الرئيس الراحل محمد أنور السادات، مر على رحيله 34 عامًا، لكنه يبقى الرئيس المصري والعربي الوحيد الذي ارتبط اسمه دائمًا بحدثين مهمين سيظل يذكرهما التاريخ أبد الدهر، الحدث الأول قيادته للجيش المصري العظيم للانتصار على جيش العدو الصهيوني في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، والثاني زيارته المفاجئة لإسرائيل وإلقاؤه لخطاب مثير أمام المسؤولين الصهاينة في الكنيست الإسرائيلي، خاطفًا كل عيون العالم بمخابراته وإعلامه ومراكزه الدراسية والاستراتيجية، لتصوب نحوه في وقت واحد لمدة زادت على 40 دقيقة، وهو ما لم ينله أي رئيس في العالم.

لكن هناك حدث ثالث يرتبط بالسادات لا يقل عن الحدثين الأول والثاني، فهو الرئيس المصري الوحيد الذي جمع بين الذكاء الحاد والنظرة المستقبلية لأحداث العالم، وكأنه يقرأ الطالع بشكل مدهش ورائع، عكس ما مر على مصر من رؤوساء مثل محمد نجيب وعبد الناصر ومبارك ومرسي والآن السيسي، كما أنه الرئيس المصري الوحيد الذي أطلقت عليه ألقابًا جاذبة وأكثر إثارة مثل (الرئيس المؤمن، وكبير العائلة المصرية وقائد الانتصار العظيم)، كما أنه تفوق على كل أقرانه بشكل واضح في إدارة الدولة على مدار 11 عامًا ولم يشهد عصره قمعًا ولا تعذيبًا للمصريين إلا فيما ندر، وسمح بإعادة الأحزاب وأخرج الإخوان المسلمين من السجون وأعادهم للحياة السياسية مرة أخرى، كما أنه سمح بهامش من الحرية لا بأس به وتحررت الصحف في عهده بشكل كبير، ليعود ويعتقل أكثر من ألف معارض سياسي لسياساته أبرزهم فؤاد باشا سراج الدين رئيس حزب الوفد، ومحمد حسنين هيكل الكاتب المرموق الذي سبق وطرده من جنته بعد توليه الحكم، وعمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين.

زياراته والكاريزما التي اكتسبها عالميًا

لم يكن السادات شخصًا عاديًا بالمعنى الدراج فجمع بين الدهاء والخبث والذكاء وكيفية إجادته المناورة مع خصومه وأعدائه وأصدقائه في آن واحد، ويحسب له تميزه المذهل في إجادته الرائعة بدرجة امتياز بنطقه العربي الصحيح للكلمات أثناء خطاباته وربط الجمل ببعضها البعض بشكل يجذب المتلقي ويبهره ويدفعه دفعًا لحب الرجل حتى لو اختلف معه، وهذه الصفات مجتمعة جعلت من السادات نجمًا ينافس نجوم هيوليود كما وصفه الإعلام الأمريكي بعد زياته للكنيست الإسرائيلي.

ولم يأفل نجمه مطلقًا في كل دول العالم حتى رحيله من فوق المنصة مقتولًا بيد الغدر والخيانة بقيادة جماعة تكفيرية قادها خالد الإسلامبولي ورفاقه، ويختلف السادات عن عبد الناصر مثلًا أو مبارك أو مرسي أو السيسي كليًا، فعندما كان يقوم بزيارة الهند أو يوغسلافيا أو رومانيا أو أمريكا كانت تحاط هذه الزيارات بهالة إعلامية عالمية كبيرة، وكأنه رئيس أكبر دولة في العالم، وهي الدول التي جمعته برؤسائها صداقات وطيدة وساعدته كثيرًا على تطبيق سياسته في منطقة الشرق الأوسط، ووضع مصر في مكانة تستحقها بين دول العالم، وكانت دول الجوار تخشاه بشكل كبير، خاصة الرئيس الليبي العقيد الراحل معمر القذافي والذي استخدم معه القوة ليريه (العين الحمراء) بعدما ضاق ذرعًا بشطحاته غير المبررة، ليكتسب السادات كاريزما قلما يتمتع بها غيره سواء من سبقوه أو من جاؤوا خلفه حتى الآن، وهو ما يعني أنه سيبقى علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث.

الكشف عن زيارته لإسرائيل

عندما خطب السادات في أعضاء مجلس الشعب المصري والذي كان يترأسه صوفي أبو طالب في حينها، مساء يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1977 مفجرًا قنبلته ومفاجأته الكبرى بقوله حرفيًا (سندهش إسرائيل حينما تسمعني الآن أقول أمامكم أني مستعد إلى الذهاب للكنيست الإسرائيلي ذاته) قالها السادات بلهجة اتسمت بالقوة والقسوة وتحد واضح ليصفق له أعضاء البرلمان بحرارة في وجود القائد الفلسطيني ياسر عرفات الذي صفق طويلًا هو الآخر وهو مذهول.

ولم يكن الرجل يقولها صدفة، بل قالها وهو يعي تمامًا ما يقول ليُكشف النقاب بعد ذلك أن هناك اتصالات مباشرة تمت برعاية الملك الحسن الثاني بين الجانبين وصلت لأعلى المستويات، مثل الطرف المصري فيها حسن التهامي نائب رئيس الوزراء والذي اجتمع في إحداها مع رئيس وزير خارجية العدو وقتها موشيه دايان أشد أعداء المصريين على الإطلاق.

