على المحيط الأزرق دار حوار بيني وبين إحدى الفضليات حول ما اعتبرته هي أفضل «ترجمة إنجليزية للقرآن الكريم» وذكرني ذلك بأولى محاولاتي لترجمة نص أدبي وكيف واجهتني صعوبة بالغة بين أن أنقل نص الكاتب، أو أنقل مراده من النص – إذ تختلف دلالات الألفاظ بين اللغات – وفي الحالتين أن أحافظ على المذاق الأدبي، والسجع البلاغي للنص، وذكرني أيضاً عندما حاولت تصحيح تصحيفات وقعت في ترجمة إحدى الأدبيّات البلاغية دون الرجوع للنص الأصلي وكم هالني الفرق بين المنتج النهائي والنص الأصلي الذي تمت منه الترجمة!

إن أي محاولة للقيام بترجمة لابد أن تقع بين سندان الولاء للنص ومطرقة الولاء لكاتبه، فالأمانة ستسقط حتماً بين هذا وذاك؛ فمثلاً حين ترجمة النص القرآني: «وهو الذي ينزِّل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته» إذ تصور اشتياق الخلق لنزول المطر ومدى الرحمة في اجتماع الغيم له؛ فمحاولة ترجمتها إلى البيئة الغربية كما هي ستطيح بمراد النص أرضاً، لأن مدلول الغيوم ونزول المطر للقارئ العربي، ليس كمدلوله للقارئ الغربي!

نرجع هنا للترجمة كعمل أدبي عندما يتناول النص المقدس، وسأتناول النص القرآني ولي بحث في النصّين التوراتي والإنجيلي لعله يصدر قريباً، وهما مادتان أكثر ثراءً لمناقشة هذه النقطة، فالنص المقدس يخاطب مجموعة من البشر في زمانٍ محدد، وحتى باعتبار كونه غير مقيّد – تشريعيّاً – بمكان، فلابد أن يحتوي على ألفاظ وتعبيرات لها دلالتها البيئية والمكانية، فلو حاول المترجم أن يكون أميناً محايداً، فإنه سينقل النص بدلالاته البيئية والزمنية إلى بيئةٍ أخرى قد تكون المقابلات اللفظية تحمل مضادات دلالية، وهنا فإن الكاتب إما أن يُحرّف النص أو يحرّف معناه، أو يعترف بعجزه عن الترجمة ويقدّم ترجمة تفسيرية للنص!

انتظر لحظة؛ فالمشكلة لم تتضح بعد.

الترجمة الأمينة تحتاج لعنصرين رئيسين، وهما إحاطة المترجم باللغة المترجم منها وتلك المترجم إليها، ليس فقط، بل وإحاطته بالمعنى المراد من النص، خاصّة إن كان نصاً تشريعيّاً، أو نصاً عقدياً، وبالطبع فالأمر أسهل مع النصوص الخبرية!

انتظر، فلم ينته الأمر بعد.

هناك ما يُعرف بالنصوص المتشابهة، والتي تفيد في نصّها الأصلي إلى أكثر من معنى، وقد يكون المعنيان متضادين، ولابد من فهمها في السياق اللغوي والبيئي للنص الأصلي، وسأضرب مثالاً مخلاً بالنسبة للمختصين، ولكنه يشرح المعنى بالنسبة لغيرهم، كلمة «قروء» في قوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» [البقرة: ٢٢٨]؛ فالكلمة تؤدي في لغة العرب معنى الحيض والطهر معاً، وسيكون الخلاف هنا في فهمها اختلافاً فقهيّاً، وقطعاً هذا مثالٌ سطحي جداً.

وهناك أمثلة أخرى كقوله جل جلاله «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ، أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ» [الأنعام: ٨٢] لما نزلت اختلطت على الصحابة وهم عرب ما قبل الاختلاط (قبل اختلاط اللسان العربي بالعجم وضعف اللغة، فهم أعلم العرب بالعربية)، وأسرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: «يا رسول الله، وأينا لم يظلم؟!» فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس هذا، وإنما الظلم الشرك، واقرأوا إن شئتم «وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ؛ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» [لقمان: ١٣]، ولذلك قيل: «لا يحيط بلغة قومٍ إلا نبيُّهم»!

لأجل ذلك لما أمر أبو بكرٍ الصديق زيد بن ثابت بنسخ القرآن، قال له: «يا خليفة رسول الله، لو أمرتني بنقل الجبل حجراً حجراً لكان أهون علي من ذلك»، مع أنه لم يطلب منه سوى النسخ، وهو متقن للعربية بل لثلاث لغات العربية والسريانية والعبرية كما روي في بعض الآثار، وامتنع المسلمون عن ترجمة القرآن حتى ظهرت تراجم مشوّهة للقرآن قامت بها جهات غير إسلامية، وفي أحيانٍ أخرى إسلامية لكن غير متخصصة، وأصبحت الحاجة مُلحّة لنقل مراد النص إلى غير الناطقين بلغته، واتفقت التراجم المعتمدة على اختيار عنوان: «الترجمة التفسيرية للقرآن الكريم» أو «ترجمة معاني القرآن الكريم» أو أي تعبير يؤدي ذات المعنى، مع التقيّد في أحيانٍ كثيرة بوضع النص الأصلي في الهامش العلوي!

أضف إلى ذلك، أن الاعتقاد الإسلامي في النص القرآني هو أنه كلام الله لفظاً ومعنى، تماماً كاعتقاد اليهود في النص الأصلي للتوراة الموسويّة، الفرق أن التوراة الموسوية أُنزلت مكتوبة في ألواح، والقرآن أُنزل مقروءاً، لينتقل انتقالاً صوتياً بين المسلمين، ولأن وقع النظم القرآني في لغته له تأثير روحي، وقيمة قدسيّة في ذاته، ولا يمكن الاستغناء عن النص الأصلي والاكتفاء بالترجمة مهما كان الغرض!

هل تعتقد أنها حرب طواحين الهواء؟! أو أنه جدلٌ سوفسطائي غير ذي نفع؟!

الدلالة التي توحي بها كلمة «ترجمة النص المقدّس» أو «النص الإنجليزي للنص المقدّس» توحي بالطمأنينة إلى النص الجديد، وسينظر غير المختصين إلى نصّه على أنه نص مقدس، وهو في الحقيقة عمل أدبي تأثر – حتماً – بثقافة المترجم، وفهمه المسبق للنص، وهدفه المعلن أو غير المعلن من القيام بالترجمة، ولذلك فإن أصدق ترجمة هي التي تحاول القيام بأقصى قدر ممكن من الأمانة ببيان أن النص المترجم هو نص تفسيري، حتى ولو كان مطابق لعدد كلمات النص الأصلي، وأنه أضيق في مدلولاته ولابد من مدلولات النص الأصلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد