بعد عدة أعوام أصدر الكاتب والشاعر الشاب عمرو صبحي ديوانًا شعريًا بعنوان: إعادة تدوير الخيبة، عن «دار دون»، جاء الديوان بغلاف ذي ألوان مميزة، واسم طويل، نوعًا ما ، الديوان يتنوع ما بين قصائد نثرية طويلة ومقتطفات ونصوص وظهور صغير لجزيئات صغيرة شعرية من بحر المتقارب مُعنونة بـ«سرد أول وثان وثالث»، كما أضاف أجزاء قليلة كان قد نشرها في كتابه الإلكتروني «يوميات كهل صغير السن»، المتابع لكتابات الشاعر سيعرف أنها تتميز بجو عام من الحزن والأسى، بطريقة تجعلك تتعاطف معها.

يمكن اعتبار الشعر من  أكثر الكتابات صدقًا وملامسة للقلوب، وفي هذا الديوان استطاع الشاعر أن يؤكد على ذلك،  في بداية الديوان اقتبس الشاعر عن ريلكه قوله: «هذا العالم نشيده فينهار، ثم نشيده فننهار نحن» ثم تبعه مفتتحُا بعنوان: أشيده إليْ» ويمكننا اعتبار الاثنين معًا كموجز صغير انعكاسًا للحالة العامة للديوان، وكأنه أراد القول «هذا ما سيكون عليه الأمر».

بوسعنا القول إن أسلوب عمرو صبحي سهل ممتنع. هناك بساطة في المفردات مع عمق وتكثيف في المعنى، وفن اختيار الكلمة المناسبة للمكان المناسب، مع شاعرية ورقة تجعل كتاباته تمس القلوب بسرعة.

بعض الفقرات أوضحت ثقافة الشاعر واطلاعه، فمثلًا ذكره سيزيف وهو رمز للعذاب الأبدي – بينلوب رمزًا للوفاء – دريدا رمزًا للاتجاه الفلسفي التحليلي.

الروح الغالبة للديوان  تدور في عدة محاور الحزن، الوحدة، الحب غير المكتمل، السفر، ومحاولة البقاء على قيد الحياة، تذكره لحبيبته ومحاولاته الفاشلة لنسيانها مع لمسهِ لألم الفراق.

مع ملاحظة نوع من النضوج الفكري وتأكيد على فلسفة أن الحياة ما هي إلا مأساة كبرى، وعلينا التصالح مع فكرة أننا على قيدها، ولا مفر من ذلك، يقول مثلًا في عدة مواضع:

«غير أنه ليس في وسعنا آن نحيا دون أن يمسنا الفقد».

«الحياة التي نريدها عصية على التحقق».

«لا شيء على ما يُرام ومن الأفضل تقبل ذلك».

 

التعبير عن الآلام الجسدية وأن ما قد يعكر صفو الحياة ليست صراعات نفسية وداخلية فقط،  نجد في أكثر من موضع ذكر الشاعر آلامًا صدرية (الحموضة)، وقال مثلًا: «دون أن تحرق عصارتي المشتعلة نهاري وشيك الولادة، حلقي تنغرس فيه آلاف الخناجر والسعال يكاد يمزق صدري»، فهو يتمنى أمنية بسيطة جدًا بألا يتعكر صفو يومه بآلامه الجسدية، وأن هذه الأشياء وإن بدت لا تشغل حيزًا كبيرًا، إلا أن لها قدرة أن تسيء لحالتنا النفسية والمزاجية.

 

في لوحة تم ذكرها أكثر من مرة عن صورة  الحبيب الذي فارق حبيبته، لكن ذكراها لازالت تؤرقه، وإن حاول إنكار ذلك، حالة تتفاوت ما بين الحنين والأسف على ما آلت عليه الأمور مع ندم مستتر.

كما في قصيدة: اصطياد متأخر للدهشة.

يقول:

«كان على الكون أن يبطئ من دورانه

قليلاً

كي أثبت عيني إلى عينها

قبل أن تتسرب يداها من بين أصابعي

كالماء»

 

تتلازم كلمتي: الحب – الخيبة، في موضعين مختلفين، يقول :

 

«أحدثكم عن الخيبة وعن الحب» ثم في موضع آخر قال: «وكما هو معروف – الحب والخيبة لا يأتيان

ببطاقات تحذيرية مسبقة».

هذا التتابع بين الكلمتين أضفى حالة من المسبب والنتيجة  بين الحالتين، وكأن أحدهما لا توجد دون الأخرى، وأن الحب يولد الخيبة، وأن أي وقوع في خيبة ما، فغالبًا سيكون الحب سببها.

 

 

يقول:

«مرتبكون من المسافةِ بين تعلق وانكسار بحجم أحلامنا»

البساطة في التعبير مع صدق الحالة وواقعيتها المرعبة، هناك دائمًا مشاعر متضاربة تولد مع ولادة كل حلم جديد، الأحلام أطفالنا التي حملناها في عقولنا ثم استولت على قلوبنا، كلما نما الحلم ازداد تعلقنا به وازداد خوفنا من فقدانه، هذه المشاعر التي تضخم في اتجاهين متعاكسين تسبب ارتباكًا وتخبطًا.

على امتداد الديوان ستستوقفك عبارة ما، تشعر أنها كتبت لأجلك وأنك لو كنت تريد التعبير عن نفسك ما كنت لتكتب غيرها، وأعتقد أن هذا من أفضل ما قد يوجد بديوان شعري.

.

هناك عدة ملاحظات:

تكرار عبارة «العالم الذي لا ينتهي»

نحن صغار وهذا العالم شاسع جدًا، والشاعر الذي تجول كثيرًا في عدة بلدان أدرك ذلك مسبقًا، نحن لا شيء تقريبًا ونحن ضائعون وتائهون فيه دون وِجهه محددة، علنًا نصل لما لا نعلم.

.

أيضًا وصف الشاعر لنفسه في عدة مواضع وتضاده مع وصفه لحبيبته، يقول عن نفسه في تقليل من الذات ونكرانها:

«لأني وردة من ملح / أنا مأساة مركبة / عيناي ظلام / لستُ رجلًا طيبًا»

في حين وصفه لحبيبته ووجهها تحديدًا:

«أتأمل وجهك واجتهد أن أحصي نعم الله»  تكررت مرتين، «أتذكر وجهك فيتبدل الحزن عجزًا / وجهك ينقي الحزن المعتق /  وجهك وطن وأنا غريب /  وفقدت ظلي عندما وليت وجهك عني / أحتاج وجهك كي أكون / وجهك كان مشروع وطني الوحيد / وجهك معلق بسقف الغرفة كما يليق به / وجهك لي دون أن أحمله بين راحتي»

التضاد بين كيف يرى نفسه يرى حبيبته واعترافه أنها من نعم الله عليه.

 

 

عن الديوان يقول الشاعر:

«من حيث المحتوى، المجموعة لم تكتب في فترة زمنية واحدة، وبالتالي كانت محاولة للأرشفة والتجديد في آن واحد. والحق أن عنوان المجموعة كان تاليًا لولادتها ويعكس التيمة الشعورية المسيطرة على المجموعة فهي محاولة مستمرة للفكاك من الخيبة حينًا، وإنتاجها عمدًا في أحيان أخرى. أما عن القالب فهو ليس واحدًا، فهو يتأرجح بين قصيدة النثر، وشعر التفعيلة الذي ظهر على استحياء في ثلاث مواضع، وبين النثر الخالص أحيانًا، وحيث إني آثرت أن تكون الحالة هي صاحبة البطولة فتعمدت البعد عن التصنيف وترك الخيار للقارئ أن يتذوقه كما يشاء.

 

بعض القصائد والنصوص المسجلة من الديوان بصوت الشاعر :

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد