“تورط الولايات المتحدة في الصومال في سنوات ما بعد الحرب الباردة: نموذج للتوتر بين المصالح والقيم في السياسة الخارجية الأمريكية” عنوان دراسة مختصرة قدمتها عام 2013 الباحثة النرويجية في جامعة أوسلو؛ بيورج ماريا آيدا وينيسلاند، كأطروحة تكميلية لنيل درجة الماجستير.

تركز الباحثة على دراسة حالة واحدة، تعد الأقدم والأكثر وضوحًا داخل الإطار المحدد في عنوان الأطروحة؛ متمثلة في التدخل العسكري الدولي في الصومال، بقيادة الولايات المتحدة في ديسمبر عام 1992.

استُهِلَّتْ الدراسة بالمدخل النظري/ الفلسفي، ثم تناولت توجهات السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات التي تلت مباشرة انتهاء حقبة الحرب الباردة، وتأثير الإعلام والعوامل الداخلية على صناعة قرار التدخل، والخلافات بين أمريكا والأمم المتحدة في إدارة الملف الصومالي، كما أشارت الدراسة إلى تعقيدات الوضع المحلي الصومالي، وسوء تقييمه من قبل الجانب الأمريكي.

القوة، المصالح، والقيم:

تذكر الباحثة أنه بالرغم من وجود نزعة أمريكية قديمة للانعزال وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أنه وبسبب تمتع أمريكا بوضع متميز في القيادة الدولية ونفوذ متزايد عالميًّا منذ الحرب العالمية الأولى؛ فإنها امتلكت تاريخًا طويلاً من التدخلات العسكرية والدبلوماسية في دول العالم.

في السياسة الدولية تقوم الدول والقوى المتنفذة – عادة- بتقديم المصالح على القيم والمبادئ التي تتبناها، ولهذا السبب تظهر التدخلات المختلفة في شؤون الدول الأجنبية، غير أن الولايات المتحدة حرصت -وبشكل أكثر بروزًا من أية قوة دولية أخرى- على ترويج قيمها الأساسية (الحرية والديمقراطية) أثناء تدخلاتها؛ العسكرية على وجه الخصوص، ومحاولة إضفاء نوع من الشرعية الأخلاقية عليها. وبغضّ النظر عن هذه المحاولة، فإن سؤال الجدية والمصداقية كان وما زال حاضرًا وبقوة على أرض الواقع.

وكمدخل للأطروحة؛ تسرد الباحثة ثلاثة نماذج في هذا السياق. فحين دخلت أمريكا الحرب العالمية الأولى أعلن الرئيس وودرو ويلسون أن هدف دخول الحرب هو تأمين ديمقراطية العالم، ولاحقًا أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت أن هدف دخول الحرب العالمية الثانية هو محاربة الشمولية، كما أعلن الرئيس جورج بوش الابن أن هدف غزو العراق هو محاربة الإرهاب وأنظمة الشر.

تلك القيم الأخلاقية لم تكن في حقيقة الأمر ما دفع الولايات المتحدة عبر التاريخ للتدخل عسكريًّا في الدول الأخرى، بل كانت المصالح الذاتية هي المحرك الرئيس، وفي حال انتفاء مصالح استراتيجية تبدو جليّة لصانع القرار الأمريكي فإن العامل الأخلاقي وحده لا يكفي للتحفيز على التدخل والتعجل فيه ابتداء، أو الاستمرار فيه حتى لو لم تتحقق أهدافه الأخلاقية المعلنة.

تضرب الباحثة مثالي البوسنة والهرسك ورواندا للتأكيد على هذه الفرضية.

حيث لم تتحفز الولايات المتحدة للتدخل في الأولى رغم الحرب البشعة التي اندلعت عام 1992، والإرهاب الذي مارسه صرب البوسنة ضد مسلمي البوسنة، وكانت توصيات البنتاجون للرئيس بيل كلنتون تحثّ على عدم التسرع في أي تدخل عسكري في منطقة البلقان، بالرغم من التقارير الدولية التي ظهرت عام 1993 وسجلت ارتفاع عدد ضحايا المجازر في البوسنة لأكثر من مائة وخمسين ألف شخص، وعقب مذبحة سربينيتشا الشهيرة أواسط عام 1995، جاء أول تحرك أمريكي عملي من خلال المشاركة في عمليات الناتو الجوية ضد القوات الصربية.

وفي الثانية لم تكتف الولايات المتحدة بعدم التدخل لإيقاف المجازر الشنيعة التي كانت تحدث في رواندا، بل إن المسؤولين الأمريكيين لم يصفوا ما حدث وقتها بـ “المجزرة”، رغم التقارير الدولية التي ذكرت ارتفاع عدد الضحايا عام 1994 إلى ما يقرب من المليون (ثمانمائة ألف شخص).

تأثير المصالح الذاتية والعوامل الداخلية:

تمتعت الصومال بأهمية استراتيجية للقوى العظمى نظرًا لموقعها الجغرافي المطل على خليج عدن؛ بوابة الطريق البحري لمنابع النفط في الشرق الأوسط. وباعتبار الصومال حليفًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة في الحرب الباردة وتحديدًا فترة الثمانينيات؛ فإن التدخل في نهاية عام 1992 يمكن اعتباره امتدادًا للوجود الأمريكي الذي غاب عن المشهد الصومالي لسنتين تقريبًا، بعد سقوط نظام سياد بري بداية عام 1991، واندلاع الحرب الأهلية.

توافقت الحرب الأهلية الصومالية مطلع التسعينيات وما رافقها من أزمات سياسية وإنسانية مع تحولات كبيرة في النظام الدولي. فقد انتهت الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وتغيرت صور التنافس بين القوى الدولية، وبدت الولايات المتحدة – أكثر من أي وقت مضى- متفردة بقيادة العالم. ولا شكّ أن هذه التحولات الدولية ألقت بظلالها على الصومال، وساهمت في تشكيل إرادة التدخل لدى صانع القرار الأمريكي.

وتذكر الباحثة أن بعض المحللين وصف الحالة الصومالية آنذاك بأنها فرصة للولايات المتحدة لتجريب مبدأ جديد في السياسة الخارجية، يجمع بين الليبرالية (نشر قيم الحرية والديمقراطية)، والبراغماتية (التغاضي عن ممارسات بعض الدول الاستبدادية)، إلى جانب المثالية (مناصرة حقوق الإنسان)، وابتكار طريقة أمريكية لحل المشاكل.

اتخذ الرئيس جورج بوش الأب قرار التدخل في الصومال قبيل الانتخابات الرئاسية، عقب عملية عاصفة الصحراء/ حرب الخليج الثانية، وإخراج القوات العراقية من الكويت، واعتبر البعض قرار بوش مغامرة انتخابية غير محسوبة العواقب، ومحاولة لتحقيق نصر جديد من باب التأكيد على دور شرطي العالم.

كانت الدفعة الأولى من القوات الأمريكية التي وصلت إلى شواطئ مقديشو في ديسمبر عام 1992 حوالي ثلاثين ألف جندي، وبصحبتهم سبعة عشر ألف جندي آخرين شاركوا في العملية التي عرفت باسم “إعادة الأمل” من عشرين دولة، وأطلق على القوات الأمريكية والدولية اسم “قوات يونيتاف”.

لكن الرئيس جورج بوش الأب خسر سباق الرئاسة، وتمخضت الانتخابات عن فوز الديمقراطيين ومجيء بيل كلنتون للبيت الأبيض، فأصبحت الصومال تركة الجمهوريين الثقيلة التي كان على إدارة كلنتون تحمل أوزارها.

قامت وسائل الإعلام بدور محوري في التمهيد للتدخل العسكري محليًّا وعالميًّا، فالصور المأساوية للمجاعة المنتشرة في كل مكان اتسمت بالتضليل، وأحيانًا بالمبالغة، وطبعت في الأذهان أن المجاعة أصابت كامل التراب الصومالي وتضرر منها كل الشعب الصومالي بلا استثناء، ما هيأ الشعب الأمريكي نفسيًّا لمساندة صانع القرار وتقبل فكرة التدخل العسكري الأمريكي في سياق بطولي إنساني، لضمان وصول المواد الطبية والغذائية للمتضررين، في حين لم يتجاوز الذين تضرروا من مجاعة التسعينيات 12% من مجموع السكان، أضف إلى ذلك أن المناطق المتضررة كانت محصورة في بعض مدن الجنوب.

غياب الرؤية الاستراتيجية:

تشير الباحثة إلى أن الفترة الزمنية التي تولى فيها الرئيس بيل كلنتون مقاليد الأمور فرضت على الولايات المتحدة متطلبات حيوية وحساسة؛ فالعولمة كانت الكلمة الطنانة، وثمة اقتصاد ونظام عالميان جديدان في طريقهما للتشكل. وكقوة نصبت نفسها نموذجًا مثاليًّا للديمقراطية؛ فقد كان على الولايات المتحدة إعادة التفكير في جدوى التدخل في النزاعات الإقليمية والمحلية والتي لا تؤثر بشكل مباشر على المصالح الأمريكية الحيوية، وهنا برزت الصومال كسؤال معقد لا بد من الإجابة عليه.

فضّل كلنتون أن تعمل أمريكا في إطار تعددي وتوافقي وبالتعاون مع الأمم المتحدة فيما يخصّ الشأن الصومالي، وانصبّت أولوياته على إصلاح الاقتصاد الأمريكي، لكن غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة منذ البدء حال دون تحقيق إنجاز أمريكي ملموس.

تعرض الباحثة برقية تحذيرية من السفير الأمريكي في كينيا؛ سميث همبستون، موجهة لوزارة الخارجية الأمريكية، عام 1992 وقُبيل التدخل العسكري الأمريكي، يمكن اعتبارها استشرافًا دقيقًا للوضع برمته من جهة، وتأكيدًا على أن العامل الإنساني المجرد ليس كافيًّا لتحرك القوى العظمى من جهة أخرى، جاء في برقية السفير:

“الصوماليون مقاتلون بالفطرة، سوف يقومون بتلغيم الطرق، ونصب الكمائن، وسيطلقون هجمات الكرّ والفرّ. إن أحببتم بيروت فسوف تحبون مقديشو. من أجل ماذا؟ من أجل إنقاذ آلاف الأطفال الصوماليين من الموت جوعًا عام 1993، والذين في كل الاحتمالات سيموتون جوعًا عام 1994، إلا إذا كنا مستعدين للبقاء عام 1994”.

بعد مجيء كلنتون إلى البيت الأبيض؛ أعلنت الولايات المتحدة رسميًّا تسليم قيادة القوات الدولية في الصومال إلى الأمم المتحدة. أطلق على القوة الدولية إثرها “قوات يونيصوم 2″، وتبع ذلك تحول جذري في مهمة القوات الدولية في الصومال، من حفظ السلام وتأمين وصول المواد الغذائية والطبية للمحتاجين إلى فرض الأمن وبناء الدولة.

وفي سياق غياب الرؤية الاستراتيجية بخصوص الصومال حتى عن الأمم المتحدة نفسها، تستشهد الباحثة بكلام دريسديل، مؤلف كتاب (ماذا حدث للصومال؟ حكاية من الأخطاء المأساوية):

“استخدم الأمين العام للأمم المتحدة الصومال كفأر تجارب لإثبات أو نفي جدوى نظريته الخاصة – ويطلق عليها صاحب الكتاب: نظرية بطرس غالي- والتي تتضمن استبدال سيادة الدول بالسيادة العالمية. وهذا يعني أن حقوق الأشخاص يجب أن تكون محمية عالميًّا، وأن من حق الأمم المتحدة فرض السلام والأمن بالقوة إذا تطلب الأمر”.

نقلاً عن الكاتب الصومالي عبد السلام عيسى، مؤلف كتاب (انهيار الدولة الصومالية: تأثير الإرث الاستعماري) تذكر الباحثة أن الصفقة التي عقدها السفير الأمريكي روبرت أوكلي قبيل التدخل الأمريكي مع أميري الحرب فارح عيديد – المسؤول الأول عن المجاعة- وغريمه علي مهدي لتسهيل عملية التدخل، أوهمتهما أن ذلك اعتراف أمريكي جزئي بشرعيتهما، ومن هذا المنطلق رحبا بالقوات الأمريكية فور وصولها مقديشو.

لكن انقلاب سياسة القوات الدولية بعد تولي الأمم المتحدة زمام القيادة أثار حفيظة ميليشيات الجنرال عيديد وحلفائه، وتطور الأمر إلى اشتباكات دموية وحرب عصابات وتفجيرات وإسقاط مروحيات وسحل جندي أمريكي أمام كاميرات العالم وأسر آخر، وفي نهاية المطاف قررت القوات الأمريكية والدولية الانسحاب من الصومال عام 1994 دون أن تحقق أيًّا من الأهداف الإنسانية أو السياسية التي تبنتها.

اقتبست الباحثة في ختام دراستها كلمات آدم روبرتس، المعبرة عن جوهر الأطروحة:

“هناك حاجة لجرعة صحية من الشك في استئناس النفس بفرضية أن عملاً معينًا قد تقوم به قوة عظمى لدوافع إنسانية بحتة. ما تزال المصالح الذاتية والدهاء والانتهازية السياسية العوامل المؤثرة في سلوك الدول، وهذه العوامل هي التي تؤثر وبقوة في تفضيل الدول عملاً إنسانيًّا في حالة معينة، ومعارضة ذلك العمل الإنساني في حالة أخرى”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد