تخرج الرئيس «السادات» في الكلية الحربية عام 1938 بعد فترة دراسة لم تزد عن تسعة أشهر؛ حيث كان الجيش المصري في حاجة ملحة لضباط ومقاتلين في الوقت الذي بدأت فيه بوادر ونذر الصدام العالمي الكبير، الذي عرفه العالم فيما بعد بسنة واحدة، وهي الحرب الكونية الكبرى، وتلا ذلك انضمام الدوتشي الإيطالي «موسوليني» لمحور النازي «هتلر» واستعداداته لغزو مصر، بادئًا بغزو الحبشة، وتدعيم وجوده في ليبيا، وندائه الشهير باعتبار البحر الأبيض المتوسط بأنه: «بحرنا».

ولم يمكث «السادات» طويلاً في الخدمة العسكرية؛ إذ شده العمل السياسي السري لمحاربة المحتل الإنجليزي سبب كل البلاء والمصائب في مصر وقتها، وكانت مصر وقتها تمتلئ بجماعات تنادي بمقاومة الإنجليز بالسلاح وليس بالمظاهرات السلمية التي لم تقدم شيئًا له قيمة في استقلال البلد، كما حدث في ثورة 1919.

وكانت بدايته في العمل السياسي حين انضم لجماعة سرية أسسها الفريق «عزيز المصري» المفتش السابق للجيش المصري ورئيس أركانه، وكان الهدف منها التعاون الاستخباراتي مع عناصر النازية في مصر، وإمداد الألمان بمعلومات عن الوضع العسكري البريطاني، ولكن المخابرات الإنجليزية كشفت تلك الخلية فتم القبض على «السادات» «وكانت مهمته هي إرسال الرسائل المشفرة للألمان عن طريق جهاز سرقه أثناء خدمته، وكان يخفيه في عوامة الراقصة «حكمت فهمى».»

ويقول «السادات» – في مذكراته – أنه في تلك الفترة قام بكتابة مسودة «معاهدة سلام» كان ينوي إرسالها للمارشال «إروين روميل» «قائد الفيلق الأفريقي في الجيش الألماني» لتوقيعها ! ولم يشرح «السادات» – في تلك المذكرات – كيف كان له وبأي طريقة يستطيع، وهو «الملازم أول» في الجيش المصري مقابلة القائد الأعلى للجيوش الألمانية في أفريقيا والتفاوض معه على مستقبل مصر، وسط صخب الحرب.

ومهما يكن فإنه ما لبث أن وجد نفسه مطرودًا من الجيش وهاربًا من السجن لمدة ثلاث سنوات شاقة ومتعبة ومرهقة عمل خلالها في أعمال وضيعة ومتدنية.

وبعد الحرب وانتهاء العمل بالأحكام العرفية عاد إلى الجيش بوساطة «يوسف رشاد» طبيب الملك ومؤسس تنظيم الحرس الحديدي، وهو التنظيم الذي كان الهدف منه الثأر من كل من أهانوا «فاروق» في حادث 4 فبراير الشهير.

وكان «أمين عثمان» وكيل وزارة المالية، و«عراب» الوفد ومندوبه لدى قصر الدوبارة «مقر السفارة الإنجليزية»، هو أول اسم في قائمة من أهانوا الملك، ولذلك وجب الخلاص منه بالقتل، وكان «السادات» ضمن تلك المجموعة التي كان «حسين توفيق» يقودها لتخطيط العملية وتنفيذها.

كما أنه شارك في أكثر من محاولة لتنظيم الحرس الحديدي لقتل «مصطفى النحاس» «باشا» أعدى أعداء ملك البلاد.

ثم كانت نهاية المطاف بانضمامه لتنظيم الضباط الأحرار، الذي أسسه «عبد الناصر» واستطاع خلع الملك وإنهاء أكثر من سبعة عقود من الاحتلال الإنجليزي البغيض.

ومن المؤكد أن «السادات» كان سعيدًا جدًا يوم 18 يونيو 1956، عندما شاهد آخر جندي بريطاني يرحل عن أرض مصر، ولم يخطر بباله أبدًا أنه سيأتي يوم على إمبراطورية الشمس التي لا تغيب أن «تترجى» فيه رئيس مصر في طلب يخص الملاحة البحرية، وأن يكون هو بنفسه ذلك الرئيس.

حدث ذلك يوم 22 أكتوبر عام 1973 عندما طلب السفير الإنجليزي في القاهرة «فيليب آدامز» مقابلة الرئيس «السادات»، وهو يحمل «رجاءً» من الحكومة البريطانية أن تقوم مصر بفك الحصار العسكري عن مضيق باب المندب في البحر الأحمر؛ لأن كثيرًا من السفن التجارية الإنجليزية محتجزة ولا تستطيع المرور منه من وإلى المحيط الهندي، وكانت خطة الحرب المصرية تتضمن وضع بعض قطع بحرية على مدخل البحر الأحمر في باب المندب لقطع الطريق البحري على أي إمدادات نفطية للعدو الإسرائيلي.

ولا شك أن «السادات» ضحك ضحكته الشهيرة الساخرة وتعجب في نفسه من تصاريف القدر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أكتوبر 73:السلاح والسياسة،محمد حسنين هيكل
عرض التعليقات
تحميل المزيد