«إذا لم تقف من أجل شيء، فستسقط أمام أي شيء».

«.If you don’t stand for something, you will fall for anything»

هذه إحدى المقولات الإنجليزية المعروفة، التي تشير إلى معنى شديد الأهمية، ربما يغفل عنه الكثيرون منا في حياتهم، فلا يمتثلون إليه ولا يعملون بمقتضاه، على الرغم من أنهم على الأغلب متفقون معه أتم الاتفاق، ولكن يفصلهم عنه الفرق الشاسع بين النظرية والتطبيق.

الشخص الذي ليس لديه نظام واضح من القيم والمبادئ تمثل قاعدة لكل أفعاله وأقواله وضابطًا لتصرفاته؛ يكون شخصًا ضعيفًا وهشًا، لا يقوى على مواجهة التحديات أو تحمل الضغوط. الذي لا يقف على أرض صلبة من القواعد الأخلاقية يتحرك بناءً عليها ويسلك وفقًا لها؛ ينهار أمام أيٍ من العوائق أو الصعوبات أو النقد، ولا يستطيع تحقيق الرضا الحقيقيّ عن ذاته، ويصبح أقصى ما يرجوه هو أن يذوب في ما حوله ومن حوله ويتشكل تبعًا للظروف ويتوافق معها وينحني لها.

في المراحل الأولى لنموّ الطفل نفسيًّا يبدأ في تحديد هويته من خلال الفصل بين ما هو جزء منه وما ينتمي إلى العالم الخارجيّ على مستوى الإحساسات الماديّة البسيطة، حيث يبدأ في التفريق مثلًا بين الأصوات التي يصدرها هو وبين الأصوات التي يسمعها مما حوله، وفي التفريق بين حدود جسده وبين الأيادي التي تحمله وهكذا، ويمتد ذلك إلى التفريق بين مختلف الأشخاص كذلك.

ومع تراكم الخبرات الحسية مع مرور الوقت يتأكد ذلك الفصل ويزداد وضوحًا، كأن يكتشف الطفل مثلًا أن ما يراه ليس هو عينه بالضرورة ما يراه الآخرون، حيث يُذكَر مثلًا أنه قبل ذلك الاكتشاف، إذا كنت جالسًا لمشاهدة التلفاز، وطلبت من الطفل أن يتحرك من أمامك لأنك لا ترى جيدًا بسببه، فإنه لن يقتنع بكلامك ولن يفهمه، لأنه هو شخصيًا يرى التلفاز جيدًا، وعلى قدر معرفته فإن هذا هو بالضبط ما تراه أنت. لكنه يبدأ تدريجيًّا في الاقتناع بهذا الأمر وتفهمه فيما بعد.

وذلك يعني أن تطور هوية الطفل وتشكل كيانه يرتبط ارتباطًا محوريًا بعملية يبدو فيها الطفل وكأنه ينتزع ذاته من وسط العالم، وحيث يصبح إثبات وجوده كذات مستقلة مرتبطًا باكتشافه لعدم كونه جزءًا مما حوله، وعدم كون ما حوله جزءًا منه، وحيث يبدو وكأنه مضطرٌ إلى أن يتخلّى عن العالم، ويخرجه من الإطار حتى تتضح صورة هويته.

ويبدو لي أنه خلال كل مرحلة من مراحل النضج التي يمر بها الإنسان في حياته يحدث شيء مشابه لذلك، بحيث يجد الواحد منّا نفسه مضطرًا إلى أن يتخلّى عن شيء خارجيّ حتى ينبني شيء ما بداخله، جزء من هويته.

فأمام كل صعوبة من الصعوبات التي تواجهه في حياته، وعند كل مفترق طريق يعترضه، يتطلب منه الأمر أن يتخلّى عن عارض من العوارض الماديّة أو الاجتماعيّة حتى يكتسب مكانه جزءًا من هويته، حتى ترتسم صورة ذاته بمرور عمره.

وبالطبع يمكن لكل إنسان في كل وقت أن يختار الطريق الأسهل، وهو أن يمتثل لقواعد المجتمع الذي يحيط به ولقوانينه، ويحاول أن يذوب في الآخرين ويمتزج بهم، ولكنه سيدفع ثمن ذلك غُربة عن نفسه، وانتقاصًا من ذاته، وضعفًا عند مواجهة تحديات الحياة وعقباتها.

وذلك هو ما أسماه عالم نفس النمو الأمريكيّ «Erik Erikson» بـ«أزمة الهوية» في سياق وصفه لمعالم الصراعات النفسيّة الداخليّة التي يخوضها الإنسان عبر المراحل المختلفة لنموّه النفسيّ، حيث اعتبر ذلك المرحلة الخامسة من مراحل النموّ النفسيّ، المرحلة التي يبحث فيها المرء عن إحساسه بذاته وهويته الشخصية، من خلال البحث عن قيم ومبادئ شخصية يعتنقها ويستلهمها في تصرفاته، ومبادئ يؤمن بها وأهداف كليّة يلاحقها في حياته، وعندما يتجاهل المرء مهمته تلك في تحديد هويته وبنائها وينساق وراء التفضيلات المجتمعية له في اتخاذ قراراته في حياته – وهو ربما ما يفعله كثير من الناس إيثارًا للدعة – فإنه يتعرض، فضلًا عن انسحاقه نفسيًا في الظروف العاديّة، إلى الانهيار والسقوط في الظروف الصعبة.

ومن هنا يتضح أن الإنسان يجب عليه أن يتبنى ويستحضر نظامًا قيميًا متكاملًا، منفصلًا عن قواعد المجتمع وضغوطاته، في كل خطوة يخطوها فعلًا أو قولًا بغرض الوصول إلى الحق والحقيقة ليس إلا، وليس ذلك وجوبًا أخلاقيًا فقط، وإنما ضرورة نفسية لاستكمال بناء صرح الذات وإكسابها مناعةً ضد «السقوط أمام أي شيء». ويتضح كذلك أن ذلك سيتضمن بالضرورة تخليًّا عن شيء ما بالعالم وتضحية به.

يقول «Friedrich Nietzsche» في كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته: كتاب للعقول الحرة» في سياق كلامه عن تحرر العقل مما كان يسميه «فضائل القطيع»: (لماذا أنا منفرد؟ وحيد؟ متخلٍ عن كل ما كنت أقدسه؟ متخلٍ عن التقديس ذاته؟ لماذا هذه القسوة، هذا الشك وهذا البغض لكل فضائلي؟) فإنه الآن يتجرأ ويطرح السؤال بوضوح، بل يخطر على باله جواب ما: (كان عليك أن تمسك بزمام نفسك، وبزمام فضائلك كذلك. في السابق كانت هي التي تتحكم فيك، لكنها لم يعد مسموحًا لها سوى أن تكون أدوات في يدك بجانب أدوات أخرى، كان عليك أن تتحكم في دليلك ونفيك، وأن تتعلم فن تعليقهما وإنزالهما حسب مراميك العليا).

ولكن يظل اختيارك للتضحية بالعالم هو اختيارك للطريق الأصعب، والذي يتطلب اتخاذه مجاهدة عظيمة، ولكنه هو الطريق الصحيح لمن أراد أن يحقق ذاته ويصمد أمام ضغوط الحياة، وهو ما عبرت عنه مقولة «غسان كنفاني»: «عليك أن تبني في نفسك رجلًا، لا يحتاج في اليوم الصعب إلى ملجأ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد