كان الطقس محايدًا والدقي متكدسة عن آخرها؛ مارة يروحون ويجيئون وإرهاق العمل اليومي يبدو واضحًا على أعينهم، هنا سينما التحرير، وشارع بولس حنا في الدقي وبمجرد أن تسير قليلا ستجد مقر حزب الوفد وهو حزب ليبرالي تأسس سنة 1918م، وكان حزب الأغلبية قبل ثورة 23 يوليو المصرية، التي أنهت عهد الملكية، وحولت البلاد إلى النظام الجمهوري، ولم يعد الحزب إلى نشاطه السياسي إلا في عهد الرئيس أنور السادات، بعد سماحه للتعددية الحزبية، وقد اتخذ لنفسه اسم حزب الوفد الجديد سنة 1978.

كان هذا المشهد قبل أكثر من 10 سنوات. كنت وقتئذ أعمل في مجلة تابعة للحزب وهذه المجلة لم تستمر طويلا. كانت الأمور كلها واضحة منذ البداية ستعمل في هذه المجلة لكن لا تحلم بأن تحصل على راتب، لم يكن هذا غريباً فمعظم المجلات والصحف لا تعطي للمحررين الجدد جنيهًا واحدًا في البداية، لكن هناك دائمًا من سيقول لك وهو يبتسم ابتسامة واسعة وعلامات الصحة البادية على وجهه وبدنه تؤكد أنه نجح في الاطمئنان على مستقبله:

– هذه خطوة أولى، باب صغير سيقودك إلى باب أوسع، عندما كنت صغيرًا لم أكن أحلم أن أرى اسمي على أي مطبوعة، إنما هذه الأيام قاتلها الله بإمكانك أن تصبح صحفيًا، وبعد عام أو عامين ستحصل على راتب ثم تكر المسبحة، لكن المطلوب خطوة أولى، وهانحن نوفر لك الفرصة.

تضطر لمنحه ابتسامة باهتة، لكنك عندئذ وجهك سيصبح ممتقعًا، قد تسيطر على ابتسامتك لكنك تحتاج لقدرات خاصة للسيطرة على انفعالات وجهك الأخرى، يستقبل هذا الشخص الابتسامة الباهتة بهز كتفيه والانصراف.

(2)
الآن تشهق جرعة أوكسجين جيدة، اسمك تراه محفورًا على المجلة، ومصادرك تشيد بك، وبدأت تخطو خطوات جيدة في العمل الصحفي، وأجمل ما في الأمر أنه ليس مطلوبًا منك أن تصبح وفديًا أو ليبراليًا، لكن ماذا عن المتطلبات الأخرى؟ تحتاج إلى مصاريف لتأكل وتشرب وتجري اتصالات وتشعر أنك مستقر ولديك راتب ثابت، لكن لا يهم، فمن يدري ربما يقودك الباب الصغير إلى باب أكبر.

– بتنحت فين دلوقتي؟

داهمني ذلك الضخم ذو الشارب الكث والابتسامة الهادئة الجالس بجواري في مقهى التكعيبة الكائن في وسط البلد بهذه العبارة لكنني لم أحر جواباً فهززت رأسي قائلا:

– يعني ايه بتنحت؟

فهمت من غمغمته لنفسه وبعض الكلمات المتناثرة أنه غير راض عن سؤالي المضاد، ثم أرسل لي نظرة مجانية قائلا:

– لأ.. لازم تيجي معايا علشان أظبطك؟

أثناء دهشة البدايات الأولى في أي عالم تصبح حقلا للتجارب، ليس فقط لأنك مقبل على الحياة فاتحًا ذراعيك بعدما أنجزت مهمة التخرج في الجامعة، ولكن لأنك وقتئذ تسيطر عليك الأفكار المثالية وأهمها الثقة، ولذلك فإن الثقة بالناس تكون حاضرة طوال الوقت، ثقة مجانية بلا حواجز أو قيود، ومطلقة أيضا، بإمكانك أن تثق بأن كوب الشاي الذي جمعك بشخص في مقهى ما كفيل بأن يجعله يدفع حياته ثمنًا لك دون مقابل.

لكنني ورغم هذا كله

لم أذهب معه. تعللت بانشغالي بعمل ما.

فرمقني بنظرة جانبية، و..

ومضى

(3)
بعد أشهر نجحت في الالتحاق بإحدى المجلات الإضافية ومقرها الهرم، المشوار بعيد، بعيد للغاية. تذهب إلى المجلة التابعة لحزب الوفد في الدقي ثم إلى الهرم مرة أخرى. ياه.. مشوار! خصوصًا أن هذا يحدث في أوقات الذروة. ويا سلام على الهرم وزحام الهرم. أنت بحاجة لتتدثر بمخزون من الصبر لا يتوافق وحدة وانتفاض وتسرع الشباب.

– الطوابق يا أستاذ

– ايوه

مشيت قليلًا في عز الشمس، مستظلاً بطموح جامح، وعزيمة لا تلين، ذهبت لمقابلة رئيس التحرير -(وافته المنية مؤخراً بصورة درامية وهذه قصة أخرى)- البناية سكنية، تحتها كشري معروف، والاستقبال رائع، ورئيس التحرير شخصية استثنائية؛ كان ناصرياً حتى النخاع لكنه في الوقت نفسه صديق للإسلاميين واليساريين والليبراليين والمستقلين، لديه كاريزما واضحة، باستطاعته احتواء أي أزمة، لا يعرف أحد السر في ذلك، لكن كل ما أعرفه أن طريقة إدارته للعمل كانت متميزة، يعطيك أقل القليل لكنك تقتنع أنك ملياردير، ولا تسألني كيف يمكنه ذلك، ثم إنه يجيد الكتابة. يكتب ويكتب ويكتب بلا انقطاع، أسلوبه شيق، عباراته متماسكة، كلماته راقصة، لا يترفع على القارئ ولا ينافقه، يمنحه المعلومة مغلفة بأسلوب رصين ورشيق، كما أنه قادر على أن يمنح من يختاره من المحررين الشبان جزءًا من خبرته، هذا الرجل لو لم يكن صحفيا لأصبح محامياً أو خطيبا فتأثيره على الناس استثنائي.

جلست في معيته، ثم كلفني بأربعة موضوعات صحفية دفعة واحدة، كان هذا الرجل مهتماً بتدريب الصحفيين على الصحافة الحديثة وجميع فنونها من ديسك وتبويب وتقدير لأهمية الأخبار، وإجراء التحقيقات وإعداد التقارير وكتابة الأخبار، إلى جانب استيعابه لجميع المدارس الصحفية العالمية والمحلية. خرجت إلى صالة التحرير فوجدت بها 4 مكاتب، استقبلني الجميع بحرارة لا تخلو من الحذر ثم اقترب مني أحدهم، كان شابا عشرينياَ شديد النحافة، منحني ابتسامة ثم سحب كرسيا وجلس بجواري وقال:

– الأخ جديد؟

قلت بهدوء

– نعم. كان كوب الشاي قد جاء يحمله محمد؛ صبي البوفيه شاب صغير ذو ابتسامة مريحة مهذب وخلوق، وضع الشاي على مكتبي ثم انصرف – وبتنحت فين دلوقتي؟

قلت بعصبية

– مش عارف ايه حكاية النحت دي. انتوا بتشتغلوا في الصحافة والا في كلية الفنون الجميلة والا بتشتغلوني أنا شخصياً؟

بدت على وجهه علامات الضيق لكنه تابع:

– فاضي النهاردة

– ايوة

– خلاص أنا حستناك لما تخلص أوريك النحت

– ماشي

بعد ساعتين، كنا في الميكروباص أنا وهو، كان ثرثارًا لكنه يجيد الحكي، إذا أعطيته أذنيك فلن تعود إلا مجبور الخاطر، أسلوب حديثه لا يخلو من الطرافة، تحدث عن الوسط الصحفي وعمله ومن المؤكد أنه اشتكى من شظف العيش ولعن أبا الدنيا التي لا تعطي الناس ما يستحقونه.

– هو احنا رايحين فين؟

– انت مش شغال في الدقي ..حنروح الدقي

– ليه؟

– حاوريك النحت. انت مش عايز تشوف ازاي تنحت أنا حاوريك. أومأت برأسي إيجابًا

ودخلت إلى عالم النحت.

(4)
بعد أن جلسنا على المقهى قال النحيل أن هناك دكانًا جيدًا يصلح كـ”نحتاية” مهمة ويقصد بالدكان “صحيفة” يعمل بها أكثر من 20 صحفيا، ثم انطلق يتحدث بحماس يشي بإيمانه العميق بالفكرة:

– الدكان دة يا باشا سبوبة، أو بلاش، نحتاية، وأنا ربنا بعتني ليك من السما علشان أرسيك على الحوار كله، أصل الدنيا دي فيها السبوبة وفيها النحتاية وفيها المرمة، أنا مثلا متعين في جريدة (….)، ومزاجي في السحاب.. فوق الريح.. دي بقى المرمة، المرمة هي الأساس اللي بيقوم عليه البيت أما النحتاية فهي الحاجة اللي تسند البيت ده وتزعل لو راحت بخلاف السبوبة، السبوبة دي حاجة كدة “وقتي” جت.. خير وبركة أهي نواية تسند الزير، ما جاتش مش مشكلة.

ثم تابع بعدما ارتشف رشفة من كوب شاي أمامه: – والحمد لله إن الجورنال اللي باعرض عليك إنك تشتغل فيه يا أستاذ، بيدفع فلوس حلوة قوي، ومش مطلوب منك حاجة، أنا ماسك الجورنال ده من الباطن إنما اسم رئيس التحرير اللي مكتوب على “الترويسة” مجرد اسم، مالوش علاقة بالجورنال أصلا، احنا بنوزع في العراق وشوية في مصر وليه بنوزع في العراق لأن التمويل جاي من صدام واحنا خدامين أكل عيشنا، وخلاص” بابا أكل الموز”.

راق لي مصطلح بابا أكل الموز الذي يعبر عن الحسم وتساءلت ما الذي من الممكن أن يحدث أو يقال بعد هذا الخطب الجلل ..” بابا أكل الموز”؟

كان صاحبنا يتابع قائلا – عايز تجامل حد من أصحابك، عايز تاخد فلوس قول تبقى كدة مسكت البلف وعرفت الزيتونة، قول احنا عندنا باب اسمه بروفايل، ودة علشان لو ليك حد عايز تجامله، بنعملك مصلحة، علشان تسلك، لو ليك مصلحة في حته.. سبوبة في مكان.. تعرف تسلكها، نضرب الكلمتين وخلاص، وبعد ما العدد يطلع خدلك 25 نسخة واطلع بيهم على الراجل اللي عايز منه المصلحة، الراجل حيظبطك، وخلاص.

تخيلت أنه سيختم قائلا “بابا أكل الموز” لكنه خيب أملي وقال:

– وخلاص ..”كيتو مات”.

أبهرتني قدرته على صك مصطلحات الحسم، القادرة على إسكات قول أي خطيب.

وكان يتابع:

– يعني باختصار، مش حاقولك مصادر واتصل وانزل اعمل تحليل والا قراءة والا تحقيق والا خبر ولا حاجة من الحوارات الفاكسانه دي، لأ اضرب، والضرب في الصحافة مش عيب، دة هيكل اللي هو هيكل بيضرب، ولو في قضية ولا حاجة حيلبسها رئيس التحرير اللي أصلا ما يعرفش الجورنال مكانه فين ..هاهاهاها.

..لكنني لم أضحك.

وعاد ليكمل:

– قصة المهنية دي آخر همنا، احنا ماشيين بمبدأ الضرب، ده مرة (….) ضربنا موضوع عن إن صفوت الشريف هو الوحيد اللي ماهاجمهوش أيمن الظواهري، المهم ما تعرفش ايه اللي خللي صفوت يقراه، والمصيبة الأكبر إن اللي كان كاتب الموضوع ده واحد احنا ضاربين اسمه وكتبنا ساعتها رسالة كراتشي عبد الله شاه، شوف المعلمة في الضرب عبد الله شاه، اسم أصلي من كراتشي بقي، والخازوق إننا ما بنوزعش أصلا في كراتشي ولا لينا مكتب هناك ده احنا تقريبا مالناش مكتب في مصر، احنا بنطبع النسخ للعراق وشوية صغيرين لمصر، اضطرينا نضرب كارنيه لواحد وبعتناه علشان يقول إنه المراسل بتاعنا وشكرا على كده، ده احنا ضربنا قبل كدة موضوع تحت عنوان 10 رجال أعمال يشترون ملابسهم من وكالة البلح، شوهد فلان وعلان وترتان ..وكرينا أسماء بتوع غرفة التجارة في وكالة البلح وبعد كدة لكن مصادر قالت لـ(…) إن رجال الأعمال دول كانوا في وكالة البلح علشان يشوفوا قد ايه الناس الغلابة بتعاني.. ومش حتصدق جالنا جواب شكر من رجال الأعمال دول، بعدين انت بترزق واحنا بنطلع بشغل عالي.

شعرت أن الجو مسمم، أحسست كأنني صحوت من النوم فوجدت نفسي فجأة في شقة دعارة. استأذنت في الانصراف، ثم لحقني النحيل قائلا:

– ها ..حاتنحت معانا؟
– لأ طبعًا

بعدها مباشرة سافرت إلى الخارج وتمر السنون. وفجأة أصبح اسم هذا الشخص مدويًا لامعًا براقًا، يظهر بشكل شبه يومي على شاشات التلفزيون ويلعب على كل لون، ويأخذ أموالًا ومعونات ومنحًا وبات مركزًا للقوى والنفوذ، وفقا لاعتبارات السبوبة والنحتاية والمرمة و..

“بابا أكل الموز”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد