كنا تكلمنا سابقًا عن أن سقف الممكن مذهل، وأنه أكثر بكثير مما يدعي الكثيرون في الجهد والكيف والطاقة، كما قال المهندس أيمن عبد الرحيم. الحكاية تبدأ بعيدا بقصة الدكتور الاقتصادي البنجالي محمد يونس مؤسس بنك جراميين لمحاربة الفقر ومساعدة الفقراء في بلاده، والحاصل على جائزة نوبل في عام 2006 تتويجًا لموجهوداته في محاربة الفقر المنتشر في بنجلاديش، التي تقوم على إعطاء الفقراء قروضًا متناهية الصغر، وتلزمهم بردها بعد نجاح مشروعاتهم الصغيرة حتى تعم الفائدة بأكبر قدر ممكن من الفقراء.

هنا في مصر كان هناك رجل يبحث في القرى والنجوع والمناطق الشعبية من الإسكندرية إلى أسوان مستلهمًا نفس الأفكار التي قام بها دكتور يونس في بنجلاديش. والذي ربما لم يلتق به في حياته إن كان سمع به أصلًا، لكن تعاليم الدين السمحة وحب الخير للغير ألهما الحاج صبري بفعل الخير في ربوع مصر.

ولد العم صبري في دمنهور محافظة البحيرة في مصر عام 1940، ونشأ وترعرع في جنوب القاهرة في منطقة المرج، وكان يجوب المحروسة على عكازه الجميل في اخر 25 عاما من حياته كما اتذكره إلى ان توفاه الله في المرج جنوب القاهرة في 22 سبتمبر (أيلول) 2017.

عم صبري كان يقول إن ما يفعله في مشروعات المساعدة مستمد من السيرة النبوية، حيث يقول إن النبي حينما جاءه فقير يسأله المعونة، فأعطاه النبي درهمًا ليشتري حبلًا يساعده على الاحتطاب، وبعدها جاء للنبي وعليه أثر النعمة من جراء عمله وجهده، فقال الرسول للرجل ولأمته من بعده: «لأن يأخذ أحدكم حبلًا فيبيع فيأكل، خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وبهذا الدافع النبوي، استمر عم صبري في مسيرته للعطاء تحت مبدأ «الحبل والحطب».

كانت فلسفة العم صبري أن لا يكون الفقير عالة على الناس، إنما يكون عائلًا لنفسه، بمعنى مساعدته في البداية كما فعل بمساعدة الناس بالبدء في المشروعات. يبدأ العم صبري في سؤال رب الأسرة، أو أحد أفرادها عن «الحبل والحطب» أي عن العمل الذي يستطيعون القيام به، ويبدأ هو بعدها في توفير قرض للأسرة يبدأون به مشروعهم، ويحصّل بعدها قرضه الذي دفعه إليهم من مكسب مشروعهم، وهو قرض لا يقل عن سبعة جنيهات، ولا يزيد عن 200 جنيه مصري.

السيدة صاحبة الكشك

يقول الدكتور محمد كامل أنه كانت هناك حالة من ذوي القدرات الخاصة بجوار صيدلته، وكان العم صبري يناقشها في أخذ مبلغ من المال كان قدره 200 جنيه على أن تجلب البسكوت ويأخذ هو منها كقسط استرداد المبلغ 10 جنيهات أسبوعيًا، ولو سار الأمر على ما ينبغي كان من الممكن أن يتغاضي عن نصف المبلغ كان يقول «المبدأ عندي ليس السبعة جنيه ولا الـ200 جنيه أنا ممكن أعطيهم أكثر من ذلك، لكن الموضوع أن هؤلاء يؤمنون أن العمل أهم من مد الأيادي». وفي الأغلب – كما يقول – لم يقرض عم صبري أسرة فقيرة، ولم تسدد القرض الذي أخذته.

قصة بائعة الفجل

يقول الأستاذ أحمد عبد الحميد أن من وجهة نظر عم صبري عندما سألته كيف تقوم مشروعات بمثل تلك المبالغ الصغيرة؟ أجابني قائلًا: ستستغرب عندما تعلم أن أفضل المشروعات التي نجحت قامت على رأسمال قدره سبعة جنيهات فقط، وهو مشروع الست سناء، وهي لا تبعد عن منزلي سوى أمتار قليلة لو أحببت أن تراها وتسألها.

عندما عرف العم ظروف سناء وهي أرملة تعول ولدين جلس معها، وأقنعها أن العمل أفضل لها ولولديها من استجداء الصدقات من الناس، وتناقش معها فيما يمكن أن تفعله؛ وأخيرًا اهتدوا إلى أنها تستطيع أن تبيع خضرا بالمنطقة وبالفعل أعطاها عم صبري سبعة جنيهات لتشتري فجلًا وليمونًا، ولم يتكلم عنها كثيرًا، فقط طلب مني أن أذهب لأرى ما تبيعه في الشارع.

توجه الاستاذ احمد والعم صبري إلى حيث تجلس سناء فوجد امرأة تجلس بجوار كومة خضر قالت للأستاذ: «الله يكرمه الحاج صبري قادر يا كريم، النهاردة أنا جنب الفجل والليمون وبقية الخضر ببيع كميات كبيرة من (الكسكسي) لمحلات البقالة اللي بتكيسه – وضعه في أكياس بلاستيك – ربك والحق الشغل بيعمل كرامة للبني آدم حتى لو هناكل العيش حاف».

مستعمرة الجزام

يكمل الدكتور محمد كامل قائلًا: إن من مواقفه رحمه الله في غير القروض المبسطة الميسرة ، كان العم صبري يقوم بأعمال إدخال المياه إلى القرى الفقيرة والمناطق العشوائية، ومنها كانت مستعمرة الجذام في أبي زعبل لكي لا يجبر الناس على انتظار فتح المساجد حتى يقضوا حاجاتهم. ومن المساعدات كان مساعدة جمعية كاريتاس في مستعمرة الجذام. وأقام في مستعمرة الجذام كتاب تحفيظ القرآن بمساعدة الأستاذ صبري والأستاذة فاطمة، وكان يقدم الهدايا والدعم للأطفال حتى تم تعيين الأستاذ صبري المحفظ في التربية والتعليم، وأكملت الأستاذة فاطمة مشروعها ببناء حضانة متكاملة للقرآن، وكان المشروع الأهم للأستاذ صبري هو إنشاء مدرسة في المستعمرة.

مشكلة أطفال الشوارع

كانت أمنية عم صبري في (العمل الخيري) التي يتمنى تحقيقها هي أن يستثمر أطفال الشوارع في عمل ينتشلهم من الضياع، وضرب مثالًا بمحافظ البحيرة السابق وجيه أباظة الذي انتشل أطفال الشوارع وبنى لهم مجموعة مصانع، ومراكز تدريب، واستطاع أن يؤسس من بينهم فرقة (فنون شعبية)، أخذت جوائز عالمية، وخلت شوارع البحيرة في عهده من أطفال الشوارع.

خاتمة

وهناك الكثير والكثير لم يذكر من الخير الوفير الذي قدمه العم صبري رحمه الله في مطروح والفيوم والإسكندرية والصعيد، فكان رحمه الله ناشط جدًا في فعل الخير، وهناك العديد من الحلقات مصورة في صورة تقارير تليفزيونية على القنوات الفضائية كالجزيرة واقرأ. رحم الله العم صبري وكل سندباد للفقراء موجود في حياتنا. وكم من الأخفياء الأتقياء الأنقياء الأبرار الذين غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضرو لم يعرفوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العم, صبري
عرض التعليقات
تحميل المزيد