«يخلق من الشبه أربعين»، جملة كثيرًا ما قرأناها في حالة مثل له مورد ومضرب، نعم؛ ذلك المثل يضرب في حين يقابل الشخص منا واحدًا يضارع أحدًا يعرفه، فيقول: «سبحان الله! يخلق من الشبه أربعين»، تلك جملة لطالما قالها متعجبًا حين الشكل والمنظر فقط، ولكن حين الاسم واللقب يتعجب، فيقول: «الاسم اسمان يا أخي»، تلك جملة لطالما قالها كثير من الناس حين تكرار اسم مرتين، أو اشتراك اثنين في اسم وتختلف حروف هجائه ومدلولها باستبدال ترتيب الحروف وتغير أماكنها.

وهذا ما أقرؤه معكم اليوم في مقالي هذا عن رجلين عظيمين حق الكلمة دون رياء أو مماطلة هدامة لا مقصود منها بل عوج!، فاليوم أحدثكم عن «سعد مكاوي»، و«مكاوي سعيد»، أرأيتم ما أقصد من مقدمتي السابقة هذه، فاختلاف حرف بزيادة «حرف الياء» في الاسم الثاني مع تبديل ترتيب الاسمين يُظهر اختلافًا كبيرًا، فيظهر لنا رجلان عظيمان حق الكلمة كما قلت، يجمعهما شيء مشترك واحد، ويختلفان في كثير حق الاختلاف.

فاليوم.. أحدثكم عن سعد وسعيد، هذان الروائيان الكبيران الراحلان عن عالم «الدنيا»، ذلك العالم الذي قدموه لنا بتفاصيله الدقيقة المملة في السرد والإيضاح وهكذا في روايات الاثنين معًا في مختلف الأزمان والعصور بنكهة لطيفة رقيقة تستميل قلب القارئ ويشغفه وتصليه عشقًا في إكمال القراءة دون رجعة أو ملل!، وحتى لا أطيل عليكم المقدمة التي أراها غير مهمة، لكن لا بأس، فالإيضاح خير والإبهام شر!، فاقرؤوا المفيد فيما سيذكر في كلامي ومقالي في السطر المقبل، ولكم المتعة والاستمتاع.

شيء واحد يتفق السعيدان فيه

كما قلت إن الاثنين معًا يجمعهما شيء مشترك واحد من قوة الأداء الروائي في السرد والتفصيل الممل للشخصيات والأحداث الجسام العظام منها والبسيطة في صفحات رواياتهما معًا، فالأول «سعد مكاوي» يعتمد على أن القارئ جاهل تمامًا ويعمد إلى تعليمه وتثقيفه؛ لذلك كتب بإملال وإمعان دقيق ففي روايته «الرجل والطريق» الصادرة عن «دار الشروق– 2016» عندما أراد وصف شخصية بطله «الرسام الفنان حسن»، ذلك الفنان التشكيلي الذي قدمه لنا «سعد مكاوي» بتفصيل ممل – في وجهة نظري – أرى أنها كانت غير مطلوبة، فالأحداث كفيلة بذلك الأمر، وأما عن الثاني «مكاوي سعيد»، فنرى أنه ممل في السرد – وعفوًا صفة ملل ليست سيئة بالمرة وليست شتيمة – لدرجة أن يصل وصف شخصية ما، أو مكان ما إلى صفحتين أو ثلاثة!، ذلك الأمر الذي يتحاشاه بعض الروائيين، ويتعمده البعض الآخر، فعلى رؤوس البعض الثاني يظهر «سعد مكاوي» ثم «مكاوي سعيد»، ولا أنسى بالمرة كبيرهم «نجيب محفوظ»، فذلك ما قلته مسبقًا في مقال لي هنا على موقع ساسة بوست، ويظهر على رأس الكتاب الشباب «أحمد مراد» وهذا ما ذكرته في مقال آخر لي على هذا الموقع أيضًا، ومن هنا يجتمع «السعيدان» معًا في إملال الوصف، ودقة ملامح الشخصية، وبرهان الدليل، وحبكة درامية محكمة في الوصف والعرض من حيث الشخص والحدث.

السعيد الأول.. سعد مكاوي

ولكن، إذا أخذنا كل منهما على حدة، سنجد أن «سعد مكاوي» يعتمد على الرواية البسيطة التي يظهر فيها جو الفلاحين، وبساطة الناس والأحداث عنده في رواياته وخير مثال لي على ذلك رائعته «السائرون نيامًا»، والثانية «الرجل والطريق»، ولا بأس منه من ذلك الأمر أو فيه فهو كما تعلمون من طبقة الفلاحين البسطاء، أي أنه استخدم مشروع الرواية في رصد حالة طبقته التي طالما افتخر بها وبحالتها في مضمون أحداث وشخصيات رواياته كلها على الأكثر منها، مثل رواية «الرجل والطريق» لغتها وصفًا وسردًا عربية بحتة، ولكن حوارها فلاحي بسيط أنيق يليق برونق ومضمون الشخصية الفلاحية البسيطة التي كثيرًا ما تحمل روح التدين والتمسك بروح وأوامر القرآن الكريم، فذلك لأنه حفظ القرآن الكريم، ودليل على ذلك أنه في الفصول الأولى من مثالنا «رواية الرجل والطريق» ذكر آية قرآنية كاملة، ليستطيع وصف حالة أراد وصفها، وباختصار «سعد مكاوي» روائي، إنسان بسيط فلاح أصيل جليل، ممل الوصف والسرد، وعربي اللغة وصفًا وسردًا، عامي اللغة حوارًا وجملًا، متدين بطبعه ولطبعه، وفنان بسيط بدرجة روائي.

السعيد الثاني.. مكاوي سعيد

وأما عن الثاني «مكاوي سعيد» نرى أنه يتخذ من «وسط البلد بالقاهرة» وعلى وجه التحديد من حي الحسين ومقهى ريش ومقهاي السيدة والحسين مكانًا أصيلًا أصليًا في سرد أمكنة أحداثه في مختلف رواياته على الأكثر، ولكن على الأقل يتخذ من جو المدن والريف مسلكًا للوصف والتحدث عما يريد أن يتحدث فيه وعنه، وخير مثال لي على ذلك روايته «أن تحبك جيهان» ذلك الرواية التي وصف معالم الحياة بهمومها ومعقبات أمورها وصفًا يليق بنا نحن القراء، ووصفًا يليق بمكانة الحياة عنده حيث يحبها جدًّا!، ولعلني أتذكر موقفًا طريفًا ظريفًا لا أنساه أبًدا عندما كنت أعمل في موقع إخباري فني، وكان المطلوب مني عمل حوار صحفي معه، فتواصلت معه وعملته؛ ومن هنا كانت نقطة صداقة قوية بيننا عندنا كنت شابًا مبتدئًا في مجال الصحافة، حيث سني «بضع عشرة سنة أو دون الخمس عشرة حيث أحببت ذلك المجال منذ صغري رغم أن دراستي التي أعشقها لا تمت لذلك بصلة، فذلك موهبة!»، وسنه «خمسين أو أكثر بكثير»، وكان ليلة كل مناسبة مثل الأعياد والمناسبات العامة والشخصية يراسلني ويهنئني بها، الأمر الذي جعلني أعرفه متواضعًا بسيطًا رغم جمهوريته وشهرته!، وأما عنه في رواياته، فهو يحب القاهرة ويكتب عنها وعن مقاهيها وعن ناسها وأماكنها كلها، وهو روائي متواضع بسيط محكم السرد وليس مملًا على عكس الأول «سعد مكاوي» وطويل الرواية وكبيرة غالبًا، ومحب للأناقة والناس والحياة.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شخصيات
عرض التعليقات