إنني الآن على مشارف منتصف عمري، أقف عاجزًا وحيدًا، اسمع عن جحافل من إخوتي بالجيش، يتحركون كالدجاج النافر سريعًا من سيناء، جنودي المترهلين جسديًا والمتداعين نفسيًا، يجلسون الآن محبطين عاجزين مثلي تمامًا، إنهم ينهشون في قلبي الحزين نهشًا بنظراتهم لي، منتظرين أوامري إما بالنصر أو الشهادة! وأنا اخترت الانسحاب من القرارين! إنني الآن أريد الرحيل، ولا شيء آخر، الرحيل من أجل عودة لا أراها، ولكنني أعلم جيدًا بوجودها، إن طيران العدو يكشفنا تمامًا، لذلك لن تكون مهمة الرحيل سهلة، اللعنة كل اللعنة على العدو، جبان مختبئ بطائرات حديثة يقتلنا منها إذا حاربنا، ويُلاحقنا إذا رحلنا، واللعنة أشد اللعنة على من تركنا هنا، وجعل أصدقاءنا يقتلون واحدًا تلو الآخر أثناء الرحيل، ولكنني لن اترك أفراد فرقتي يلاقوا المصير نفسه، فلن اهرب من سيناء إلى ما قبلها، بل سأهرب إلى ما بعدها، إننا الان في صحراء النقب، صحراء جرداء لا طائرات بها ولا غباء، والآن، علي خداع الطيران اللعين كله، والعبور بمعجزة إلى ما قبل سيناء، الضفة الغربية من القنال المحتل والغارق في الدماء، دماء شهدائنا، أنه اليوم 8 يونيو (حزيران) 1967، نفذنا انسحابًا ناجحًا بلا خسائر كبيرة، ملفت للانظار صحيح؟ لذلك فإنني سأذهب إلى البحر الاحمر، وأبدأ في ممارسة عملي لإعادة بناء ذلك الجيش، ذلك الجيش الممزق في بنيانه، المهزوم في نفسه، جيش عبد الحكيم عامر ورفاقه، رفاقه الذين جعلوا من رفيقَهم الكبير خاسر كبير في أعين المصريين، أنه نفس الخاسر الذي عينني رئيسًا لأركان حرب ذلك الجيش، وكانت مهمتي واحدة، العودة من حيث رحلنا!

عندما وصلت إلي ذلك المنصب، رأيت جنودا يائسين، استخبارات بالية، قادة وصلوا لمناصبهم بطريقة أسوأ من لعب الروليت الروسية، انني مطالب بإعادة ذلك الجيش إلى يوم 4 يونيو 1967، بل أقوى وأكثر جاهزية، أنا ورفاقي الجدد في الجيش بعد أن انهارت قبيلة عامر، وأُقصيت مخابرات نصر، إنني الآن أمام طلقة واحدة، تطلق بدقة فنستعيد سيناء، نخطئ بإطلاقها، فننتهي للأبد!

كان ذلك الخط على الضفة الشرقية من القنال، منيعًا، محصنًا بشكل مادي، ومحصنًا بأكاذيب عن قوته وهي أشد من تحصيناته المادية، كانت تلك أول نقطة في دراستي لعدوي، فذلك العدو يرى أنه لا يحارب في أرض مكشوفة، بل في حصونه، فعلها في القدم مع رسولنا محمد، وسيفعلها اليوم حتمًا! ثم رأيت الفتية عندنا كثر، ولكن لا كفاءة ولا تجهيز، وهم معاكسون تمامًا لنا، فلديهم كل شيء إلا هم، نحن كبار وهم صغار كالدبابير، والدبور لا يحتمل معركة طويلة مع خلية من النحل! لذا فكانت خطة المأذن العالية، وكان كما وعد الله نبيه في الأحزاب، فوعدنا نحن بالنصر، ووعدونا هم بالهزيمة، فكان وعد الله حق! ولا شيء آخر!

لم يترك الطغاة شيئًا، إلا حاولوا تسخيره لهم، حتى ولو كان ذلك هو النصر بأكمله، حاولت منع ذلك الطاغية من جشعه؛ لأنه سيوقعنا في مجهول لا نريده، ولكن لم أتمكن من ذلك، في نهاية المطاف، النصر لم يذهب هباءً، ولكن أنا ذهبت! فكانت رحلتي قد انتهت قبل رحيل زميل لي عن الحكم قد نسب الفضل في النصر لضربته الجوية، وهمش الباقين من الأبطال، ومنهم عبد الله المنفي في أرضه التي لطالما حاربت من أجلها، ولن أتردد في الموت بها، وأنا أحيي رفاقي الموتى، الذين قتلوا من السلطة وفسادها وملذاتها ودهاليزها المنحطة، أنا سعد الدين الشاذلي، رجل النصر الذهبي، فليرحمني الله ويحيى بلادي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد