لنناقش موضوع شائك، ليس لأنه حاسم أو مصيري، ولكن لأنه كالدبوس يشكنا في قلوبنا وعقولنا. ملف لطالما يحير المصريون فترة من الزمن كل عام، دعونا نسميه «الملف الذي قتل صاحبة»، ولا داعي للاستنتاجات والتكهنات، أنا أتحدث عن معاهدة السلام واتفاقية كامب ديفيد الناتجة عنها.

على مدار الأيام الماضية ومثل كل عام، بدأ مجهولون يسردون وقائع تاريخية منها ما هو من وحي خيال المؤلف، ومنها ما هو حقيقة وواقع، وحتى تلك الحقائق تروى تارةً في إطار التهليل والتأييد، وتارة أخرى في إطار التهويل والتشويه.

جنرالات في الجيش ودبلوماسيين ومؤرخين أدلى كل منهم بدلوه، منهم من نصر الرجل، ومنهم من نهش في لحمه، ولكن صراحة لم أجد أحدهم يقف على سبب المشكلة الحقيقي، فهناك من رآها خنوعًا وركوعًا واستسلامًا، وهناك من يرى في الأمر دهاء وذكاء وحكمة، وتبارى الطرفان بحنكة شديدة في سرد الوقائع والملابسات، وإضافة بعض الحركات، ولكن بلا نتيجة، بمعنى أنه ليس طريقًا لحسم صراع تاريخي قدر ما هو جدال.

أردت أن أشارك، ولكن ليس بمعلومات عسكرية ولا تاريخية، إنما بوجهة نظر ربما تساعد هؤلاء وهؤلاء أن يتوصلوا لحل، مبني على أساس واحد سليم.

هذا الرأي يمكن أن نبدأه بسؤال: هل ترى الرئيس الراحل السادات زعيمًا أم رئيسًا؟ في الإجابة على السؤال حل لتلك المعضلة التي تراودنا وتؤرقنا كل عام.

في اعتقادي الشخصي، أنا لم أسمع ولم أقرأ ولم أعرف عن الرئيس الأسبق محمد أنور السادات طوال تاريخه أنه كان زعيمًا أو قائدًا لمجموعة من البشر لهم قضية ما، لم نراه يومًا كغاندي يصوم عن الطعام لمقاومة المحتل، أو كمالكوم إكس مثلًا يكافح من أجل قضايا بلده، لم يكن مناضلًا من الأساس، ربما كانت حياته صعبة، وكان كأي فرد آخر مهتمًا بالعمل السياسي في ظروف ما تفرض نفسها، إنما قائد روحي، لم أعهد عنه ذلك.

وحتى تنظيم الضباط الأحرار الذي أطاح الملك فاروق وتقلد الحكم، لم يكن السادات زعيمه، ولم يكن أكثرهم جاذبية، ولم يكن هناك أي مؤشرات توحي بأنه سيكون رئيسًا، اللهم إلا دهاءه ورؤيته السياسية، وقدرته الجيدة على الخطابة.

وهنا أنا لا أقلل من الرجل، وإنما نقول ما له وما عليه، السادات كان رجل سياسة، يملك من الدهاء الكثير، لكنه لم يكن يومًا صاحب قضية، ولم يكن محرر أمة.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن ننظر لوضع وفكر الرئيس نفسه وقت الحرب، وبعد الحرب، فقد كان يفكر بأسلوب رئيس دولة، وراءه شعب، يعاني من أوضاع معينة، شعب خرج من نكسة، وفي وضع اقتصادي ونفسي سيئ، يريد العودة ويريد الشرف، وكان هذا ما عمل عليه وكانت الحرب، وكانت له أهداف من تلك الحرب، وهي أهداف سياسية لا تتعلق بكونها شرفًا أو غير ذلك، ولما تحقق مبتغاه، أكمل المسيرة كرئيس، بما يعني أن ينفذ ما يراه مناسبًا لمصلحة شعب وثق فيه.

أما لو كان زعيمًا، ومن ثم قرر عقد اتفاقية وبيع القضية، هنا وهنا فقط نعتبره خائنًا، وليس حتى مخطئًا، إنما وهو رئيس، ففي النهاية هناك علاقات دولية ومواءمات ودماء تراق واقتصاد يستنزف، هناك قوي دولية وإقليمية، هناك قرارات مصيرية يجب أن تؤخذ، الأمر لا يتعلق دومًا بحالة الفوران والغليان التي يملكها المواطن، هناك عالم ونحن جزء من هذا العالم.

فاصل.. ورسالة

«قبل عدة أعوام كنت أدرس القانون الدولي بجامعة القاهرة، وأثناء ذلك كان أحد المحاضرين، وهو الدكتور محمد سامح عمرو أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام بجامعة القاهرة، وكان يحاضر عن العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، ومن بين ما قال كان حديثه عن أن هناك من الأمور التي تحكم الدبلوماسية لا يمكن أن يقبل بها المواطن أبدًا، ولكنها في النهاية تتعلق بالمعاملة بالمثل، والعلاقات الدولية، ودلل على ذلك بمثال أن تدهس سيارة دبلوماسية شخصًا عمدًا وأثناء فترة عمل، فإن الأمر دبلوماسيًّا سينتهي إلى ترحيل الدبلوماسي عن البلد، وفقط».

ماذا لو كان السادات زعيمًا، وقرر إبادة إسرائيل؟ ترى هل كان سينجح؟ هل كان سيمر الأمر مرور الكرام؟ خلال الحرب تمكنت إسرائيل من صد الهجوم، والعودة من جديد للمعركة بفضل المساعدات الأمريكية، فهل تظن مصر كانت قادرة على الاستمرار؟

فاصل 2

«الدكتور مفيد شهاب، ولا أحتاج أن أعرفه، وبعيدًا عن كونك معه أم ضده، فهو ما زال واحدًا من كبار أساتذة القانون الدولي في مصر، وتصادف أن كان محاضرًا لي يومًا ما أيضًا، كان يقول جملة لن أنساها أبدًا، تقول: (لا يكفي أن تكون صاحب حق. ولكن يجب أن تستطيع الدفاع عنه)، وكما نقول في المثل الشعبي (أخد الحق حرفة أو صنعة)، أعتقد أنه لو كنا استمرينا في مسار الزعامة والقومية وطريق ناصر، فإن القاهرة كانت ستصبح عاصمة إسرائيل».

نعود من الفاصل، الرئيس السادات كان يعي جيدًا الظرف المحيط به، وإمكاناته، وبناءً عليه كان قراره، سواء أصاب أو أخطأ، فهو قرار أصدره من منطلق كونه رئيس دولة، واجتهد فيه، سواء أصاب أو أخطأ، فهو يتحمل المسئولية.

ما أحتاج أن أقوله لكي ألخص رسالتي هنا، لا تتهمني بإغفال مسئولية السادات عن العديد من الأخطاء من بينها الثغرة مثلًا، ولا تتهمني بكوني مع أو ضد تلك الاتفاقية، فأنا وعلى كل حال لي رأي آخر، ولكن رسالتي هي ألا تحاسبوا السادات كزعيم، ولكن حاسبوه كرئيس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السادات, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد