عندما تلتقي عيناك مع طفل كان ضحية لعائلته، أو امرأة تبلغ ثلاثين سنة، أو رجل، كانوا ضحايا، فإنهم خلف ملامحهم التي تحمل القسوة والبرودة الشديدة نصادف الكثير من الحزن والقصص العائلية المحزنة دفينة بداخلهم.

يطلق علماء النفس مصطلح خروف العائلة عندما يربى الطفل في عائلة كلهم مصاصون لسعادته، وكل ما يخلق له راحة البال، فتُرمى عليه كل مشكلات وسلبيات أفراد عائلته، حتى إن لم يكن مرتبطًا بها، يتحمل هو مسؤوليتها، أو عندما ترى الأم ابنتها تدرس أو تفعل بما يسعدها فترمي عليها كل الأعمال المنزلية رغم نظافة البيت، وتحرمها من كل شيء تحبه، أو ما يمثل لها السعادة وإن كان بسيطًا كالرسم، أو عزف البيانو.

هذه العملية تُقام بعد أن تعمق أحد الأبوين أو كلاهما في دارسة مشاعر الطفل، والتعرف إلى احتياجاته العاطفية، وما ينقصه من حب واهتمام ورعاية.

إن الاسم العلمي لهذه الشخصية هو identified Patient،  ويسميها علماء النفس العرب بخروف العائلة؛ لأن الطفل يكون مرتديًا هذه الشخصية غصبًا عنه؛ فهو الضحية التي يرمي الكل مشاكلهم عليها.

يعاني الطفل، أو حتى المرأة الراشدة، أو الرجل الراشد، من الخنق النفسي الشديد، ولديهم شعور دائم بأنهم محبوسين، وأن فيهم عيبًا، أو حتى أنهم هم عبارة عن خطأ لقدومهم لهذه الحياة، لا يحسون بالأمان وتصاحبهم طوال حياتهم رغبة في الانتحار وإنهاء حياتهم.

وهنا ننوه أن رغبة الانتحار قد تكون ملازمة للطفل طوال فترة حياته بشكل يومي، أو تأتيه بفترات متقطعة ( فترة المراهقه، ثم في العشرينات من عمره…)

يعانون من فقدان الثقة خصوصًا مع أفراد عائلتهم، ينسحبون من العلاقات مع الناس، وحتى إن كانت بدافع الصداقة ويفضلون العزلة، فمن صفاتهم الرئيسية أنهم انطوائيون وقليلو الحديث، وإن حصل واكتسب أحدهم قلبهم، فرغم أن العبادة لله وحده، لأنه باستطاعتنا أن نقول إنهم يعبدونه ويظهرون الجانب الضعيف منهم له وحده.

عمومًا لهذه الضحية الكثير من المشاعر السلبية، وهنا ذكرت بعض العناوين الرئيسية فقط.

يبدأ موضوع خروف العائلة من نفسية أحد الوالدين أو كلاهما، فلكل شخص مشاكله الخاصة، والتجارب المؤلمة التي مر بها، والتي شكلت عقدًا نفسية له أو حتى أمراضًا جسمانية، وهنا أقصد الوالدين طبعًا، وإن عدم مواجهتهما لمشاعرهم الدفينة وذكريات الماضي المؤلمة يؤدي بهما الى أخذ قرار إما بأن يواجهوا مشاعرهم السلبية والجوانب المرفوضة بداخلهم، والتي هربوا منها طوال فترة عمرهم، وإما ينقلبون ضد الطفل ويلصقون كل مشاكلهم الخاصة والخارجية به.

وهناك عادة تتكرر في كل البيوت، فالأهل عندما يكون أحدهم غاضبًا، ثم يأتي الطفل ليتحدث معه، يخرج الأول كل الغضب الذي به نحو الطفل بدون قصد، لكن الضرر يكون قد صار وسُجل عند الطفل، فحتى لو ذهبنا نعتذر له قد يغفر الطفل في المرة الأولى والثانية، على حسب وسعة نفسيته، لكن لن يغفر إلى ما لا له نهاية، وقد يربي حقدًا دفينًا ضد الشخص المقابل.

فالأطفال وهم صغار يكونون حساسين لدرجة كبيرة؛ هذا لأنهم يعيشون ويستقبلون الحياة عن طريق جسد مشاعرهم، وكل شيء فيهم يُبرمج من خلال مشاعرهم،

هناك أهالي عندما يواجهون أي مشاعر سلبية تستفز نفسيتهم من الداخل يبدأون بالبحث عن ابنهم أو ابنتهم ليصبوا كل الألم الذي يعيشونه على الطفل، هذا لأنه سهل المنال وليس عنده الوعي ليدافع عن نفسه.

الأم تشاجرت مع زوجها تفرغ جام غضبها في ابنها من عنف لفظي وجسدي.

أب لديه ضائقة مادية يفرغ جام غضبه في إبنه باستعمال جسده، ولطالما كانت لدي رؤية أن الأباء يضربون أبناءهم لعلمهم بضعفهم وعدم مقدرتهم على أن يدافعوا عن أنفسهم، وما يثبت هذا أنه في العمل أو في الشارع يتعرض الأب أو حتى الأم إلى مضايقات شديدة، وكمية من الشتائم تنهال عليهم، لكنهم لا يستعملون جسدهم أبدًا؛ ذلك أن هناك خوفًا دفينًا فيهم من أن يكون الطرف الآخر أقوى، بينما الطفل الذي يخطئ تافه فيجري ضربه؛ هذا لعلم الضارب أن المضروب ضعيف.

بالتأكيد أنا ضد ضرب الأبناء للآباء بشدة ومهما يكون أهلك ولا بأس، فأنا هنا بصدد تحليل العامل النفسي للضارب ليس إلا.

أهل خروف العائلة يختارون طفلًا واحدًا من بين أطفالهم ليصبوا عليه كل غضبهم وآلامهم وكل سلبياتهم، وبالطبع أولادهم الباقون سيلحقون بالموكب ويسببون ألمًا «للخروف» عن طريق عدم احترامه إن كان هو كبير العائلة. شتمه، صب كل مشكلة تحدث عليه هو وأنه سبب ذلك، استغلاله لعلم الأطفال الآخرين بأنه إن لم يقم بما يطلبونه منهم سيشكونه للكبار وسيقفون بجانبهم ضد الطفل.

إخوة خروف العائلة ليسوا بأشرار، كل مافي الأمر أن عقولهم قد بُرمجت، بما أن أبي وأمي يفعلان هذا فهذا هو الصحيح، وأن الآخر يستحق.

وحتى في بعض الأحيان يحرض الوالدان الإخوة على الخروف ب«انظر إنه يغار منك»، أو «أنت لا تحب الخير لإخوتك»، «أنت أناني».. هذا لي يبرروا للإخوة أن سبب تعاملهم معه بهذه الطريقه هو الأصح، وهو الغيور وهو الأناني والحقود، وسبب كل المشاكل.

خروف العائلة هو المخطئ بكل شيء؛ فهو المزعج، وهو الملام، وهو الذي يتحمل دائمًا أي خطأ، سواء كان خطأ إخوته، أهله، أصحابُه بالمدرسة، حارس العمارة، كهرباء البيت، فاتورة الماء، حرارة التكييف، القط الذي بالشارع أو الحمامة بالبلكون، أي شيء يمكن أن تتخيلوه الضحية هو كبش الفداء وهو وسيلة الهروب لأفراد عائلته؛ بكل بساطة هو المشكلة بالعائلة، هو الحمل الثقيل الذي لا يعلمون كيف يتخلصون منه، هو دائمًا السبب وراء مشاكلهم ومشاعرهم السلبية، هو يلعب دور الإزعاج السري الداخلي، فهيكل شخصية هذا الطفل عادة مرفوضة في أعين أهله وعند قيام الطفل بمشكلة ما ولو بسيطة جدًّا و لا تستدعي هرجًا ومرجًا، إلا أن أفراد عائلته يتخذونها حجة لأنفسهم وأنهم ضحايا له، وأنه يستحق تلك المعاملة القذرة وأنهم أناس لطفاء طيبون يحاولون تقديم الخير والمساعدة، وبالتالي يؤكدون له ولأنفسهم ولإخوته أنه هو سبب المصائب في البيت.

يقول علماء النفس إن حالة الطفل الخروف هي من أصعب الحالات للعلاج؛ هذا لأنه قد جرتت تنشئة الطفل وغرس هوية أن كل شيء فيه خاطئ، هم من ضحايا العنف اللفظي، كأن تصرخ أمه بوجهه «الله يلعن اليوم الذي ولدت به»، «لو مت و ما جبتك ع الحياة»، «يا رب اليوم الجمعة إن شاء الله بنار جهنم تخلد»…إلخ. تذكر إحداهن أن سبب سمعها لكل هذه الشتيمة أنها لم تكن تُجيد كَّي الملابس من المرة الأولى لها.

وهناك أيضًا طريقة إشعاره بالذنب كأن تطلب الأم من ابنتها الزواج من شخص معين؛ لأنه غني و هم فقراء فترفض الفتاة، فتنهال عليها الأم «يا عيب الشوم عليك أنا اللي أنجبتك وربيتك وسهرت عليك، ونحيت من لحمي لطعميك ترفضيلي طلب!» أو حتى أن تنقطع عن دراستها لتعيل عائلتها، وحتى تعرضها لعنف جسدي من الأب. الكثير الكلام من الجارح الذي يهدف إلى أن يشعر الطفل بالذنب ليحصل الأول على مبتغاه.

خرفان العائلة من ضحايا العنف الجسدي آثار الضرب تغطي جسدهم، كما أنهم من ضحايا الزواج القسري.

تعتمد العائلة على هذا الطفل في أن يكون هو المشكلة وكيس الملاكمة، ويعتمدون عليه في أن يظل يلعب هذا الدور لأن بنية العائلة ستنكشف إن لم يكن له وجود.

هم لن يسمحوا بهذا الشيء؛ لأن عدم وجوده يعني أنهم مضطرون غصبًا عنهم أن يواجهوا أنفسهم، إلا في حالة وجود بديل له، وهذا باختيار فرد آخر من الأطفال. و مما كشفه الأطباء أنه في حالة اختيار بديل بعد رحيل الخروف الأول، أن الاختيار الثاني يقع لتشابه ملامح الطفل الثاني مع الطفل الأول.

غير هذا سيكتشف الأهل أنهم هم الظالمون وليسوا الضحايا، وهذا سيخلق لهم أيامًا كلها تعاسة وألم، فالبنهاية «خروف العائلة» هو تقنية الهروب بالنسبة لأفراد عائلته وعليهم الحفاظ على هذا الوجود المهم الذي يلعب دور الضحية.

وإن الضحية عادة يبني حوله جدارًا من الألم يبقى يعيش فيه، ويكون بحاجة إلى الكثير من الدعم والمساعدة ليشفى نفسيًّا، وحتى معاملة خاصة، فهم مكسورون من الداخل وفاقدون الثقة تمامًا، فهم يرون أنهم لا يستحقون الحب، ويجدون صعوبة في أن يصدقوا أن هناك أحدًا يحبهم حبًّا غير مشروط فبالنسبة لهم إن أمي أو أبي لم يحبني فكيف بالغريب أن يعشقني!

تقول الدكتورة «تينا عواد» إن الشفاء لحالة خروف العائلة أن يعترف لنفسه بأنه حقًّا لم يكن محبوبًا وكان مكروهًا من طرف عائلته ومنبوذًا، ثم يعيد بناء ذاته من جديد.

هناك خرفان كسرت وذبحت وزُوجت قسرًا وانتهى أمرها بالنسبة إليهم، يعني استسلموا. أما الخرفان الناجية من الذبح تكون ذات ملامح قاسية لا تُثار بسرعة، ولا تثق أبدًا قد ترى أنهم من الصعب جدًّا التعامل معهم عندما تمنحهم الأمان والثقة والحب في البداية، سيصدونك ويخلقون المشاكل من عدم، وتبدأ عقدهم النفسية بالظهور على السطح بدون وعي منهم، وتتشكل كاختبار لك، فنفسيتهم المريضة هي التي تشكك هل أنت حقًّا تحبهم وتتقبلهم. كما أنهم يعتمدون طريقة التحسيس، «انظر هذا ما عنيت فهل ستتحمل معي!»، «أو بالأحرى اشعر بي»، إن صبرت ونلت ثقتهم سيتحولون إلى أجمل شيء رأته حياتك، كل ما عندهم يقدمونه مضاعفًا. الحب، الصبر، الثقة، على استعداد للتضحية بأنفسهم لأجلك، سندٌ لك عند الحاجة.

وإن ظهور عقدهم النفسية للسطح يعني أنهم وجدوا الأمان فيك وهم في رحلة تشافٍ بسببك، فترة ويشفون ويصبحون أفضل ما رأت عيناك.

أما إن كنت خروف العائلة وتم التخلي عنك، فهذا يعني أن وقت الشفاء قد حان، وعليك أن تقوم برحلتك في أغوار ماضيك ونفسك لوحدك سُتشفى وستصبح أقوى وأجمل وأكثر محبة.

فالحياة ما هي إلا انعكاس لما بداخلنا، جٌد السعادة بداخلك تجدها في واقعك، اغمر نفسك بالحب تجد الحب في واقعك، فكر بإيجابية فكل ما تفكر به يتجلى في واقعك، إن كنت خروف العائلة فهذا يعني أنك تمتلك قوة نفسية اكثر مما يمتلكها الأخرون، وذكاء وفطنة أكثر من الآخرين، والكثير من الصفات الرائعة كالرحمة والعطف، بيئتك صعبة لا بأس، وتذكر (ي) أن الرجال العظماء لا يولدون إلا في البيئات الصعبة وما خلق الله نفسًا إلا وسعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد