خبر احتجاز الرهائن من القرية الصغيرة التي تبعد عن العاصمة حوالي 40 كيلو متر إلى وكالات الأنباء.

 

 

 

 

وتحرّج الرئيس المؤمن الداعي لأخلاق القرية من فعلة الشاب القروي والفضيحة العالمية، وشعور الحرج شيء قاسي جداً على الأسياد.

 

 

 

وأنت يا سعد لم تكن شيئا عند رجل الحرب والسلام، أنت مجرد جرثومة خاف الرئيس أن تتسع عدواها في البلاد ويخرج الملايين احتجاجا على أفعاله.

 

 

 

أنت مزارع لا يعرف سوى حمل الفأس ولو كنت تحمل سلاح خائن ربما لإلتفت لك وعقد إتفاقية معك؛ لذا تحركت قوات الأمن بتوجيهات من وزير الداخلية النبوي إسماعيل، وحٌصرت الوحدة المحلية بأكوام من السيارات المصفحة.

 

 

 

ومع الظلام وتوسلات والدة سعد الواقفة أمام المبنى؛ ألقى سعد سلاحه وحلمه من نافذة بالطابق الثاني.

 

 

 

ثم لحظات، وأطلق الأمن القنابل المسيلة للدموع على أهالي القرية الملتفين حول الوحدة المحلية.

 

 

 

واقتحم الأمن المبنى، وقتلوا سعد على إيقاع أغنية “البندقية اتكلمت”، وبدمه نقش “عاشت مصر حرة” على جدار قريب من جثته.

 

 

 

قتلوا سعد إدريس حلاوة لأن حلاوته مررتهم وعرتهم، وفي الصحف قالوا : إنه مختل عقليا.

 

 

 

هو كلام مصر الممنوعة من الكلام، وصحافة مصر التى لا تصدر، وكتاب مصر الذين لا يكتبون، وطلاب مصر الذين لا يتظاهرون، ودموع مصر الممنوعة من الانحدار.

 

 

 

ودعني أخبرك يا سعد أنك رحلت في بداية الفيلم، بل إن تتر البداية لم يكد ينزل بأسماء الأبطال.

 

 

 

فبعد قتلك بخمسة وثلاثين سنة، مصر كلها باتت محتجزة كرهائن عند السيد والسيد يؤكد على أمن الكيان الصهيوني.

 

 

 

أتدري أننا نقتل بعضنا يوميا، ومع ذلك جميعنا يؤكد فعليا وضمنيا على سلامة تل أبيب؟

 

 

 

والفلسطينون خونة يا سعد وإن لم تقل ذلك فأنت إرهابي، وسيحكم عليك بالإعدام كما حكم القضاء المصري على أموات آخرين.

 

 

 

ونحن نحاصر فلسطين يا سعد لأن أهلها خونة كما قلت لك، بل إن السيد هجّر شريطنا الحدودي مع غزة؛ لأن الأنفاق تؤلمه وتٌصدر الإرهاب إلى سيناء.

 

 

 

ولا تظن لا سمح الله أن الإرهاب كُف عن التصدير بعد تهجير الشريط الحدودي، فقد أصبح لدينا فائض نصدره.

 

 

 

وقد اهتدى بعضنا إلى أن ضرب غزة هو الحل الحاسم لوقف استيراد وتصدير الإرهاب.

 

 

 

وسأخبرك نكتة، كنا نصدر الغاز لإسرائيل بربع سعره المقدر عالميا، ثم بعدها بخمس أعوام وقعنا اتفاقية لإستيراد الغاز منها.

 

 

 

هل أخبرك نكتة سمجة أخرى؟

 

 

 

هناك آلاف المصريين تركوا مصر التي ضاقت بهم وتوطنوا إسرائيل، ومنهم ملتحق بالجيش الصهيوني الذي يقتحم الآن، وأنا أكتبك، المسجد الأقصى، ونحن نتابع بشغف عروض بيع اللاعب توماس مولر.

 

 

 

وقد فعلنا شيئا في عام 2011 سميناه وقتها ثورة، وأُغلقت سفارة إسرائيل، بل إني رأيت بعيني شاب يتسلق المبني الذي تتواجد به السفارة ويلقي بأوراق دبلوماسية، وبعد الواقعة بأربع سنوات تغير الحال كثيرا جدا ياعزيزي فبعد أن كانت السفارة على كورنيش الجيزة المزدحم انتقلت إلى حي المعادي الهادىء.

 

 

 

ولن تصدق إذا قلت لك إن الفرج قد جاء وظهر أناس يرفعون رايات الجهاد لخلافة إسلامية، لكنهم لم يحاربوا الصهاينة يا سعد، بل ذبحوا وحرقوا المسلمين، ولم يخدشوا طرف العلم الإسرائيلي.

 

 

 

وإلى بلاد الغرب يحاول الجميع الهرب الآن، وأغلبهم يغرق في البحر، تخيل الأرض التي استخسرتها أنت في إسرائيل بنو وطنك يفرون منها.

 

 

 

عزيزي سعد إدريس حلاوة، ماذا كنت ستفعل لو كنت بيينا الآن؟

 

 

 

ولا افتراض، فأنت لا يمكن أن تكون حياً في هذا العالم القبيح، أمثالك لا يستوعبون كثيراً من القبح، تتوقف أجهزتهم الجسدية تلقائيا بفعل قاهري حس البلاد.

 

 

 

المختل هو من يستوعب الحاصل ولم يزل مستمرا يا سعد.

 

 

 

المختل هو أنا ياعزيزي؛ لأني عرفت بحكايتك منذ أيام فقط بالتزامن مع إعادة افتتاح سفارتهم في المعادي، وأعتذر لك عن جهلي فأنا من جيل “صالح من دون حتى الذهب لأننا نحارب الإرهاب”.

 

 

 

أنت العاقل الوحيد بطول البلاد وعرضها يا سعد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الأبيات كتبها نزار قباني ضمن مقال له بعنوان "صديقي المجنون سعد حلاوة"
عرض التعليقات
تحميل المزيد