ما إن سمعتُ بأن تسجيلات اجتماعات القيادة العراقية في عهد البعث قد رُفعَت عنها السرية من قبل الإدارة الأمريكية، حتى باشرتُ بالاستماعِ لبعضها، رغم أن طولها الكلي يصلُ إلى مئات الساعات المسجلة من الاجتماعات المنعقدة خلال فترة حكم صدام حسين من 1979 إلى 2003، وعلى مستوياتٍ مختلفة، مجلسُ الوزراء، مجلسُ قيادة الثورة، القيادة القطرية للحزب، والقيادة العامة للقوات المسلحة.

أما لماذا باشرت بالاستماعِ لها، فهو لفهم عقلية الشخصية الجدلية التاريخية المتمثلة بصدام حسين، هذا الرجل الذي أعدم فورًا دون أن نستمع لشهاداته ورؤاه، دون أن يكتب مذكراته، دون أن يتحدث للصحافة، كيف كان صدام يفكر؟ كيف كان تعامله مع رفاقه وزملاءه؟ كيف لهذا الغول (كما يراه معظم من عرفه في العالم) أن يتحدث، ويتعارض مع الآراء التي لا تروق له، وكيف يتعاملون هم معه؟ كل تلك الأسئلة كانت تحوم بذهني قبل أن أبدأ الاستماع، أما السؤال الأكبر فهو:

كيف أوصل صدام حسين البلاد إلى خرابها الأخير؟ بأية عقلية؟ وماذا كان يعتقد أن يحدث بعد كل المغامرات الهوجاء التي قام بها؟ أم أنهم نصبوا له الفخاخ ودفعوه لها أٌقصد الغرب؟ هل كان محقًا بشأن الحرب العراقية الإيرانية؟ من الذي بدأ الحرب؟ هو أم خميني؟ وما الذي أراد لها أن تستمر لثماني سنينَ متواصلة كاملة؟ ولماذا غزا الكويت؟ ولماذا قرر مواجهة قوات التحالف؟

بدأتُ بالاستماع للمقاطع، وأول ما أثار فضولي هو مقطعٌ طوله ساعة و33 دقيقة، يتحدث به صدام مع من يبدون أعضاء القيادة الحزبية في البلاد، لقد سبق هذا الاجتماع حرب الخليج الثانية ببضعة أيام فقط، يتساءل الرئيس عن الاستعدادات الداخلية والخارجية لمواجهة ضربة محتملة تنفذها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لغرض طرد القوات العراقية من الكويت التي يحتلها صدام منذ ستة أشهر دون أن تُطلق على قواته رصاصة واحدة. بصورةٍ عامة، كان الرئيس غاضبًا، غاضبٌ من إثارة قلق السكان المحليين بسبب كثرة الأناشيد الحماسية المتواصلة التي يعرضها التلفزيون العراقي، ما يؤشر على تخويفهم من أيامٍ عصيبةٍ قادمة، وغاضبٌ أيضًا من أداء قوات الدفاع المدني التي أثارت بإجراءاتها المكثفة رعب السكان في بغداد بالتحديد، لقد ألقى صدام باللوم على الأعضاء بطريقة عنيفة، وصب جام غضبه على الأساليب التي يقومون بها، والتي تأتي بنتائج عكسية، ومما أثار اضطرابه أكثر هو وجود شائعة تريد الانطلاق في مسيرة ببغداد ترفع شعار: «منريد الكويت، نريد ريسنا».

قال عنها صدام: إنهم يسترجعون الكويت بهتاف! من أطلق هذا الشعار أذكى منا جميعًا نحن المجتمعين!

أما ما أُثار تعجبي، هو أن صدام كان يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بضرب العراق بالقنبلة النووية، ومع ذلك هو مصر على مواجهتها! إذ كان يقول لقيادته:

عليكم العمل على أن يتآخى كل ابن مدينة مع ابن ريف، وتنتقل العوائل من المدن إلى الريف ويختفون هناك في خطة إخلاء كبرى، لعل هناك ضربة نووية نقلل من خسائرها بهذه الطريقة!

ويستدرك: إننا نواجه عدوًا مختلفًا تمامًا، هذه ليست إيران، وليست حتى إسرائيل!

بهذا يعترف صدام حسين بأنه يواجه خصمًا هائل القوة العسكرية، ورغم ذلك فهو مصمم على قتاله، لقد طمأنه علي حسن المجيد بأن قواته قد أكملت بناء 90% من المواضع والملاجئ والمزاغل على طول الساحل الكويتي، نعم، مزاغل تواجه أساطيل أمريكا وحلفائها!

ربما الاستماع لتسجيل واحد من هذه التسجيلات العديدة لا يكفي لفهم طريقة تفكير صدام حسين، لكن ما استطعت فهمه من هذا التسجيل على الأقل، إن عقلية هذا الرجل معقدة ولا يمكن فهمها بهذه السهولة، واللوم كل اللوم على أولئك الذين أعدموه دون أن يسبروا أغوار عقله، أو يسمحوا للعالم أن يفعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد