استقبل المسلمون في أصقاع الأرض عيد الأضحى بمشاعر مختلفة. ففي الولايات المتحدة، كان بعض المسلمين يخشون تزامن العيد مع ذكرى أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. وفي الدول العربية، كان البعض الآخر يتألم لأن العيد يرتبط بالذكريات المؤلمة لإعدام صدام حسين على أيدي الأمريكيين في نفس اليوم منذ أكثر من 10 سنوات.

عندما كانت «محاكم التفتيش العراقية» في سنة 2003، تسائل في سنة 2005 صدام حسين حول «الجرائم التي اقترفها» في حق الشعب العراقي، قال موجهًا كلامه للحكام العرب «أنا ستعدمني أمريكا أما أنتم فستعدمكم شعوبكم».

وإذا كان ما تشهده دول عربية، مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا منذ ذلك الوقت يقوم شاهدُا على صدق النصف الثاني من نبوءة صدام حسين، فإن النصف الآخر ما زال موضوع جدل واسع.

هل سقط صدام حسين عندما احتلت الولايات المتحدة العراق، أم عندما خذله شعبه؟

لكن قبل أن نخوض في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، أشير إلى أن ما تتضمنه هذه السطور ليس محاكمة ثانية لصدام حسين، فالقانون يرفض محاكمة أي شخص أو معاقبته مرتين على «نفس الجريمة»، كما أنه ليس جلدًا للشعب العراقي، فمحاكمة الشعوب امتياز يختص به التاريخ دون سواه، وهي أيضًا ليست بأي شكل من الأشكال دفاعًا أو تبريرًا للاحتلال الأمريكي للعراق، لأن ذلك سيكون عارًا على قلمي العربي.

 

سقوط صنم آخر

إن ما يحدث اليوم في العراق من مآس هو مرحلة سابقة لأوانها لما قد يحدث في سوريا خلال السنوات القادمة، إذا لم يتفاد الجميع نفس العواقب التي شهدها العراق قبل سنوات، بسبب الظلم وجنون العظمة الذي كان يتحكم في صدام حسين في علاقاته مع الدول العربية.

لم تستطع بغداد أن تصمد سوى أيام قليلة في وجه الغزو الأمريكي للعراق، وقد كان سقوطها بهذه السرعة شاهدًا آخر على أنّ صدام حسين، لم ينجح في خلال سنوات حكمه سوى في تأجيج مشاعر البغض والكراهية ضده بين العراقيين، وإحاطة نفسه بمجموعة من الرجال الذين لم يجمعهم شيء سوى التعطش للسلطة والرغبة في الانتقام. فلو كان شعب العراق صفًّا واحدًا وراء «قائده»، لم تكن لتتمكن عشر مدرعات وطائرات من إسقاط بغداد خلال أيام قليلة. أو لنقل لو نجح صدام حسين في أن يكون «قائدًا» لكل العراقيين لما تخلى عنه شعبه، عندما كانت إحدى المدرعات الأمريكية تقوم بإسقاط تمثاله في وسط العاصمة بغداد، بينما يشاهد الملايين حول العالم هذه المشاهد على شاشات التلفاز بمشاعر مختلفة.

لقد حكم صدام حسين العراق لأكثر من 24 سنة، ارتكب خلالها أخطاء عديدة من تصفيات سياسية، ومجازر، وإبادة جماعية، ولم يسقط إلا عندما أصبحت بغداد خرابًا بسبب الحرب. لكن سقوط صدام حسين لم يكن نهاية خراب بغداد. فإذا كان ظلم صدام حسين لشعبه قد جنا عليه، فإن ظلم أمريكا له وظلم الشعب العراقي لنفسه ما زال يكيل الخراب للعراق، ولذلك قال ابن خلدون: «إن العدل أساس العمران، وإن الظلم مؤذن بخرابه».

لقد جنا صدام حسين فيما جنا على نفسه بسبب أعمال القتل الجماعي والتعذيب والاغتيال التي طالت خلال 24 سنة من الحكم، طوائف مختلفة من العراقيين السنة والشيعة والأكراد. ولذلك فإن سقوط صدام حسين كان حتمية تاريخية لا بدّ منها نتيجة لهذه الأفعال، ولم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق سوى القشة التي قصمت ظهر الأمير.

عند توليه الحكم في سنة 1979، أصدر صدام حسين أوامر بتصفية معارضيه من حزب البعث، وزملائه وأصدقائه الشخصيين، وقام شخصيًّا بالإشراف على تنفيذ هذه الأوامر، فيما يعرف بمؤامرة الرفاق في سنة 1979.

إن إعدام صدام حسين من طرف القوات الأمريكية، وتنفيذ حكم الإعدام يوم عيد الأضحى الذي يمتلك رمزية  كبيرة لدى المسلمين يثبت حقيقة الخوف الأمريكي من صدام حسين، ورغبة الولايات المتحدة في التشفي من المسلمين بعد سنتين فقط من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، فيما يشبه مشاهد «تعلق الرؤوس على أبواب المدن». لكن ذلك لا يمكن أن يعطي صدام حسين حصانة ضد أي انتهاكات أو جرائم ارتكبها في حق العراقيين، ومن بينها عمليات القمع الجماعي للانتفاضة الشعبانية التي عقبت حرب الخليج في سنة 1991. وقد انتهت هذه الانتفاضة بمقتل مئات العراقيين على أيدي القوات النظامية بعد خروج مظاهرات في 14 من بين 18 محافظة عراقية للتظاهر ضد الممارسات القمعية لنظام صدام حسين.

لم يكن موقف العراقيين من صدام حسين حاسمًا لوحده في  الإطاحة به، فقد جعل موقف بعض الدول العربية ودول الخليج، وتحديدًا الكويت والسعودية مهمة الولايات المتحدة أسهل في إسقاط النظام العراقي، والإطاحة بحكم صدام حسين. وقد تأثر موقف هذه الدول من الغزو الأمريكي بحادثة غزو الكويت في سنة 1990. وبغض النظر عن الظروف التاريخية التي دفعت صدام حسين لغزو الكويت، أو ارتكاب جرائم في حق طوائف من العراقيين، فإن هذه التراكمات أدت داخليًّا وخارجيًّا إلى تنامي الشعور بالكراهية تجاه نظامه، ما جعل بعض الدول العربية أكثر تفهمًا لفكرة الغزو الأمريكي للعراق من أجل الإطاحة بحكم صدام حسين.

خيانة شعب

إن غزو العراق وخرابها كان دائمًا خيانة شعب، ولم يكن خيانة حاكم. فكما يجني الحكام على شعوبهم بدافع الكراهية، مثلما فعل الحجاج بن يوسف مع أهل العراق، أو بدافع الحب مثلما أحرق نيرون مدينة روما التي عشقها حتى الجنون، فإن الشعوب أيضًا تجني على حكامها، وتاريخ بغداد وحدها يقوم شاهدًا على ذلك في مناسبتين.

سقطت بغداد مرتين عبر التاريخ، بعدما بلغت أوج ازدهارها الحضاري والثقافي، بسبب خيانة الشعب لحاكمه. وإذا كان ذلك يحدث غالبًا في الدول العربية بطريقة عكسية، أي خيانة الحاكم لشعبه، فإن التاريخ لم يقدم لنا إلى اليوم مثالًا واحدًا لشعب خذل حاكمه بدافع الحب، بقدر ما قدم لنا نماذج عديدة لشعوب تملكها الشعور بالندم لأنها خذلت حكامها.

سقطت بغداد للمرة الأولى في سنة 1258، فيما يعرف تاريخيًّا بالغزو المغولي لبغداد أو حصار بغداد، عندما دخل المغول بقيادة هولاكو حاضرة الدولة العباسية وعاصمة الخلافة الإسلامية، وعاثوا فيها خرابًا وفسادًا.

كان المستعصم بالله خليفة المسلمين عندما غزا المغول بغداد، في الوقت الذي بدأت تشهد فيه الحضارة الإسلامية نهاية عصرها الذهبي. ويعتقد عديد المؤرخين أن الوزير ابن العلقمي كان يتعاون من المغول للتآمر على الخلافة العباسية بسبب «معاملتها العنصرية للشيعة»، بينما يعتقد مؤرخون آخرون أن مجموعة من الصليبيين في الشام كانوا يحرضون المغول على تخليصهم من «ظلم الدولة العباسية».

بعد مئات السنين، أعاد التاريخ نفسه. وسقطت بغداد مرة أخرى بسبب خيانات داخلية، اختلفت فيها الأطراف والأسباب لكن النتيجة كانت نفسها؛ نهب ذاكرة حضارية عمرها آلاف السنين، وسقوط حامية عربية في وجه الأطماع الإيرانية والإسرائيلية في المنطقة العربية.

ما زلنا نذكر جيدًا مشاهد النهب والسرقة والخراب التي طالت متاحف بغداد في الأيام الأولى للغزو الأمريكي للعراق. ولذلك كان الغزو في جزء منه عدوانًا صارخًا على الذاكرة الإسلامية والعربية المشتركة، بهدف طمس التاريخ. ولذلك يقول أحدهم «التاريخ هو ذاكرة الشعوب، وشعب بلا تاريخ هو شعب بلا ذاكرة».

لقد شكل صدام حسين بانتماءاته القومية قائدًا للمشروع العربي القومي، وقد حظيت أفكاره بشعبية كبيرة بين الدول الاشتراكية التي تتوق للتحرر، والدول العربية التي تحلم بمشروع الوحدة، بسبب الخوف الذي كان ينتابها من النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة في أواخر التسعينات، ومن التهديد الإسرائيلي لوجود الشعب الفلسطيني، وسيادة الدول العربية الأخرى. أما محليًّا فقد قام بتطوير نظام الرعاية الصحية والصناعة والتعليم، وأسس نموذجًا اقتصاديًّا ناجحًا استطاع الصمود في وجه العقوبات الاقتصادية الدولية.

عندما كانت الدول الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة وبريطانيا تحاول إقناع شعوبها بتصديق أكذوبة امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، التي يمكن أن تشكل تهديدًا على أمنها، كانت بعض الدول العربية تتآمر مع الغرب للإطاحة بصدام حسين بدافع الانتقام والكراهية، وأحيانًا لأنه نجح فيما فشلت فيه. وعندما انكشف غطاء الغزو الأمريكي للعراق بعد أسابيع قليلة، ادعت الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما تحملان مسؤولية تصدير الديمقراطية إلى العراق، بينما بدأت شريحة واسعة من الشعوب العربية تشعر وسط كل هذه التناقضات والخيانات المتبادلة، بالكراهية تجاه الغرب، وخيبة الأمل تجاه الحكام العرب.

إن التوتر الذي تشهده منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط منذ سنوات، بسبب مخاوف الدول العربية من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة يعود في جزء كبير منه إلى الأخطاء التي اقترفتها دول الخليج العربي، عندما تآمرت مع الغرب للإطاحة بنظام صدام حسين، ما جعل العراق الذي كان سدًّا منيعًا في وجه النفوذ الإيراني، مرتعًا للميليشيات الشيعية التي ما زالت تعمل على زعزعة أمن الدول العربية، بهدف خدمة المصالح الإيرانية في سوريا والعراق.

لقد وقف صدام حسين في وجه الأطماع الإسرائيلية في فلسطين، وفي المنطقة العربية، من خلال اعتماد سياسة المقاطعة الاقتصادية والدعم العسكري للمقاومة الفلسطينية، والمشاركة في عمليات عسكرية ضد إسرائيل.

كان صدام حسين قد تبنى منذ ثمانينات القرن الماضي سياسة تأميم الثروات الطبيعية، ورفع شعار «نفط العرب للعرب»، وشكل بذلك محور مقاومة اقتصادية بهدف الضغط على الدول الغربية، من أجل وقف دعمها لإسرائيل. وقد سمحت هذه السياسة للدول العربية في مرحلة ما بفرض شروطها على الولايات المتحدة وبريطانيا.

لقد ساهم صدام حسين في كسر معادلة التفوق الإسرائيلي في المنطقة، ونجح في ضرب عمق الكيان الصهيوني، ما سمح للجهود الدبلوماسية العربية في الدفاع عن القضية الفلسطينية ببلوغ أشواط متقدمة، مستفيدة في ذلك من تغير المعادلة الميدانية. ووفر العراق خلال فترة حكم صدام حسين أشكالًا مختلفةً من الدعم للمقاومة الفلسطينية، بما في ذلك الدعم المالي، بعدما خصص 10 آلاف دولار لعائلة شهيد فلسطيني رغم المشاكل الاقتصادية التي كان يواجهها العراق خلال تلك الفترة.

لقد أدى سقوط صدام حسين إلى انهيار مركز ثقل محور المقاومة العربية، التي بدأت تتشكل في وجه الأطماع الإسرائيلية، وهو ما أفقد القضية الفلسطينية زخمها الدبلوماسي في المحافل الدولية، بينما سارعت بعض الدول العربية بعد سنوات من سقوط النظام العراقي إلى الارتماء في أحضان إسرائيل، من أجل ضمان بقاء أنظمتها، والتي تعمقت الفجوة بينها وبين شعوبها منذ بداية حرب العراق.

إن صدام حسين ارتكب أخطاء عديدة أدت إلى تنامي الشعور بالكراهية تجاهه بين فئات واسعة من الشعب العراقي، وبعض الدول العربية، لكن ذلك لا ينفي إنجازاته العديدة محليًّا، وصموده في وجه المحاولات الغربية لإفشال نموذج النهضة العربية. كما لا ينفي أبدًا الدور القيادي لصدام حسين في التصدي للأطماع الإيرانية، والمشروع الإسرائيلي في المنطقة.

لقد أدى الغزو الأمريكي إلى زرع الفوضى، وتأجيج الصراعات الطائفية في العراق، وما زال العراق يجني إلى اليوم ويلات هذا الغزو من مآسي التشرذم السياسي إلى مشاهد القتل اليومي والتطرف الديني.

إن العراق اليوم أمام رهان حقيقي من أجل تجاوز هذه المرحلة القاتمة من تاريخه، في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة العربية اضطرابات عديدة أدت إلى إضعافها داخليًّا، وعزل القضايا العربية دوليًّا وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صدّام حسين
عرض التعليقات
تحميل المزيد