وجاء الإعلان عن استعداده لزيارة العدو والتحدث معهم في عقر دارهم مدويًا وأصبح الزعيم المصري حديث وسائل الإعلام العالمية وهو ما لم ينله رئيس دولة من قبل وبشكل غير مسبوق، لتتلقف إسرائيل الدعوة وتعلن على الفور ترحيبها بها، على لسان مناحم بيجين والذي سارع بقطع الطريق على السادات بتصريحاته التي قال فيها، بأن إسرائيل لا يمكن أن تعود إلى حدود عام 1967، وأنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية، ولن تقبل بإجراء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يثن هذا الإعلان السادات عن القيام برحلته. وقال كثيرون من المسؤولين المصريين آنذاك إنه اتخذ قراره منفردًا، مؤكدين عدم معرفتهم بالقرار قبل إعلانه، وأنهم تفاجأوا به، وقدّم وزير الخارجية المصري الراحل إسماعيل فهمي استقالته بعد تأكده من زيارة السادات للقدس، وقال إنها “حطمت دور مصر تجاه الفلسطينيين، وعزلت مصر عربيًا، كما عزلت السادات داخل بلاده”.

مفاجأة السادات وردود فعل العالم والعرب

عقب انتهاء السادات من خطابه في البرلمان المصري أول من رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحم بيغن والأمريكيون بإعلان السادات، وتحدد لزيارته يوم السبت الموافق 19 تشرين الثاني 1977 وعلّق الرئيس الأمريكي حينها، جيمي كارتر، بعد سماع الخطاب، قائلًا: “السادات يشبه أول رجل صعد إلى سطح القمر”.

وقال المستشار النمساوي (رئيس الدولة) آنذاك، برونو كرايسكي، إن السادات “يعرف تمامًا قيمة سلاح الحرب وفاعليته، كما يدرك في الوقت نفسه معنى السلم وحسناته”.

ولم تكن ردود الفعل العربية إيجابية على الزيارة. وقاطعت الدول العربية مصر، معلقة عضويتها في الجامعة العربية التي نقل مقرها الدائم من القاهرة إلى تونس العاصمة، بناء على قرار اتخذ في القمة العربية التي عقدت في بغداد، بناء على دعوة من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1978، وولد مصطلح “دول الرفض” في الإعلام المصري لتبقى العلاقات متوترة بين مصر والدول العربية إلى أن عادت مرة أخرى تدريجيًا في عهد حسني مبارك، ويذكر أن دولتي السودان وسلطنة عمان هما الدولتان الوحيدتان اللتان أبقتا على علاقاتهما مع مصر دون أي تغيير بقيادة جعفر النميري والسلطان قابوس بن سعيد ودعما السادات بقوة.

أقوى الخطابات على مر التاريخ وأكثرها تحديًا

وجاء في خطاب السادات أمام البرلمان الإسرائيلي (جئت إليكم اليوم على قَدَمَيْن ثابتَتَيْن، لكي نبني حياة جديدة، لكي نُقِيم السلام. وكلنا على هذه الأرض، أرض الله، كلنا، مسلمون ومسيحيون ويهود، نعبد الله، ولا نشرك به أحدًا. وتعاليم الله ووصاياه، هي حب وصدق وطهارة وسلام)، وكان بذلك أول رئيس عربي يلقي خطابًا أمام الكنيست، وأول من جاهر من القادة العرب برغبته في السلام مع إسرائيل التي وقع معها في 26 آذار (مارس) 1979 “اتفاقية كامب ديفيد” للسلام. وحصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع بيغن عام 1978.

وقالت قرينته جيهان السادات، إن خطاب السادات بالكنيست الإسرائيلي كان من أقوى الخُطب التي سمعتها بحياتها، واصفة زوجها بأنه ذو شخصية قوية وواثق من نفسه، مضيفة: (ربنا كان مديله إيمان وقوة خطيرة).

وأضافت في تصريحات ببرنامج (بوضوح) المذاع عبر فضائية (الحياة)، في لقاء لها، أنها شعرت بالفخر والسعادة عند عودة السادات من إسرائيل، مشيرة إلى أن زوجها استغرق ساعتين للوصول إلى المنزل هذا اليوم رغم أن الطريق لم يستغرق سوى دقائق.

وتابعت: (سألت السادات ما الذي لفت انتباهه في إسرائيل، فأكد لي أن المرأة الإسرائيلية هي أكثر ما لفت انتباهه، بعدما رأى امرأة معها طفلها تنظر له وبعينيها دموع وكأنها تقول له أن ابنها لن يدخل حربًا مرة ثانية)، لكن تبقى المفارقة الغريبة هي ارتداء السادات لـ (كرافت) يحمل شعار الصليب المعقوف وهو شعار النازية التي أسس لها الزعيم الألماني أدولف هتلر ربما فعلها تحديًا أو لتذكير اليهود بما حدث لهم.

رحيله واغتياله

أثناء حضوره استعراضًا عسكريًا في ذكرى انتصار الجيش المصري على إسرائيل، اغتيل السادات من طرف مجموعة تكفيرية مسلحة في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان يجلس بجواره المخلوع حسني مبارك والمشير الراحل محمد عبد الحليم أبو غزالة وقطاع كبير من المسؤولين المصريين، أبرزهم صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب وعدد من سفراء الدول الغربية وآخرين، رحم الله السادات وأسكنه فسيح جناته، نختلف أو نتفق معه لكنه يبقى علامة بارزة في تاريخ مصر الحديث، كما أنه تمتع بحب شديد للوطن وعشقه الدائم للإنسان المصري البسيط وقربه من الفلاحين وأهل الريف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد