في وقت تتجه فيه الأبصار والعقول لما تمر به بلادنا من أزمات منبعها غياب الوعي والقيم ومشكلات بعضها اقتصادية وأخرى سياسية وثالثة أمنية، كان لزاما على صناع السينما والدراما أن يهتموا بتقديم أعمالا تجسد تلك الأزمات بتقديم الحلول والأطروحات الفكرية للنخبة الحقيقية التي غابت وغاب دورها منذ سنوات، بيد أن ما أرجوه لا يعني أن يتم الحجر على الإبداع وحرية العمل والتعبير عن الآراء أو قصر صناعة الدراما على الأعمال الغير ربحية أو المحدودية الربح، ولكن ما نراه من أعمال تقدم تحت شعار الحفاظ على صناعة الدراما من خلال أعمال تجارية محضة تعتمد على تقديم الإثارة الجسدية، إضافة لأعمال تحمل خلفيات فكرية وقيمية تخاطب العقل بشكل سلبي بما لا يقل خطورة، بل يزيد عن مشاهد الإغواء الجسدي والإثارة الجنسية.

للأسف احتجت لتلك المقدمة لتأسيس كلامي؛ حتى لا يحمل على أنه درب من الرجعية التي تقدس الرفض والجمود وتترك الأمور الكبيرة وتهتم بالوقوف عند الفرعيات لدى الحديث عن عمل درامي ليس الأول، ولن يكون الأخير.

سابع جار هو هذا المسلسل الذي يقدم للجمهور في قالب عمل درامي اجتماعي كوميدي من تأليف كاتبة شابة هي هبة يسري، إضافة لمشاركة آخرين في كتابة سكربتات حلقات أخرى، ويتقاسم إخراجه 3 مخرجات، هن: آيتن أمين، نادين خان، وهبة يسري، كعمل درامي أراه جيدا من حيث الحبكة الدرامية وفنيات التقديم، ولكنه أساء كغيره وأفسد كل ما هو قريب من القيم، مدعيًا أنها موجودة، وأنه يعرضها، وفي الحقيقة هو ينشئها.

نماذج من شخصيات العمل

تأتي الشخصية الأكثر تركيزا في سياق الحلقات بالمسلسل هي شخصية – دعاء – طبيبة التحاليل المتلزمة والمتمسكة بمظاهر الالتزام الديني فقط دون الجوهر، فهي – كما يظهرها المسلسل – وبحديث أفراد أسرتها نكدية معقدة عابسة الوجه، فضلا عن أنها مهملة في عملها؛ تصلي النوافل في وقت العمل وتترك المرضى، تعاملهم بجفاء ولا مبالاة، وتعامل من هم أقل منها بالعمل بتعال وعصبية، ثم هي بالمنزل غير متعاونة، ولا تنفق، وتتصف بالشح والبخل، وترفض مساعدة زوج خالتها في محنته التي تداعى لها جميع أفراد العائلة، عدا هي التي رفضت مساعدته بالمال، وحولت الموقف لفرصة لشراء مصاغ أمها وشقيقتها بسعر أقل استغلالا للموقف، ثم هي تظهر في بيتها دائما بمظهر الفتاة غير المهتمة بنفسها، إضافة لظهورها بمنزلها بشكل غير منسق وشعر جاف – منعكش – للإيحاء بأنها محجبة بسبب أن شعرها غير جيد في المقام الأول، فضلا عن كونها ضعيفة الشخصية سهلة التأثير كما يظهرها العمل تستجيب لطلب خطيبها لترك العمل، فيظهرها المسلسل كوحيدة في تلك الصفات، بينما يشترك بقية أفراد البيت والمسلسل في صفات أخرى لتقدم للمشاهد على أن المجتمع في ناحية والملتزمة في جانب آخر منعزل، وأن هذا هو حال كل فتاة كحال دعاء.

كما يقدم المسلسل يقدم شخصية – إسماعيل – الطبيب الملتزم الذي تظهر عليه علامات السنة المتمثلة في اللحية والحديث المصحوب بكلمات وعبارات تدل على التزامه، مثل: جزاك الله خيرًا، وغيرها ، نجده يقوم بنظرات غير بريئة لشقيقة خطيبته – هبة – نهاية بتقربه منها بعيدا عن خطيبته – دعاء – نهاية بفسخ الخطوبة، وتتويج المشهد برسالة أن من يظهر التدين عديم الأخلاق، ومن هم غير ذلك متمسكون بأصل الدين، بل إن فريق المسلسل استعان بمخرج سينمائي هو المخرج عمرو سلامة ليقوم بدور إسماعيل لضمان أداء الشخصية بشكل احترافي لتوصيل المضمون بأسلوب كيفي يضمن الترسيخ في اللاوعي للمشاهد عن أن من يحملون المظهر الإسلامي ليسوا بالضرورة يحملون أخلاق الإسلام.

ونحن مع فريق عمل المسلسل في ضرورة التحلي بأخلاق الإسلام قبل التحلي بمظاهره أو التحلي بهما معا، ولكن لماذا جسدت الشخصية في قالب الملتزم؟ ألا يفتح الباب للحديث عن رفض المظهر الدال على الالتزام، لتجعل من يفكر في ظهور آثار السنة عليه يفكر ألف مرة قبل أن يخطو تلك الخطوة، فضلا عن اعتبارهم محل شك وترقب من أفراد المجتمع لدى التعامل.

 

تصريحات صحافية نشرت للمخرج عمرو سلامة معقبا على دور – إسماعيل – مؤكدا أن فريق عمل المسلسل (طلعوا الشخص الغلس) الذي بداخله، طالبا من الجمهور عدم الدعاء عليه، وهو يؤكد استشعاره حساسية الدور الذي قدمه والفكرة التي تقف وراء الشخصية المقدمة للجمهور، وهو ما استدعى من فريق عمل المسلسل الاستعانة بمخرج سينمائي لأدائه؛ ليخرجه ويمثله بشكل متقن، كي يعطي المقصد من القالب.

ثم على النقيض تماما يقدم المسلسل شخصية كريمة – فتاة الليل – التي تركت العمل بعد أن شعرت بملاحقة الشرطة لها، وطلبت من صديق لها عملًا آخر، فقدم لها وظيفة ممرضة منزلية لمسن يعيش وحيدا، فوجدت نفسها في حياة جديدة تعطيها فرصة لحياة أخرى، والحق أن تقديم تلك الشخصية بالمسلسل عمل جيد للفت أنظار أخواتها في الحقيقة لجانب آخر من الحياة – حياة النور- والعمل الحلال، ولكن ما يلفتني هو جمع الصفات الحميدة لشخصية – كريمة – وخلعها عن شخصية – دعاء – بما تحمله كلتا الشخصيتين من خلفيات.

الفكرة ذاتها تكررت مع شخصيات أخرى بالمسلسل والتي تؤكد أن الأخلاق والنجاح الاجتماعي والتوازن تتجمع في الشخصية غير الملتزمة، كشخصية هالة التي لا تبخل عن الإنفاق والتواجد بالمناسبات الاجتماعية لعائلتها وعائلة الخالة – لمياء – كما أنها ناضجة تدير حياتها بالعقل، كذلك الحال مع شخصية مي الفتاة الحرة التي تعيش بمفردها وتفعل ما يحلو لها بداية من حرية الملبس والتدخين إلى إقامة علاقة حميمية مع شاب من سكان العمارة وتقديم المسلسل لتلك العلاقة بشكل مشابه لحياة الأزواج بكافة تفاصيلها، لهدف أراه لإغراق المشاهد في تفاصيل ونسيان أو تغافل صدمة حقيقة العلاقة من الأساس حال رؤيتها بالواقع.

ألفاظ وحركات بذيئة ترسخ

لم يقف المسلسل عند خطأ تقديم الشخصيات المظهرة للالتزام في قالب سيئ، حتى تشعر المشاهد بما أوضحته سابقا، بل إنه قدم مجموعة من العادات الاجتماعية الدخيلة على مجتمعنا المصري، كالألفاظ البذيئة، والتي كان يعد ترديدها في بيوتنا عيبا، ككلمة (فشخ)، وغيرها، وقام المسلسل بتقديمها على لسان شباب المسلسل أمام أسرهم دون تعقيب من كبار الأسرة، سيقول أحدهم إنها تقال ليل نهار! نعم، ولكن الطبيعي أنها إذا قيلت بالمنزل؛ فستجد الأب أو الأم ينهر من يقولها لخروجها عن النسق الاجتماعي والقيم.

أضف إلى ذلك، وفي مشهد لا علاقة له بالمسلسل وبقصته، نجد أنفسنا في إحدى الحلقات أمام مشهد لعدة دقائق هدفه هو إثبات أن اسم جويرية الذي هو من أسماء الصحابيات يجلب الفقر؛ لأن جويرية تصغير جارية التي هي ملك لغيرها.

إلى المشاهد

إن أي عمل فيقوم على هدفين: الأول إنشاء فكرة، والثاني كشف فكرة، وهدمها، ولربما الاثنين معا، فيقوم بهدم الفكرة، ثم إنشاء أخرى وفق أهدافه وأفكار مقدم العمل.

 

وهو إلى تحقيق ذلك يستخدم الأسلوب الكمي والأسلوب الكيفي، فالكمي هو تكرار عرض الفكرة بشكل مباشر دون الحاجة للاستعانة بقوالب وأشكال فنية أو درامية لتقديمها، وهذا ما يقدم عادة في البرامج الحوارية، فالحديث يتم مباشرة للدعوة لتبني فكرة أو للدعوة للقضاء على فكرة.

 

أما في الدراما – بيت القصيد هنا – فيتم استخدام الأسلوب الكيفي، فهو يهتم بالتوجيه عن طريق الدلالات غير المباشرة للفكرة مع تكرار عرض الفكرة، والمراد ترسيخها، أو تكرار الهجوم على الفكرة المراد هدمها، ويتم فعل ذلك بشكل غير مباشر متوار، بطريقة تراكمية أيضا، بداية من مسرحية السكرتير الفني، وشخصية معلم اللغة العربية الفوضوي في مظهره وحياته وتصرفاته، مرورا بشخصيات الشيخ حسونة والشيخ يوسف وشيخ الجامع بفيلم الأرض الأول الذي ترك قضية أهل قريته ونجا بأرضه من الهلاك، والثاني يستغل حاجة أهل قريته بالتجارة، والثالث يدعوهم للقعود والاستعانة بالدعاء وتلاوة القرآن لمواجهة محاولات انتزاع أرضهم، ثم هو لا يكف عن الصراخ والسب لكل من يعارضه، مرورا بشخصية المتدين بأفلام وحيد حامد وغيرها، وصولا لمسلسل سابع جار وغيره، نفس الفكرة تتوارثها الأعمال باختلاف مساراتها.

 

والأسلوب الكيفي أخطر من الكمي، فهو مثل سم في عسل لا تشعر به إلا بعد تذوقه، فهو يستخدم عوامل الجذب البراقة على اختلافها من جودة في التصوير وحبكة في النسج الدرامي وجمال في العرض لترسيخ تلك المفاهيم في اللاوعي لدى المشاهد فترسخ به، دون أن يتكلف هو عناء الإقناع، إضافة للاستعانة بالشخصيات الأكثر نجومية والأقدر على الأداء والتأثير في المشاهد ليقدم تلك الأدوار – دور إسماعيل بالمسلسل دور ثانوي يقدمه مخرج سينمائي كما أوضحنا سابقا – لإيصال تلك المفاهيم للمشاهدين.

 

كشف طبيعة الأعمال الدرامية والسينمائية والمغزى منها ليس بسر خاف على أحد، فقط عليك عند رؤية أي عمل فني بتذكر عدة أشياء ضرورية لفهم أي عمل درامي يتناول أية قضية، ولكني اخترت قضية الشخصية المتدينة كنموذج يتركز العمل عليها، فعند التعرض لمادة تتناول الشخصية الدينية – وهي ليست مزحة كأنني أدعوك للتجهز لمعركة أو خناقة – ولكن حتى تدرك مغزى العمل، عليك أن تجيب مع نفسك على أسئلة هي:

1- كيف يراني منتج العمل؟

2- كيف يريد أن يقدمني وفق تلك الرؤية؟

3- كيف يريدني مقدم العمل أن أرى نفسي؟

4- وماذا يريدني أن أفعل وفق تلك الرؤية؟

5- كيف يريد منتج العمل أن يراني الآخرون؟

6 – ماذا يريدهم أن يفعلوه معي وفق تلك الرؤية؟

والإجابة على الأسئلة تتطلب معرفة من يقف وراء إنتاج الأعمال، سواء كانت جهة رسمية أو مستقلة، إضافة لكاتب النص وخلفياته الفكرية وسابقة أعماله، وهو أمر ليس بهين، ولكن يأتي بالمتابعة الجيدة ومتابعة المتخصصين من الكتاب والنقاد، كما أنها ليست ببعيدة عن محاولات التغريب الناعمة – بعيدا عن نظريات المؤامرة – فصناعة السينما في بادئ الأمر كانت سينما موجهة بقيم وعادات لم تكن بالمجتمع، ولكنها وجهت المجتمع لها، والأمثلة كثيرة، ألا يجدر بنا أن نفكر في حقيقة ما يقدم ومن يقدمه سعيا وراء النجومية والعالمية والجوائز التي يفني البعض حياته ونفسه من أجلها، وهي والعدم سواء إن كانت على حساب تدمير عادات وقيم مجتمعنا.

إنني لن أنسى موقف الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي وقف أمام محاولات الزج به للدفاع عن سلمان رشدي صاحب رواية آيات شيطانية، ولكنه رفض وأبى أن يوقع على تلك القائمة في وقت تهافت فيه آخرون ووقعوا ظنا منهم أنهم بذلك يزكون أنفسهم لدى الغرب، وغيرها من النماذج المشرفة والنماذج غير المشرفة.

إن مسلسل سابع جار لن يكون الأخير في هذا السياق، ولربما أجدني مضطرا لأن أضع كلماتي هذه مرة أخرى مع عرض لمسلسل آخر يحمل نفس الأفكار، هذا لا يعنيني، ما أقصده أن العلاقة بين بناة القيم ومن يهدمها يجب أن تكون علاقة طردية كلما زاد الهدم زادت محاولات البناء حتى تستقيم الحياة بسنة التدافع الخالدة.

على المؤسسات التربوية العربية أن تبصر بالمواجهة الجديدة بين القيم وأنها انتقلت منذ عقود من المنافسة بين الخطب والمقالات والمناظرات إلى مواجهة ناعمة عبر الدراما وهو ما سأحاول إفراده في رؤية كاملة عما قريب إن كان بالعمر بقية.

وإلى لقاء قريب..

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سابع جار
عرض التعليقات
تحميل المزيد